رعاية التنوّع.. طريق الإبداع الفكري

عطية مسوح قرأها 7
  

جاءت أعمال الطاولة المستديرة: (الماركسية والماركسيون في عصرنا) تعبيراً عن التنوّع في إطار الفكر الماركسي. فلقد طُرحت فيها أفكار عميقة ومهمة، متنوعة وخلافية، حول أهم الجوانب في هذا الفكر، من منطلق ضرورة المراجعة النقدية في ضوء العصر ومعطياته، بهدف تمكين الماركسية من التجدد والمواكبة، كي تبقى فاعلة في رفد الكفاح الإنساني من أجل التقدم والعدالة والحرية برافد معرفي متميز.

المشاركون في الطاولة المستديرة لفيف متميز من الباحثين الماركسيين، لهم تجاربهم في الفكر والممارسة، ولهم تطلعاتهم إلى السير بمجتمعاتهم على طريق التقدم والنهوض. وكانوا مجمعين على ضرورة تعامل الماركسيين مع الماركسية بوصفها مادة للبحث والنقد، والخلاص من النزعة التقديسية التي اعتاد عليها الماركسيون، ولا سيما المتحزبين منهم، وهي نزعة أدت إلى فقدان الماركسية روحها النقدية، ووقوعها بالجمود، وتحولها إلى (أيديولوجيا) بدلاً من أن تكون ـ كما هي فعلاً ـ فلسفة إنسانية تغييرية.

كان التنوع كبيراً، وعرض كل باحث أفكاره بوضوح وحرية، والنتيجة الوحيدة التي توصل إليها المشاركون، والحاضرون، هي أن الحوار حول الأفكار التي طرحت ينبغي أن يكون مفتوحاً ومستمراً، وأن يجري تناول كل فكرة من الفكر الهامة تناولاً واسعاً، تحتضنه الصحافة، وتعقد له الندوات، لا بهدف الوصول إلى رأي موحد حول هذه المسألة الفكرية أو تلك، فهذا مستحيل أو شبه مستحيل، وضار جداً، لأنه قد يعني إغلاق النقاش حول الفكرة التي يُظنّ أنها حسمت. وإنما من أجل إغناء الفكر الماركسي، بمختلف الآراء، وفتح عقول الماركسيين، من أعضاء الأحزاب وغيرهم أمام معطيات العصر، وتعويدهم على حرية التفكير والتعبير عن الرأي، للإسهام في إنهاض الحركة الفكرية والثقافية في المجتمع.

لقد دلّت التجارب السابقة، على أن التنوع هو طريق التطور الفكري. فعلى امتداد القرن العشرين، اعتادت الأحزاب الشيوعية، والأحزاب الاشتراكية والقومية، على السعي لجعل أعضائها متطابقين في أفكارهم وطرق التعبير عنها، ظناً منها أن هذه الوحدة (الفكرية والسياسية) الصوانية تقوي الحزب وتحميه من الانقسام أو الاختراق، وكانت القيادة الحزبية، تحرص على تحقيق الأحادية في التفكير، وتتوجس شراً من كل بادرة تنوع أو اختلاف، ولم تكن نتيجة ذلك سوى الضحالة الفكرية، وتحويل الفكر إلى شعارات تردد، وصيغ تحفظ. فضعفت قدرة الأحزاب على فهم واقعها، والتأثير في وعي الناس، وكان كل نمو حزبي يتحقق في هذا الموقع أو ذاك، نمواً هشاً موقّتاً، سرعان ما يتهاوى، لتحلّ محله العودة إلى القديم السائد، وهذا ما جعل الأحزاب الماركسية والاشتراكية والقومية في وضع لا تحسد عليه بعد عشرات السنين من قيامها ونشاطها، بل بعد عشرات السنين من وصولها إلى مواقع الحكم أو المشاركة فيه.

إن الحرص على الأحادية، والسعي إلى خنق أية فكرة جديدة مخالفة لرأي القيادة أو القائد، وإلقاء صاحبها خارج الحزب أو تقييد حريته ومنعه من ترويج فكرته، وهذا ما درجت عليه الأحزاب زمناً طويلاً، لم يكن طريقاً للمحافظة على وحدة أي حزب وقوته، بل كان طريقاً للانقسام والضعف. فالأفكار لا يمكن قتلها بسهولة، والفكرة التي تمنع قسراً من الظهور والرّواج، تجد لها طرقاً أخرى. والذي لا يستطيع أن يعبر عن رأيه بحرية في حزبه، وبوسائل الإعلام الحزبي، يجد نفسه أمام مخرج وحيد، هو أن يطرح رأيه في أماكن أخرى، لأن حرية الرأي، عند من يعرف قيمتها، هي أول حقوق الإنسان، وهي حق طبيعي لا يجوز أن تَحُدَّ منه أنظمة داخلية أو قوانين، كما أن التنوع في الرؤى، على مستوى المجتمع، وعلى مستوى كل فئة أو حزب أو حركة أو مؤسسة، هو الأمر الطبيعي، وكل سعي إلى إلغاء ما هو طبيعي، لن تكون نتيجته مفيدة للمجتمع أو لفاعليه أنفسهم.

وحين تدرك الأحزاب السياسية والقائمون عليها، والدولة وأجهزتها ومؤسساتها، أن التنوع والاختلاف وحرية التعبير عن الرأي والموقف، هي طريق النهوض الفكري والسياسي، وأن رعاية التنوع هي من مهماتها الأساسية، وأن حق الاختلاف والتعبير عن الرأي ينبغي أن تحميه القوانين، والأنظمة الداخلية والممارسة القيادية، نكون قد بدأنا بتصحيح خطأ تاريخي لازَمَ عمل الأحزاب والحكومات في مجتمعنا العربي على امتداد قرن من الزمن.

إن الكثير مما طرح في الطاولة المستديرة (الماركسية والماركسيون في عصرنا) أكّد ذلك.