كيف نمنع الحرب القادمة؟
نبيل عودة*
مظاهرة المائة ألف الاحتجاجية في تل أبيب، وتقرير لجنة فينوغراد الأولي الذي أدان قباطنة السلطة في اسرائيل بالفشل في إدارة الحرب، أثار الحماس السياسي لدى الكثيرين في العالم العربي، وأيضا جعل يسارنا العربي في اسرائيل يطلق عناوينه التي تقول ان "لجنة فينوغراد أقرَّت رواية حزب الله".
هل يتوهّم أحد ان لجنة فينوغراد تحقّق في ارتكاب السلطة الاسرائيلية لجرائم حرب في لبنان؟ هل تحقق في سلامة قرار اسرائيل ضرب البنى التحتية للدولة والشعب اللبناني؟ هل يقلق لجنة فينوغراد عدد الأطفال اللبنانيين الذين دفنوا أحياءاً تحت أنقاض الأبنية التي قصفت من الجو او بالمدفعية؟ هل يوجع أعضاء اللجنة قلوبهم من آلاف الضحايا المدنيين الأبرياء الذين سقطوا قتلى وجرحى، وهدم مستقبلهم تماماً؟ هل يهم اللجنة الوجه البشع لاسرائيل وضرورة إصلاح سياستها لتستطيع الإندماج بالشرق الأوسط؟ هل يعنيها استعمال الجيش الاسرائيلي لأسلحة محرّمة دولياً مثل القنابل العنقودية التي ما تزال توقع الضحايا بين أبناء لبنان؟!
لم أفهم ما الذي يجعلنا ننظر الى التقرير وكأنه انتصارٌ عربيٌّ.. أو حزبيّ!! حقاً الشيخ حسن نصرالله انفعل من لجنة فينوغراد.. واعتبر تقريرها اعترافاً بنصره الألهي.
هل من أجل سعادة الشيخ حسن نصرالله ودعم ادعاءاته بالانتصار، أقامت اسرائيل لجنة للتحقيق في حرب لبنان الثانية؟
اولا، وبدون علاقة بالتحقيق داخل اسرائيل حول قرار وإدارة الحرب ونتائجها.. المنطق ان تقوم لجنة تحقيق لبنانية، تحقق في التجاوز على شرعية الدولة اللبنانية، واتخاذ فئة لبنانية قرارات سياسية وعسكرية جرَّت الشعب اللبناني كله الى كارثة ودمار شامل، وهذه المسألة لا تقل أهمية عن حوادث الاغتيالات في لبنان. وما دام الشيخ انفعل من إقامة لجنة تحقيق لدى العدو.. وامتدح الفكرة، فمن البديهيات ان تقوم لجنة تحقيق لدى الطرف الآخر.. من أجل منع اي فئة من جر لبنان الى حرب أخرى رغم أنفه، ووضع قرار الحرب والسلم بيد الشرعية اللبنانية التي اختارها الشعب اللبناني.. والحقيقة الصارخة، وبغض النظر عن الصمود البطولي للمقاومة، وإحداث مفاجئة عسكرية لعدو متغطرس، الا ان الشعب اللبناني تورط في حرب مدمِّرة وهمجية لحساب فئة سياسية لها أحلامها غير اللبنانية كما هو معروف.. وكان تعهد الشيخ حسن، بعد الحرب بالمليارات.. من أين لك هذه المليارات.. ولماذا لم تظهر هذه المليارات في إعادة البناء؟ أم انك كنت تعني إحضار أسلحة جديدة بالمليارات؟ وهل هناك من يبيع حياته وحياة أطفاله وعمران وطنه بكل مليارات العالم؟.
مظاهرة المائة ألف في ساحة رابين في تل أبيب، او المائتي ألف كما يدعي المنظمون، التقى فيها اليمين الاسرائيلي واليسار الاسرائيلي.. من ميرتس حتى الليكود ومن هم على يمين الليكود.. وراء مطلب استقالة رئيس الحكومة الفاشل إيهود أولمرت ووزير الدفاع الفاشل عمير بيرتس. لا أختلف مع أحد على فشلهم... ولكني أختلف على مضمون هذا الفشل.
المتظاهرون قبل الحرب وأثناء الحرب كانوا من أشد المتحمّسين للحرب وتدمير لبنان. لم يفكر أي منهم، من اليمين أو اليسار، بكارثة الحرب على الشعب اللبناني، قلقوا من تحول شمال اسرائيل الى ساحة حرب، وكأنه منصوص ان الحرب تجري فقط فوق الأراضي العربية.. وكانوا على استعداد لتجاوز هذه "المفاجئة" لو كانت النتائج مشابهة لسائر حروب اسرائيل... "نصفعهم بقوة وسرعة وانتهينا". ولم نسمع من لجنة فينوغراد او المتظاهرين كلمة واحدة عن تعنّت اسرائيل المتواصل في نسف إمكانيات التفاهم وإيجاد الحلول للقضايا المتنازع عليها. لجنة فينوغراد والمتظاهرين لم يطالبوا بتغيير النهج السياسي للسلطة، من نهج العدوان المسلح والحروبات الهمجية الى سياسة سلام واعتراف بحقوق الآخرين. كذلك لم يكن ضمن المهمة التي كلفت بها لجنة فينوغراد فحص موضوع عدم التقدم بالعملية السلمية بين اسرائيل والفلسطينيين وسائر الأقطار العربية. لجنة فينوغراد تحقق بفشل البطش وانزال المزيد من الدمار بالجانب العربي، وكيف تحقق اسرائيل ذلك مستقبلا بشكل أفضل وأنجع.
اليسار الأسرائيلي يثبت مرة أخرى صبيانيته.. المطروح ليس الأستعداد للحروبات القادمة، انما تخليص شرقنا من سياسة العدوان والدمار.
هل المطالبة باقالة رئيس الحكومة ووزير الدفاع سيغير الواقع السياسي في اسرائيل، عبر انتخاب حكومة أخرى؟.. من سينتخب الإسرائيليين؟ هل حكومة برئاسة بيبي نتنياهو ستخلص اسرائيل من الحروبات، ام ستورّط الشرق الأوسط كله، بدماء جديدة؟ الغباء النادر لليسار الاسرائيلي انه لا يفكر الا باقالة الفاشلين على خوض حرب تدميرية.. هل فشلوا في الحرب فقط وبالأساس، ام ان فشلهم المخيف يبرز أساساً في استمرار الجمود السياسي ورفض تحريك العملية السلمية؟
وماذا بعد؟ هل سينتخب شعب اسرائيل المصدوم من نتائج الحرب، مغامرين جدداً ليجربوا دورهم على حساب الشعب اللبناني والشعب الفلسطيني وربما السوري ايضاً، وقد نصل الى ايران أيضا؟ بالطبع الشعب اليهودي المضلَّل في اسرائيل سيدفع ضريبة الدماء ثمنا لكل مغامرة عسكرية، هل فكّروا بالدم اليهودي، ما داموا يدّعون حرصهم على حياة المواطنين في اسرائيل؟ وبعدها، اذا كان الثمن من الحرب القادمة مؤلماً ايضاً، ولن يكون الا كذلك... ربما سنشهد، كالعادة.. مظاهرة مئات الآلاف في ساحة رابين في تل ابيب تطالب باستقالة الفاشلين الجدد وتغييرهم!!
حتى متى؟
على المنتصر الألهي أن يدرك ايضا، ان ما حققه للبنان هو الدمار الشامل.. لا يوجد منتصرون ومهزومون في الموت والدمار. ان هذا النصر أمام خرائب العمران وجثث الأطفال وسائر القتلى والمشوهين، هو شر من هزيمة. الحرب ليست حلا، وكل العقلاء يدركون ان الحروبات في عصرنا الحديث أصبحت مستحيلة الحسم. الولايات المتحدة فشلت ولن تستطيع حسم الحرب في العراق، ولكنها لم تهزم. واسرائيل لم تستطيع حسم الحرب ضد المنظمات الفلسطينية، ولكنها لم تهزم.. وفشلت في حسم الحرب ضد حزب الله، ولكنها لم تهزم. واذا تورّطت اسرائيل في حرب ضد سوريا، ايضا لا يمكن أن تحسم الحرب، واذا تورّطت امريكا أو اسرائيل، أو كلتاهما معا بحرب ضد إيران.. فالويل لشعوب هذا الشرق من المصير الأسود.. اذ ستشتعل حرباً أخرى لا مجال لحسمها.. ولن يكون فيها منتصر ومهزوم، انما شلالات من الدم، قبل ان يعود المتظاهرون للمطالبة بإسقاط الحكومة الفاشلة الجديدة...
أفهم النصر الألهي ان يحسم طرف ما الحرب ضد الطرف الآخر، هل هناك مَن يستطع الادّعاء بإمكانية مثل هذا الحسم؟
هناك ضرورة للجنة على نسق لجنة فينوخراد تحقق بتوريط لبنان في مصيدة حرب مدمرة، وتعمل على منع توريط لبنان في مصيدة موت ودمار جديدة، لا يبدو اننا نستطيع الادعاء ان آخر صفحات الحرب بين اسرائيل وحزب الله قد أُغلِقت.. وضرورة اللجنة حتى لا يدمّر لبنان تماماً بحرب تُخاض لحساب قوى ترى بلبنان أداة في استراتيجيتها السياسية والعسكرية.
ان ما تحتاجه اسرائيل بشكل مستعجل وصارخ لجنةُ تحقق بالتعطيل الاسرائيلي المتعمد للحل السلمي في الشرق الأوسط، وليس بفشل حربها ضد حزب الله.. لأن الحرب لم تفشل، وتجاهل الجانب السياسي في الحرب، أي دور السلطة الشرعية اللبنانية الفعال والمجدي كما تبين في انهاء العمليات القتالية، هو ما ضمن بياض الوجه للمنتصر الالهي.
الحسابات لم تعد نفس الحسابات القديمة.. ما تحتاجة اسرائيل قبل كل شيء، مئات آلاف المتظاهرين في ساحة رابين من أجل الإصرار على طريق السلام العادل والشامل.... وليس استبدال الفاشلين بفاشلين جدد، لن يقودوا شعبهم الا في طريق الكوارث والدم!!
* كاتب ناقد واعلامي – الناصرة