جماليا تلتقي الفنان الكبير أنطوان كرباج: الرسالة الرحبانية بأيدٍ أمينة ولا خوف عليها

جماليا - أبوظبي قرأها 28
  

أهم عناصر نجاح الفنان صدقه مع ذاته ومع جمهوره   

**جماليا تلتقي الفنان الكبير أنطوان كرباج على هامش عرض مسرحية "زنوبيا"**

 IMG_0ythdhdt034.JPG

جماليا – أبوظبي*

أنطوان كرباج اسمٌ كبير في عالم المسرح اللبناني.. مخضرمٌ تستحضره ذاكرة الستينيات شابّاً طموحاً لاختراق المسرح بمداه العالمي مع منير ابو دبس في "مدرسة المسرح الحديث" التي قدَّمت عدداً كبيراً من المسرحيات المترجمة أو المقتبسة عن أروع الأعمال الخالدة عالمياً (سوفوكل وشكسبير وجان بول سارتر وغوته ويونسكو وغيرهم) وفي فرقة "المسرح الحرّ" ونراه منذ أواخر الستينيات بطلاً في أجمل أعمال الأخوين رحباني وبعدها وبالتوازي مع الحضور في المسرح الرحباني رأيناه في "مدرسة بيروت للمسرح الحديث" ومع برج فازليان وروجيه عسَّاف وزهراب يعقوبيان وريمون جبارة وعصام محفوظ وعبد الحليم كركلا ويعود في التسعينيات ليظهر مع منصور ومروان الرحباني ومع منير أبو دبس وآخرين وصولاً إلى خشبات مسرح القرن الحادي والعشرين. وها نحن نراه متألقاً كعادته، في أحدث مسرحيات منصور الرحباني- زنوبيا، بطلاً وضيف شرف ترتعش تحت قدميه الخشبة بينما يعلو صوته المتميز ليملأ الفضاء بصرخاته المدويّة التي تأخذنا بضدِّها، نظراً لطبيعة أدوار أنطوان كرباج، إلى صرخات الحق المواجِهة وإلى عنفوان المتنادين والمتجمهرين للدفاع عن أوطانهم وحضارتهم وحياتهم ومستقبل أبنائهم.

أنطوان كرباج نصف قرن من الحياة المسرحية والحضور الفني واسمٌ يفتخر به المسرح اللبناني على مدار تاريخ من الإقدام والمواجهة وتحدي الظروف والعمل بجدية وإخلاص ومثابرة دون خوف من إغضاب حاكم أو صعوبة فنية أو تقدم في السن.

في دبي، الإمارة النشطة في جميع المجالات والحكومة السخيّة العطاء والقيادة الفطنة والحريصة على الحضور العربي والعالمي وعلى الاستمرار في تبنّي أرقى أشكال الأدب والفن ودعم إبداعاتها وتكريم مبدعيها، كان لنا لقاءٌ مع الفنَّان الأستاذ أنطوان كرباج، أورليانوس- قيصر روما في مسرحية "زنوبيا" لمنصور الرحباني.

 IMG_0rterrestgsr032.JPG

الفنان الكبير الأستاذ أنطوان كرباج .. نرحب بك باسم هيئة تحرير وقرَّاء موقع "جماليا" وأنت في دبي .. على خشبة مسرح مروان الرحباني بطلاً لمسرحية زنوبيا، أحدث مسرحيات الفنان الكبير منصور الرحباني. في عالم المسرح اللبناني عموماً ومسرح الأخوين رحباني المستمر مع منصور ومروان وآخرين ممن عاصروا أو لامسوا فترة الأخوين عاصي ومنصور، في هذا العالم شجون وهواجس وحضورٌ يربط الماضي بالحاضر ويستشفُّ المستقبل. عن هذا العالم وما تتآلف في ثناياه من عناصر وما تخلقه من إبداعات نستمتع بجمالياتها ونقرأ مغازيها .. يسرنا أن نستمع إليك في حديث من القلب. 

1-              كيف يقدِّم الفنَّان أنطوان كرباج نفسه؟

أنا كفنَّان، نحنا كفنَّانين، مبادئنا الأساسيّة، حتى الإنسان يْكون طبيعي ع المسرح، بتِقتِضي إنُّو يْكون صادق بِأحاسيسو، إذا بْيِكذب على حالو كيف بدُّو يْمَرِّق الأشيا للنَّاس. وبِفْتِكِر إنُّو ما يصحّ على الفنَّان يصحّ على كل إنسان. الإنسان اللي بْينطلِق من إحساسو الصّادق.. من صدْقُو مع ذاتو بْيِقْدِر يكُون صادق مع النّاس ويمرّقْلُن الصدق وبيكون بالتالي قادر ع التأثير فيهُن. والفنان اللي بيِكذُب عَ حالو ما بْيِقدُر يْمرِّق الكذب عَ المسرح. ومْن الصَّعب جداً عَ الفنَّان إنُّو يمثِّل عكس قناعاتو، لأنُّو الفنَّان عَ المسرح لازم يْعيش دَورُو بصدْق. في إحدى المرَّات كنت عَم مثِّل مسرحية "فاوست" لـِ"غوته" .. كان في مشهد تحضير أرواح، وأنا بيني وْبين تحضير الأرواح ما في صِلَة. بِمطْرح بيكون عم يْناجي روح الأرض، أوصَل للعبارات اللي لازم قولُن وأوقَف متردِّد لأنِّي مش مقتِنع.. ما فيِّي قول شي ما من قناعتي.. بْكون عم إكذُب. تْعذّبت كتير وحاولت مثِّل المونولوج اللي لا بدّ منُّو.. وإذ خطرت عَ بالي فكرة إتعايش فيها مع الموقف. كان والدي متوفِّي مش من زمانْ. قلت لحالي بدل ما إحكي وأنا متخيِّل روح الأرض ليش ما بحكي مع روح والدي!، وانْقَلب الموقف إلى نجاح لأن المشاعر كانت صادقة ونابعة مْن القلب. والمونولوج اللّي كنت إهرب منُّو صار ممتع لإلي أكتر ما بتِتصوَّر.

2-     إذن، أنطوان كرباج الفنَّان هو أنطوان كرباج الإنسان الذي يمثل الصّدق بالنسبة إليه روح شخصيته. هذا بالفعل ما يعرفه عنك جمهورك أستاذ أنطوان، عبر سيرتك الطويلة في المسرح اللبناني وعشرات المسرحيات على خشبات مختلفة. نبدأ من اليوم، ونقتصر على المسرح الرحباني: أورليانوس – إمبراطور روما، في مسرحية زنوبيا، ونعود إلى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين- الشخص وفاتك المتْسلِّط وملهب والوالي والملك غيبون فالضابط باتريكوس إلى رعد الثالث. ماذا يشعر أنطوان كرباج الإنسان العاطفي والرومانسي والرقيق القلب ونموذج الصّدق وهو يستعرض أدواره المغايرة لشخصيته في تلك المسرحيَّات؟

الفنَّان بِحياتو الفنِّية دايْماً بْيِنْجح بالأدوار اللِّي بْتِحْمل صفات بْتِبْقى ناقْصِتُو. الإنسان الطّيِّب لمَّا بْيِلْعَب دور الماكر أو المخادع بْيِنجح فيه لأنّو بيكون عم يْمثِّل دور شخص ما بيحب صفاتو لذلك بيحاول يِبْرِزا بشكل واضح وْبِطريقة يقدر معا يْوصِّل الهدف للنَّاس. وأنا بِعْتبِر إنُّو الإنسان، من اللفظة اللّي بتعبِّر عن ثنائيتُو، إنسان هيّي مثنَّى أنس، بتتمثَّل فيه قيم الخير والشَّر. وبِحَسَب سيرة حياة الفرد واللِّي بْيِتْعرَّض إلُو بيِتْحدَّد سُلُوكو وْمصيرُو. كتير مْن الأحيان بيتعرَّض فرد إلى ضغوط كتيرة وكبيرة ومتْكرّرة بتحوّلُو في النهايِة إلى مجرِم أو حرامي أو قاتِل. نحنا كفنَّانين مِنفجِّر عنصر الشرّ عَ المسرح ومْنِرتاح.. مْنِعمِل مثلاً معارِك وْحروب ونزاعات بسّ ما بيموت فيها حدا وَلابْيِنزل نقطِة دمّ وَلا بْيِتْنكَّل بِحدا. هايْدي الرّحابنِة قايلينا صراحة بمسرحية "ناس من ورق". لذلك بتشوف أنُو اللّي بيمثّلُو بنجاح أدوار العنف والقسوِة هنِّي ناس بطبيعْتُن طيّبين. مثلاً الفنان الكبير محمود المليجي اللّي كانت أدوارُو عَ العموم بْتِتْميَّز بالقسوة والعنف والمكر وبنزعات الشّر، كان إنسان طيِّب ورقيق في حياتُو الشّخصية وكان مثال للنّعومة والعذوبة بعكس ما بْيِظْهر بأدوارو.

3-     محور هذه المسرحيات هو العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ومسرح الأخوين رحباني شعبي وقوي التأثير .. وشخصية البطل في هذه المسرحيات من أهم عناصر فعاليتها. هل تجد أنكم حققتم شيئاً من أهدافكم الكبيرة وأنتم تصرخون في وجوه الحكام الظالمين أو الطغاة وتحرِّضون الناس على النضال من أجل حقوقهم وحريتهم وكرامتهم ومن أجل حياة أبنائهم؟

مما لا شكَّ فيه أنّو الرحابْنِة الْتَزَمُو بِثنائيّتين أساسيتين تمحورت حولا كل مسرحيّاتُن هنِّي ثنائية الحقّ والباطل وثنائية الخير والشّر. وصوَّرولنا العالم بشكل كتير جميل وكتير مثالي وبينتصر فيه الحق عَ الباطل والخير عَ الشّر، على أمل إنُّو الإنسان يتطلَّع إلى هذا العالم. مْن الصّعب طبعاً إنُّو نوصل إلى العالم الرحباني ولكن مْن المُمْكن الاقتراب من هذا العالم المثالي المتكامل واللِّي لا يمكن للإنسان الوصول إليه. ما بعرِف نِحنا قدَّيش قدِرْنا نِقتِرِب من العالم الرّحباني .. يمكن الظروف اللِّي مرّينا فيها وْعم نْمر فيها لعبت دورها بِدرجة الإقتراب من عالم الأخوين رحباني. فالسياسِة اللّي طغت على حياتنا أخدِت النّاس بعيداً عن الفكر السليم والأدب الجميل .. ما بِقْصد بكلامي لبنان فقط وإنما المنطقة برمّتها واللِّي وصلِتْ إلى حالة اللامعقول .. وْبِرجَع بْقول: يارَيتْ فينا نفوت عَلى العالم الرّحباني بلْكي مِنلاقي حلّ لَمَشاكِلْنا ولَمشاكل أوطاننا. يِبْقو الأخوين رحباني يْقُولُو: "نِحنا منْصلِّح أخطاء السياسيّين" .. كانو بأعمالُن يْضَوُّو الطريق للسياسيين اللّي للأسف ما استفادو على ما يبدو من فكر الأخوين رحباني.   

4-     لو بحث باحث عنك أو عن دور كان من الممكن أن تلعبه في مسرحياتٍ رحبانية لم تشارك فيها فلن يجد. هل هذا يعني أن المسرحيات التي قمتَ فيها بأدوار البطولة كانت قد كُتبت وأخرجت لتطابق شخصيتك المتميزة في أدوار من هذا النوع؟

الحقيقة إنُّو الأخوين رحباني بأعمالُن المسرحية كانو يِكِتْبُو لأدوار معيّنة مرسومِة على أساس قدرات ومواصفات شخصيات بعينها. عاصي الكبير الخالد كان يْقِلِّي: "نحنا وْعمْ نِكْتُب مثلاً منوزِّع الأدوار على الممثلين تبعاً لمواصفاتُن وقدراتُن ومنصير نْقول هالشخص المختار هاالنّص بْيِنقال معُو أو ما بْيِنقال .. وها الحركِة بْتِنعمل معو أو ما بْتِنْعمل، وممكن نْعَدِّل بالنَّص حسب إمكانية مؤدّيه .. وْلما بوصَل لعِنْدَك بِطلق لمخيّلتي العنان وْما بْعود بِسْأل هايْدي بْتِنعمَل أو ما بْتِنْعَمَل، لأنِّي بعرِف إنُّو إنتَ بْتِقدُر تْجَسِّد كِل شي بتْخَيَّلُو بالدُّور المرسوم لإلك في العمل". .. إيْ كانو يكتْبو نصوص مْحدَّدِة لأشخاص مْحدَّدين تْلائم قدراتُن ومواصفاتُن.     

5-     هذا معناه أيضاً أن وجود شخصيات معينة بمواصفات خاصة مميزة في الأسرة الرحبانية يمكن أن يغْني النصَّ الرحباني إذ يوفر لكاتبه عنصر الاطمئنان إلى حسن الأداء فتحضر الشخصية بقدراتها في ذهن الكاتب وهم يحضِّر النصُّ. سيرة طويلة مع الأخوين رحباني .. وذكريات طيبة .. هلاّ حدَّثتنا أستاذ كرباج عن أيامٍ جميلة كنتم تصنعون فيها الجمال في بيئات كانت تقدِّر الجمال وتعشق ألوانه.

لمَّا تْعرّف الأخوين رحباني عْلَيِّي كانو آخدين فكْرة عنِّي إنُّو أنا إبن مدينِة وْما إلي علاقة كبيرِة بالأرض. كانت الحركة المسرحيِّة في لبنان في الستينيات بْبِداياتها، وْإجا أستاذ من برَّا وفتح معهد مسرحي. كنت أنا بِهالمعهد وْكانِت كل أعمالنا مْن الأدب المسرحي العالمي المترجم أو المقتبس، وربما كان مؤسس المعهد على حق لأنُّو صورة المسرح بْهِديك الأيام ما كانت مستَحَبِّة عند النَّاس.. كانو ينظرو للممثل على إنُّو مْشخَّصاتي .. وْهامشي.. وربَّما اختار التمثيل بديل عن الشّحادِة. تجربة المعهد الأولى وصَّلِت للناس صورة مغايرة عن الممثل.. فهو فنان ولازم يْكون عَلى درجِة عالْيِة من الوعي والثقافِة والغِنى النفسي والرّوحي. والمهم إنُّو الأخوين رحباني شافوني بعمل مسرحي عالمي مترجَم، فقرَّرو يِتْعَرَّفو عْليِّي وْدعوني عن طريق مدير الفرقة منير أبو دبس لَسهْرَة عنْدُن بالبيت دُعي عْليها عدد كبير مْن الشعراء والأدباء والفنانين والمثقفين والإعلاميّين.. كانت السهرة بربيع 1968، أي قبل مسرحية الشّخص بقليل. وارتجل عاصي زجلْ جميل كعادْتُو ولفت إنتباهو إصغائي وردِّي عْلَيه. وقرَّب منِّي وْسألني: "أنطوان إنت من وَين؟"، قِلْتِلُّو: "أنا مِن ضيعة بِجبل صنّين". قال: "إنتَ بتحِبّ كاس العَرَق وْبِتْقُول قِرَّادي وْزَجَل.. فإنت الشّخص الْعم نْفَتِّش عْلَيه". وهيك صار. وْأحلى الإيّام عِشناها بالمسرح.. السبت والأحد كِنّا نعمل حفلتين، ماتينيه وسْواريه، بين الحفلتين ممنوع إطلع لَبَرَّه .. كان عاصي يْجيب أكل وْنقعُد ناكل وْنِرتِجل الشعر .. هايدي كانت من أحبّ الذّكريات.

6-     مسيرة نصف قرن من الفن الراقي والجادّ في ما نسميه رسالة المسرح، وعموماً رسالة الأدب والفن من أجل الخير والحرية والمساواة والسعادة للجميع والتطور والتنور .. جمهور أنطوان كرباج راضٍ عن تراثه، فهل أنت راض؟

الفنَّان ما بْيِقدُر يْكون راضي عن نفسُو. واللِّي بْيِرضى عن حالُو بيكون فِضي من جُوَّا وحطّ لنفسُو حْدود. الفنّان بحالة خلق دائمة، وبِحاجِة دائمِاً إنُّو يْغَذِّي هالخزَّان الدّاخلي اللِّي عندو ويْنَمِّي المشاعر والأحاسيس منشان ما تْجِفّ، بشغل متواصِل جسديّاً وروحيّاً وفكريَّاً عبر تمارين متل العازف اللي عندو آلْتَين بْيِعزُف عْلَيّن هنِّي جسَدُو المتحرّك وْصَوْتُو. هاوْدي الآلْتَين لازم يْكونو بِجاهِزِيِّة تامِّة. تْصوَّر إنُّو عازف الكمان يجي على الأوركستر وفي وتر بآلة الكمان اللّي حامِلا مِرْخي أو مانُّو ظابِط!. كيف رَح يقْدُر ينقل مقطوعتُو بشكل صحيح وينقل معا مشاعرو .. رح يكون في شي ناقْصو. وْهيك كل فنَّان لازم يْكون على جاهزية تامِّة ما بِيْأمِّنا إلا الشغل الدّائم وتطوير الذات والقدرات.    

7-               بين "صح النوم "1971 و"صح  النوم 2006" ما هو الفرق؟

الأعمال الرحبانية مانَّا مبنيِّة على أحداث آنيِّة. والأخوان رحباني كانا رؤيويَّان ونظَرُن بعيد. وقت انْعَمَلِت جْبال الصوَّان عارَضُوها وقامِت القيامِة والصّحافة تْسَخَّرِت ضدّها. بعد عشر سْنين أو خمستعشر سنة لاكْتَشفو قدّيش كانت هالمسرحية عظيمة. فالمسرح الرحباني بيصيب الإنسان بِجَوْهَرُو .. لذلك هوِّي مسرح خالِد. والأعمال الخالدة عبر التاريخ هيّي اللَي صابت الإنسان بِجوهَرُو، وْجوهر الإنسان ما بْيِتْغيَّر. الحبّ مثلاً .. مع التطور بْيِتْغيَّر شكل التّعبير عنّو  بس جوهرو ما بْيِتْغيَّر. الحب بعدو بِجَوهَرُو حبّ.. والحكم بجوهرُو حكم .. والجمال جمال .. إنما مقاييس الجمال اختلفِت من عصر لَعَصر ومن زمن إلى زمن. ومن هون أعمال الرحابْنة خالدة لأنو جوهرا الإنسان.

8-     وطالما نحن في عالم الأخوين رحباني .. كيف ترى التواصل بين إرثهما والجديد الرحباني الحالي خصوصاً وأن الأستاذ منصور الرحباني مازال سخياً في عطائه؟.

الرسالة الرحبانية بأيدٍ أمينة وْما بْيِنخاف عْلَيها. مافي مين يْنافِسا ومافي شي يِمْنعا من الإستمرار.

9-     المسرح مواجهة مباشرة بين الفنان والجمهور، والفنان الممثل القدير تشكل هذه المواجهة مقومة هامة عنده، تؤهله عادة لخوض عالم السينما. أنت معتاد على مثل هذه المواجهة. لماذا ندُر اقتحامك فن السينما؟

أنا ما تْعاطَيْت مع السّينما كتير لسبب رئيسي هوِّي إنُّو بلبنان ما في سينما، بالرّغم من توفُّر العناصر الفنيّة اللازمِة للسينما. إنما لكَون السينما صناعة ما بْتِنْوِجِد إلاّ بالبلدان الصّناعية. أميركا أكبر بلد صناعي بالعالم فيه صناعة سينما غزت العالم، وبيتمّ تسويقا متل أي سلعة صناعية، السيارة والطيارة والمعدات والمنتوجات. مصر أكبر بلد صناعي عربي وهوِّي أكبر بلد عربي منتج للسينما، بغض النَّظر عن النوعية، الحديث بيخص السينما كسلعة. من ناحْية تانْية، لا بدّ من توفُّر هيئة رسمية مدعومة حكوميَّاً للاهتمام بالسينما لا كسلعة بل كوسيلة لنقل ونشر المعرفة والثقافة والقيم الحضارية. كم من الموهوبين في مجالات السينما، إخراج وتصوير وتقنيات إلخ.. درسو وتخرَّجو من بلدان أوروبية أو من أميركا حابّين يِرجعو عَ لبنان بسّ شو بِدهن يعملو إذا رجعو. طلابي الطامحين إلى تحصيل شهادات اختصاص في السينما من دول غربية بيسألوني عن مستقبل السينما في لبنان، بْقلُّن صراحةً: شو بدكُنْ تِرْجعو تَعملو؟ المؤسَّسِة اللِّي درس فيها طالب لبناني بِتْساعْدو بالدِّراسة وبتحصيل فرص العمل. إذا رجع بعد عشر أو خمستعشر سنة يفتِّش في لبنان عن فرصة عمل مش رح يلاقي، وإذا لقى مشْ رح يْحقِّق ذاتو لأنُّو لا في سينما ولا في مشروع يْكون في سينما. في المسرح الأمر مختلف. بلبنان في مسرح والمسرح ما بيشتِرِط الصناعة والتسويق. وبالمسرح بيواجه الفنان جمهورو، بسّ الفنَّان اللي بْيِتفاعل مع دورو ما بيشوفو. أنا ما بْشوف الجمهور .. وهايدي شغلِة مهمِّة وأساسية. الفنان مش متل المغنِّي اللي طول الوقت بْيِتطلَّع عَ الجمهور وبيتفاعل معو. أنا مجرَّد ما إدخل عَ المسرح أدخل إلى عالم الدّور والشخصية اللي أنا عم مَثِّلا. في "زنوبيا" أنا مش أنطوان كرباج.. أنا أورليانوس، قيصر روما وأنا في روما مش على خشبة المسرح.. وإلا بكون عم سمِّع الدور تسميع أو إلقيه إلقاء.

10-    تغيرت طبيعة الجمهور بين عقود البساطة والأصالة وعصر السرعة الفائقة والأعمال الفنية الركامية السطحية. كيف تنظر كمسرحي من زمن الأصالة إلى ما تغص به شاشات الأقنية الفضائية ويستقطب عشرات الملايين من المشاهدين مقابل ضآلة عدد المثقفين الجديين وضعف وسائلهم، وماذا سيفعل الجديون من أبنائنا كيما تبقى لتراث آبائهم قيمة وسط بيئات الضحالة الفكرية الشائعة والمسيطرة.

هادا السّؤال بيرجِّعني للتاريخ. نحنا العرب بلغنا الذّروِة بالعصر العبّاسي، عصر المأمون وهارون الرشيد. كان لمَّا يِجتِمع الأمبراطور شارلومان بِهارون الرّشيد يشعُر بأنُّو أمامو رجل أمِّة. والسؤال اللي بيِطرح نفسو: ليش بْهِديك الإيَّام كانت بلداننا عم تصعد بينما نحنا الآن عم ننحدِر. الفنّ جزء من ثقافة الأمِّة، والثقافِة اللِّي بيسيطر عْليها الدّين بْتِبقى عرضة للشَّد والعنف. رجال الدين عنَّا الآن عم يكرّرو اللي عملوه رجال الدين بالقرون الوسطى بأوروبا.. هاجِسُن يْسَيْطْرو عَ المجتمع والثقافة. كانت السلطة خاضعة للكنيسة، والملك اللي بيغضب عليه البابا يجي يركع قِدَّامو. حتّى تغيّرت الأمور وقالو رجال السلطة والسياسة للسلطة الدينية إنتو إلكُن السّما ونحنا إلنا الأرض. انفصل الدين عن السياسة. نحنا اليوم مازجين الأرض بالسّما والسّما بالأرض والدين بالسياسِة والسّياسِة بالدّين. بهيك ظروف لا يمكننا الصعود. بتمرّ طفرات نهوض بسّ ما بْتِسْتَمِرّ.. الثورة الفنيّة بالستينات شملت كل الفنون والآداب وأيقظِت الآمال ولكنها ما استمرِّت. على صعيد الشعر كانت المجلات تشهر الشعراء وتْعرَّف الناس على أدونيس ومحمد الماغوط ونذير العظمة وغيرُن وغيرُن.. وكان المسرح يشهر الفنانين ومنُن رواد المسرح الغنائي الرحابنة وزكي ناصيف وغيرُن.. والفن التّشكيلي مع فنانين كبار متل شفيق عبُّود ومصطفى فرُّوخ وبيار بيلارسيان ورفيق شرف وغيرُن عشرات.. بالمسرح ظهرتْ فرق واعدة وانطلقتْ انطلاقة ممتازة.. كان المسرح بأواخر الستينات متل النبتِة الطريِّة عم تنمى بنعومة وهدوء.. إجِتْ الحرب قصِّتا مِن جذورا.        

11-    أهم أرصدة الفنان محبوه. ومكانة أنطوان كرباج في قلوب جمهوره الواسع كبيرة ومنقولة عبر قرابة الخمسين عاماً. ألا تخاف وأنت تمثل دوماً دور الحاكم الظالم والقاسي والمستهتر والذي يعاني منه أفراد المجتمع متمثلين بالممثلين .. كنت ألاحظ أن عشاق السيدة فيروز مثلاً ينظرون إليك بحقد وأنت تنكِّل بها في حين مثَّلت على الدوام أدواراً تشد تعاطف المشاهدين معها.

لأ.. هايدي شغلِة ما إلا علاقَة.. أنا ممثِّل بدِّي أدِّي دَوري عَ المسرح.. بدِّي إرضي نفسي بالأوّل لو زِعلُو العالم أو رِضيو. بذكُر بمسرحية "جبال الصوَّان" بمعرض دمشق الدولي، وكنت فيها عم مثِّل دور "فاتك المتسلِّط" في إحدى الليالي سْمِعِتْ صرْخة مْن الصّالَة وْما عْرِفِت شو القِصَّة. بعدين خبَّروني إنُّو واحِد من الجمهور سبّني وقال "إنت موشي دايان" وإجِت الشرطة سحبتو من الصالة. أنا انْبَسَطت لأنُّو هادا معناه إني كنت عم أدِّي الدور بشكل ناجح.  

12-   ونحن نتحدَّث عن المسرحية الملحمة "جبال الصوَّان"، الهجرة أحد أهم محاور الأعمال الرحبانية التي كان لك فيها حضور البطل السلبي. نجد هذا أيضاً في "ناطورة المفاتيح" وفي "المحطة" وحتى في "الشّخص" بشكل التهجير من الساحة. كيف ينظر أنطوان كرباج إلى ما يتهدد المجتمع اللبناني اليوم .. وأنا أراه، مع فارق الشكل، مشابهاً لما قام به عبدو الراوندي وأهالي مملكة سيرا .. وفي بعض منه ما دفع غربة إلى الهجرة باتجاه الغرب. وماذا يقول كرباج لشبيبة لبنان التي تهرب من واقعها السيء ومن مواجهة المآزق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بوطنهم من كل جانب؟

بْيتْساءل المرء عن سبب هجرة الشباب الحالية، شو عم تْقدِّملُن السلطة حتى ما يْهاجرو. الخريج اللي ما في إلو عمل. حتى قبل العمل.. التعليم مش مأمَّن للكل. خُد مثال: واحد من أبناء هالبلد، يوماً ما حاول يدرس طب بلبنان، لأنُّو ما في عندو دعم أو واسطة ما قدِر، راح درس طب بفرنسا.. نجح وصار صاحب اكتشاف مسجَّل بِإسمُو بيتعلَّق بأمراض السّرَطان.. كيف سلطة بْتِنْبُذ أبناء الوطن بدُّن يِبْقو فيها وْما يْهاجرو. أنا بِتْوَجَّه للسياسيين وبْقِلُّن: رَح بْتوصلو لْحالِة "ناطورة المفاتيح" ورَح تْصيرو مْلوك عَ الحيطان.. بِممْلكِة الشّوك. وبيكونو اقتلعو أبناء الوطن من جذورن.    

13-    كيف تقيم بادرات الإمارات لتشجيع وتبني ودعم الفعاليات الثقافية والفنية والأدبية العربية والعالمية، مقارنة مع تهرُّب بلدان أخرى من أية التفاتة تضامن ودعم؟

ما في شكّ إنُّو نحنا منكِنّ الامتنان العميق للإمارات سلطة ودولة وشعب على مبادراتُن الطيبة في كافِّة المجالات وعلى الأخص بدعم الثقافة والفن والأدب على مستوى عربي وعالمي. الإمارات بلد سلطتُو بْتِحتِرِم شعبو وْبِتْقدِّمْلُو بسخاء وبتوفِّرْلو كل مقومات الحياة الكريمة والعلم والمعرفة والاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى. والإمارات بلد بيحتِرِم البيئة وبيحافِظ عْلَيها. من أكتر من عشرين سنة ومازالت الإمارات بلد معجزات.. تحوَّلِت فيها الصّحرا إلى جنان وحدائق غنَّاء وأشيدِت فيها المدن الكبيرة على مستوى عالمي وصارِت محط أنظار السوَّاح من كل أرجاء العالم وصارت تُقام فيها المهرجانات العالمية والفعاليات الفنية والاقتصادية والسياسية والفكرية وصارت مركز إشعاع حضاري. بْيحزن إبن لبنان لمّا بيشوف إنُّو بلَدو عم يِتْهدَّم وْعم يِنْحِدِر فيها كل شي بينما بلدان أخرى عم تِصعد وْتِصعد مستفيدة من خيراتا ومن طاقات أبناءا وأبناء بلدان أخرى. بين زيارتي الأولى للإمارات عام 1987 واللي عم شوفو اليوم كم هائل من معجزات البناء والتطور بيقابلها في لبنان معجزات تتمثل بهدم ما بناه السابقون وتصحير الأرض وتفقير الشعب. وْلمَّا حكومة دبي بتِتْبَنَّى عمل ضخم متل "زنوبيا" بيكونو عم يْبَرهنو على رؤيتُن العميقة وأهدافُن النبيلِة ونظِرْتُن لبعيد وبيعرفو كيف ماشْيين ولوين بدُّن يوصَلو.. ولأنُّو رح يِتْسجَّل بتاريخُن إنُّو بسنة 2007 انعرضتْ مسرحية منصور الرحباني الضخمة "زنوبيا" على أرْضُن وبرعايْتُن.

14-         ما عهدناك يا أنطوان كرباج إلا متفائلاً .. وأنت الذي أبكتك مصائب لبنان .. كيف ترى المستقبل بجميع جوانبه؟

قبل ما إجي عَ الفن كنت أستاذ تاريخ. لمّأ إجو عَ المنطقة بعد الحرب العالمية التانْيِة وْقَسَّموها. كان المفروض إنُّو المنطقة بتشكل وحدة متكاملة. عَ الأقلّ ما كان يُعرف بـ"الهلال الخصيب". قبلا كان في وعد بلفور لليهود بوطن قومي بفلسطين. وْبعدا تْطوَّر التقسيم إلى تفتيت. ولبنان ما هو إلا جزء من المنطقة. والتساؤل الأصح ليس عن لبنان أين يسير بل المنطقة برمّتها أين تسير، بدون أن ننسى إنُّو لبنان هي رئة المنطقة تتنفس منها.

15-   غداً تبدؤون العرض الأول لمسرحية "زنوبيا" المستندة إلى فترة من تاريخ شعوب هذه المنطقة. كيف ترى إمكانية مراجعة أبناء الجيل والأجيال القادمة لتاريخهم كي يستفيدوا من دروس هذا التاريخ؟

خلال أيام الحرب الأخيرة على لبنان دُعيت إلى تجمّع ثقافي أدارو نقيب الصحافة الأستاذ محمد البعلبكي اللّي توجّه إلي كفنان بيقول: إنتو كنقابة فنانين لازِم تْكون إلكُن كِلمِتْكُن. بنظرة على الحضور، وكان عددنا حوالي ستين شخصية، وجدت إنُّن مُختارين من لون واحد وانتماء واحِد. وأنا كنت رمز للون وربما كان في واحد من لون تالت كمان مدعو كتغطيِة فقط. حزِنتْ وزْعِلتْ واحتجّيتْ. وْقلت صراحة: "هالتجمّع مش على أساس مهني، لأنُّو الدعوة ما وجَّهتها نقابة الفنانين، ولو كانت النقابة تبنِّت التّجمّع لكان الحضور ملوَّن وشامل".. هادا طبعاً بغض النظر عن موقفي الشّخصي من هذا اللون او ذاك.  اللوحة لا يمكن أن تكون جميلة إن كانت من لون واحد. وْقِلت: "قدّيش مؤلم لمَّا بْفيق مع طلوع الضّو وبشوف بالشوارع والحارات جثث الناس.. أطفال ونساء وشيوخ مرمية أشلاء هون وهون.. بْيعجز لْساني عن الكلام.. أيّا كلام بْيقدُر يْعبِّر عن الحزن والألم!!". 

من ألفين سنة وقف المسيح بأوروشليم وقال بحزن: يا أوروشليم .. ياقاتلة الأنبياء وراجمة المُرسلين إليها.. كم مرةً حاولت أن أجمع أهلكِ من حولي كما تجمع الدحاجة فراخها تحت جناحيها فما أردتُم. هوذا بيتُكم يُترك لكم خيارا". منوصل للعصر الذهبي.. العصر العبَّاسي، من أكتر من ألف سنة وقف شاعر كبير، ابو العلاء المعرّي، أعمى البصر متَّقِد البصيرة وقال: "في اللاذقية ضجَّةٌ // ما بين أحمد والمسيح، هذا بناقوسٍ يدقُّ // وذا بمئذنةٍ يصيح، كلٌّ يُعظِّم دينه // ياليت شعري مالصّحيح؟!. أنا كل يوم بِتْذكَّر أبو العلاء المعري. بيتي بين جامع وكنيسِة. متل أبو العلاء كان المتنبي ومتلُن كان أبو النواس. كانو أحرار بفكرُن وعقلُن متنوّر، ومن حظُّن إنُّو عاشو بظل العصر العباسي لأنُّن لو عاشو بعصرنا لكان هُدر دمُّن. منوصل للقرن العشرين، طلع بفرنسا شارل ديغول يتساءل: كيف فينا نحكم فرنسا وْفيها 400 نوع جبنة؟!.. بلبنان 18 طايْفِة وكل طايْفِة إلها خط وكل الخطوط ماشية بشكل متوازي وكل واحد بيغِطّ بمنطقة من العالم ما مْنعرف وَينْ!. كيف بدُّو ينحكم البلد المبني على هالأساس، وللأسف بتلاقي مين يقول "البلد قايم على أساس التنوع" يعني بدهُن ياه يبقى هيك.. هايدا تنوع سلبي وهالمشكلة ما بيحلاّ إلا المعجزات.. هل ياترى جهابذة السياسة بلبنان قادرين على صنع معجزة تْخلِّي هالخطوط المتوازْيِة تِلْتقى بنقطة وحدِة؟؟!!. ومْنِتْمنَّى إنُّو هالنّقطة تْكون بِلبنان.  

IMG_003drgzrgrg1.JPG

في نهاية اللقاء أشكرك أستاذ أنطوان باسم قرَّاء موقع "جماليا" وأتمنّى لك ولزملائك أفراد أسرة مسرحية "زنوبيا" طيب الإقامة في الإمارات الحبيبة والتوفيق والنجاح في عروضكم.. كما نشاركك التمنيات الطيبة للبنان بشعبه وأرضه وثقافته بالوصول بسرعة إلى السلام وعودة المحبة إلى قلوب أبنائه والفرح إلى ربوعه الغالية.

أجرى اللقاء الدكتور مفيد مسُّوح في دبي بتاريخ 17 نيسان 2007

تصوير: مايا مسُّوح

تعليقات القرّاء

  1. Dr. Amal Abu Merhi 16 حزيران 2007

    , I knew Dr. Moufeed as friend, Engineer, writer but what I discover today via this interview with an imminent figure of theater, TV ...that he is a very skilled interviewer, high culture, qualified in art field, wish to find this level of discussion about ''art" in our many TV programs. You will have a lot of jealous .....good luck Moufeed