بيوت الناس
قبل فترة من الزمن، التقيت صديقة صادف أنها بصحبة مجموعة من صديقاتها، فكانت وكما يقال جلسة متنوعة بين عدة أطياف من أناس تنوّعت اهتماماتهم، وهذا شيء ثريّ ومفيد بالنسبة لواحدة مثلي، فهي فرصة للجلوس والاستماع والإصغاء لآراء جديدة ومتنوعة، لكن الذي جلب الاستغراب والذهول، هو واحدة منهن كنت استمع لحديثها، حيث تعجّبت فعلاً من قدرتها على الوصف الدقيق وتصوير المواقف لدرجة كأنك تشاهد.
هي بحق تُعِدّ مشروعَ مؤلَّف ناجح، لكن المشكلة أنها لم تصغ أو تهتم بهذه الملاحظة عندما سقتها لها، فقد قلت لها إن لديها خيالاً تصويرياً رائعاً يمكن أن توظفه في الكتابة، وكنت جادة وأنا أحدثها، فضحكت ضحكة مدوية وقالت ممتاز، يعني فرصة لنشر غسيل الناس في الكتب، وهذا محزن لأنها تدرك أنها تقوم بعمل سيّئ.
وهنا مربط الفرس، كما يقال. فهي فعلاً كانت تتحدث دوماً عن الناس وعن مشاهدتها في بيوتهم، فهي لا ترحم بوصفها الدقيق فتريق الأسرار وتتحدث بتفصيل، وببساطة متناهية تستغلّ دخولها لهذه المنازل في نقل المشاهدات دون أي تردد أو حياء، فالنقد يطال الديكورات والفرش حتى طريقة تقديم القهوة والأواني.
تذكرت تلك المقولة: «ادخل بيوت الناس أعمى، واخرُج منها أبكم». وغني عن القول إن هذه المقولة بعيدة عن تلك السيدة.. كم يغفل البعض منا عن مصادر للإبداع والتميز، ومواهب جديرة بالاستغلال، لكننا مع الأسف نوظفها بشكل مبتذل ومتواضع.