المنهجية والرؤية الفكرية في قصيدة فرات اسبر (يا الله لا تمسك يدي المجروحة)

وديع العبيدي قرأها 1,994

المنهجية والرؤية الفكرية في قصيدة فرات اسبر (يا الله لا تمسك يدي المجروحة) 


العالمُ غرفة متهدمة الجدران
بقايا جسد الديناصور
هكذا نفتتحُ الحياة
الصور،
فراغ الذاكرة
سندخل زمن الحفريات،
دارسو التاريخ سيكتشفون قلباً مترجماً إلى لغات العالم
زمن قل فيه الحب،
وربما انقرض، كالديناصور
*

المنهجية والرؤية الفكرية في قصيدة فرات اسبر (يا الله لا تمسك يدي المجروحة)
الشاعرة السورية فرات اسبر

أفضل إدانة لشيء، هي مقارنته بنقيضه.

فرات اسبر في هذه القصيدة المكتنزة أو المتورمة من الحزن، لا تذهب إلى الشيء مباشرة، وانما تأتيه من الجهة الأخرى. لا تبتدره من البدء، من الأرض، وانما تعود إليه من النهاية، تنزل إليه من السماء.

العنوان الجميل والمؤثر الذي زرعته في باب قصيدتها، يتضمن من الجدّة والجدية ما يستحق دراسة مستقلة، وهو يقوم على ثلاثة مقومات: تكفي كل منها لارباك بركة حياتنا الآسنة.

·       يشي العنوان بجرأة نادرة، عبر رؤية رابعوية صوفية، وأهميته تنبع من واقع ثقافي مختزل الوعي،....

·       تشي هذه الرؤية عن عمق ومبلغ الألم الذي يكتنف الكائن في أرض أريد لها أن تكون أشبه بالفردوس، فكانت إلى الجحيم أدنى. فالألم يرتفع بالنفس ويسمو بالروح لتقترب من سرّ الكينونة وتنظر للأشياء من باطنها، ومن فوقها في ذات الحين.

·       فرات اسبر وهي تمنح العبارة دهشتها، لا تعتمد التلاعب باللغة والمفردة لتوليد غرائبية مؤقتة، انما تنطلق من صميم التراث وواقع التعبير اليومي، في الوقوع على الشيء، أو الوقوع في الفخ، [عرف شلون يلزمني من ايدي المجروحة!]، وبالتالي لم يترك لي فرصة الفكاك أو الفرار. مما يتكشف عن روح المؤامرة المسبقة أو الدسيسة المعدة سلفاً ضدّ [الضحية]، وفي صورة ما يرد تفصيله في السطور اللاحقة.

تتكون القصيدة من عدة مقاطع، يلعب الأول دور البوابة الرئيسية والاطار العام، بينما تمثل البقية اكسسوارات تتوزع مساحة الاطار. لذلك نقسم القصيدة لأغراض الدراسة، إلى قسمين: القسم الأول هو المقطع الأول. والقسم الثاني بقية المقاطع. الأول تعبيري موجز، ويصلح أن يكون استهلالا أو مقدمة للنصّ. والثاني تفصيلي بانورامي يشرح طبيعة المجريات الخارجة على المنطق أو (الصراط) المفترض، وهو الأمر الذي رفع مناسيب الألم والحزن إلى درجات خارقة للعادة، استوجبت أو استدعت جرأة الخطاب وحدّة اللغة. يقدم المقطع الأول سيرة مختصرة لولادة الكون والصيرورة التاريخية التي أنجبت الراهن. بينما يستطرد المقطع الثاني تشريح الراهن وفضح عاره غير المستور.  استعانت في المقطع الأول، بالديناصور، بما يتوفر عليه من شحنة نفسية تهكمية ودالة على القدم والوحشية. وفي المقطع الثاني اعتمدت (طفل أسود)، مدخلاً للسواد ومشتقاته مفردة غنية وموحية، ناهيك عن علاقتها العضوية بالنص، إفريقيا، الأم، مولد البشرية والحضارة؛ واشتراكها في الواقع والمصير مع: أرض السواد.. ميسوبوتاميا.. خطوات المدنية والعفل الأولى، وما يزهو به كل منهما من حضيض مزدهر. المقطع الأول موغل في التاريخ، والمقطع الثاني موغل في الجغرافيا. المقطع الأول خطاب عقلي يعتمد المنطق، والمقطع الثاني تلازم العقل مع الشعور المقترن بالحدة والانفعال. المقطع الأول: باب تفتح وتضاء، والمقطع الثاني عين ترى وتسجل..

فالقصيدة بناء على هذه القراءة وليدة تأمل ومراجعة وتخطيط، استهلك من الوقت والمشاعر وأوتار النفس وحرائق الفكر ما منحه هذه القدرة العالية من التوهج والقوة والعمق، لقول الكثير الكثير، مما لم يقله الآخرون. العمق الزمني للاحتراق الداخلي يقدم خدمة كبيرة للنص. ممثلة في التكثيف العالي. والتكثيف يؤكد أن الكلمات القليلة المنتقاة بدقة تتوفر على طاقة تعبيرية أكبر من الكلمات الكثيرة غير المرتبة بعناية كافية. والفرق بينهما كالفرق بين فرن الغاز والفرن الكهربائي، من ناحية الزمن. القصيدة العربية منذ بداياتها خطاب شعوري ومبارزات حسيّة، تخللتها المنافسة والمبالغة والكذب والتزوير والقرصنة. لأن البيئة التي أنتجته بيئة بسيطة سطحية ليس فيها عمق ولا تتوفر على طوابق، تقوم على التسليم ولا تطرح أسئلة، تقتنص الجاهز ولا تبحث عن أجوبة أو تصنع، سهولة واستسهال وسلامة واستسلام وتسليم، فبقي دور العقل مغيباً لدى الشاعر، وبقيت الفلسفة غريبة بلا شواطئ، وبقي الشاعر يتحرك في مدارات مرسومة مسبقاً دون الجرأة على الاختراق أو المخالفة. وفقد الشعر مكانته في المجتمع وأهميته عند نفسه، ليصير حديث كل عابر.

القصيدة

اختارت الشاعرة رؤية كلية للوصول إلى المعنى، فلم تبتدئ بالجزء، وانما ربطت الجزء بالكلية، أعادت الاشياء جميعاً إلى كينونتها الأولى، كما أنها لم تبتدئ بالذات، لأنها وضعت [ذاتها] في مرتبة فوق الاشياء جميعاً، أو فوق العالم كما تصورته القصيدة:

العالم غرفة

وتمثيل العالم بغرفة، يقود إلى دلالة أن الأشياء كائنة في داخلها، كما أن الأحدث تدور فيها. والغرفة، مرحلة متقدمة في السيرورة المدنية، أي الانتقال من مرحلة العيش على الأشجار وفي الكهوف إلى بناء البيوت وتقسيمها إلى حجرات. وتوصيف العالم بالغرفة، بما له من ميزات معمارية عن [الحجرة] قريب الدلالة بتوصيف منى كريم في قصيدتها [كيف أمسح طاولات يدي] بقولها: في أيام سبعة خلق الربّ

هذا الصندوق

فالصندوق فضاء مسطح بدائي الشكل، لا يمكن العيش بداخله أو تصور الحياة، الذي يمثل دلالة بدهية في حالة الغرفة. على رغم الشكل التربيعي المضلع للاثنين. ولا يرتبط هذا التمثيل لدى الشاعرتين بالتصورات الميثولوجية للخليقة، والمتباينة لدى الشعوب والثقافات القديمة بما كان سيدعم الرؤية الشعرية كبناء مادي منقطع في الاولى أو توراتي بحت في الثانية: في أيام سبعة خلق الربّ.

أبعد من ذلك تذهب الشاعرة فرات اسبر، في السيرورة التاريخية، عندما تعطي الغرفة صفة التقادم: متهدمة الجدران. فالغرفة قد مضى على بنائها زمن، وصارت آيلة للسقوط.  بيد أن التقاطع/ الصدمة تحدث عندما تدور عجلة الكامره نحو الخلف بسرعة لتقدم لنا صورة أخرى للغرفة، تصيب كل تصوراتنا بالفشل. نعيد على أثر ذلك قراءة القصيدة: العالم غرفة/ بقايا جسد الديناصور.. متهدمة الجدران. يقدر العلماء انقراض الديناصور [denosauria] بخمسين ألف سنة قبل الآن، وعثر أحد المعنيين الروس على بقايا عظام في شمال روسيا تشير إلى استمراره حتى عشرة آلاف سنة، أو أن انقراضه لم يحدث مرة واحدة في كل العالم. المهم أن الانسان استخدم عظام وجلد الديناصور لصناعة لوازمه المعيشية والحياتية، ومنها للسكن كما تشير القصيدة. وهناك عثريات وشواهد مختلفة في هذا المجال. وهو الخيط الذي تمسك به الشاعرة في تدرجها الشعري: سندخل زمن الحفريات/ دارسو التاريخ سيكتشفون....

بعد أن رسمت الشاعرة الاطار الخارجي للقصيدة/ اللوحة.  عالم عبارة عن غرفة، الغرفة كائنة داخل جسد ديناصور منقرض. هذا التراكب والتداخل قد يوحي أو يشير بطرف خفي إلى فكرة التناسخ والتوالد أو الموت والميلاد في الفكرة التموزية، ثمة حياة تنقرض/ تموت/ ثمة حياة تبتدئ/ تولد. استخدمت الشاعر تعبيراً جديراً بالانتباه: هكذا/ نفتتح الحياة. الـ[هكذا] هي التعبير الذي سبق الوقوف عنده وهي فكرة الصيرورة الحياتية القائمة على الموت والدم والالغاء، انسان يعتاش على الحيوانات، وحيوانات تعتاش على النباتات، ونباتات تعتاش على التربة، وآلهة تعتاش على البشر!. بدل القول (نبتدئ) قالت (نفتتح)، في إشارة إلى أن الحياة كائنة قبل الآن،  وهي لم تبتدئ الآن. هنا مبدأ المفارقة مع تخريج الشاعرة منى كريم: في سبعة أيام خلق الربّ. ففكرة الخلق اللاهوتية تشير الى حدوث الخلق [أول مرة] ولم يكن له قبل كما هو معروف في هذا الاطار. والافتتاح هنا، يعطي معنى طقوسياً كرنفاليا معيناً، الأفتتاح/ الانتقال من مرحلة إلى مرحلة. كما يمكن اعتباره استخداماً تهكمياً في السياق الذي تبني عليه القصيدة. معنى الافتتاح يجد تجسيده عند ربطه بالمفردة/ السطر التالي: الصور.

يمكن اعتماد طريقة أخرى في قراءة القصيدة أو المقطع، طريقة التعريف والتأويل التي استخدمناها في قراءة قصيدة [مذاق لمائدة معلقة] لحسن الخرساني، حيث تتولى كل مفردة تالية كشف أستار المفردة السابقة أو إضاءتها من الداخل. مع فارق أن قصيدة الخرساني تقوم على توالي النكرات (استبعاد أل التعريف). هذه الأل ما زالت ترافق مفردات القصيدة رغم انتفاء أهميتها أو تعطلها الوظيفي. وقد لمسنا وقع ذلك في السطر الأول في كلمة (غرفة) رغم حالة التعريف بالاضافة الملحقة بها. لكننا فصلنا بينهما لدى القراءة لتعطيل تلك الوظيفة وبالتالي فتح المفردة على غنى دلالي سوف يكون في مصلحة النص بعدئذ. ولن يضير هنا تجريد المفردات من صفة التعريف حيثما وردت. كلمة افتتاح بررت نفسها عندما ارتبطت مع مفردة (صور) التي صارت توحي بوجود معرض صور داخل غرفة، كائنة في جسد حيوان منقرض.

محتويات المعرض مأخوذة من مصادر عديدة، يرد في القصيدة أحدها وهو : ذاكرة. هذه الذاكرة عبارة عن (فراغ). وصور مأخوذة من فراغ ذاكرة، أو ذاكرة فراغ يعني أنها صور بيضاء، صماء، لا ملامح، ظلال. لكن (فراغ الذاكرة) هنا يأتي انسجاماً مع/ أو كناية عن/ فراغ آخر/ هو ما ترمي إليه القصيدة أو الشاعرة. فراغ- جوف/ جسد الديناصور، فراغ / غرفة/ العالم. ومفهوم الفراغ هنا هو حكم الادانة أو الصفعة التي أرادت سلطة النص توجيهها للمقابل. الفراغ صلة الوصل بين مكونات القصيدة حتى الآن: عالم/غرفة/ جسد ديناصور/ صورة/ ذاكرة/. ثمة الغاء قسري لعالم غير جدير بالحياة، ولا يستحق أن يوجد. في السطور التالية نقع على دالة أخرى، لم تكن واضحة قبل اللحظة. تلك هي دالة الزمن.

سندخل زمن الحفريات..

حيث يقع الفصل بين زمن النص/ المضمون (التاريخ)، وزمن القراءة (الراهن). ولما كانت بعض (صور) النص كما في القسم الثاني تحمل حرارة الراهن، فأننا/ القراءة، تحصل في ما بعد المستقبل [meta- future] بحوالي خمسين إلى عشرة آلاف سنة، الزمن التقديري لانقراض الديناصور، حيث قرنت الشاعرة وجود العالم غرفة بجسد الديناصور. ومن نقطة الزمن المستقبلية تلك (حرف السين): سندخل/ سيكتشفون؛ نعود لـ [ندخل زمن الحفريات]. في تناص طبيعي[غير مقصود] مع قصيدة (المتحفية) لوديع العبيدي من مجموعته دخول في خبر كان: ستشرب كل الخليقة أنخابنا/ وتوزع تصاويرنا في المتاحف / وتبدأ من أول وجديد/ تنقب فينا الشعوب/ وتدرسنا الجامعات/ تؤرخ كل أكاذيبنا/ وعمى مماليكنا الخالدين. / ص109

أما النتيجة التي ستسفر عنها حفريات الراهن: سيكتشفون قلباً مترجماً إلى لغات العالم..(كناية عن تراجع الحبّ) زمن قلّ فيه الحبّ. وللمبالغة في التهكم أو الألم تضيف: ربما انقرض كالديناصور. وبذلك تأتي إلى نهاية القصيدة/ المعالجة/ الأدانة/ المكاشفة. هذه الحياة ستنقرض ولن تخلف سوى صوراً باهتة بلهاء، يتندر بها علماء الاركولوجي والانثربولوجي. أما سبب الانقراض، سبب التفاوت الحضاري والأزمات المركبة فهو واحد، فقدان الحب. الذي نوّه عنه أحمد شوقي: ما ضرّ لو جعلوا العلاقة في غد.. بين الشعوب مودة وإخاء. أما الشاعر أريخ فريدل فيتناول العلاقات الاجتماعية والشخصية قائلاً: إلى الأفعى ذهبت/ إلى الكلب/ بحثاً عن الحبّ. وهنا نتوقف لنتساءل عن سرّ استخدام (الديناصور) وليس رمز آخر، للدلالة على وحشية التعامل البشري القائم على العنف والاستهانة والتغييب، أو المقولة التعساء، البقاء للأقوى أو للأصلح وما إلى ذلك.

هذا هو الاطار العام والمعنى العام الذي بدأت به الشاعرة وانتهت إليه. معتمدة منظومة من التتابع الصوري، مسحوب على شريط كامره، وقد عبرت عن تقنيتها الفنية باستخدام مفردتين: افتتاح/ صور.

بعد عمليات حفر مقصودة، علماء اثار يعثرون على معرض صور مقام في فضاء غرفة داخل جوف ديناصور. مضامين هذه الصور، تلصقها الشاعرة بطريقة الكولاج على طول المقطع الثاني والثالث.

الطفل الأسود
ينتظر،
لا مطر يبلل أصابعه
العصا الخشبية من غابات أفريقيا
يتعكز عليها، مستأنساً
بأحلامه المقطوعة
النساء عاريات،
يكشفن عن الجواهر السوداء المخبأة تحت قصف الفقر
بلاد جريحة
أطفال بلا أقدام
بلا عيون
ينتظرون

بنفس الطريقة التي عادت فيها الشاعرة إلى عمق التاريخ لتجسيد حالة راهنية، فقدان الحب. تعود الى الموطن الأول للجنس البشري (أفريقيا الأم) حيث يقدر العلماء ظهور أول انسان (معتدل القامة) فيها قبل مائتين وخمسين ألف سنة؛ لتقديم صورة جانبية أخرى أو زاوية مختلفة من لوحتها الشعرية. وهنا نصطدم كذلك بمعضلة لغوية عربية مثل أل التعريف عديمة الضرورة.. والافضل القول: طفل أسود/ ينتظر. والانتظار هنا مفهوم وجودي عدمي قائم على اللاجدوى. تؤكده (لا) الناهية وما بعدها. عصا خشبية من غابات أفريقيا، يتعكز عليها، وهي صورة ترددت كثيراً في الشعر العربي حسب التناص القرآني المعروف مع [عصا موسى]. رغم طابع المفارقة الكائن بين [طفل/ عصا يتكئ عليها] الاكثر انسجاماً مع التقدم في السن.. غابات أفريقيا ارادت بها الكناية عن القدم التاريخي، أشجار راسخة أعمارها آلاف السنين أو الغابات البكر أو البرية. وكأن العصا بذلك للاستدلال على عمر الحرمان والجوع النفسي والمادي. كان بالامكان استخدام العصا لدى الاطفال كالحصان كما في الالعاب الشعبية المعروفة (الحصان الخشبي) ويمكن تحميله دلالات مناسبة لخدمة النص. ينتهي المقطع الثاني بنفس الدالة التي انتهى بها المقطع الأول، الحبّ [مستأنساً بأحلامه المقطوعة/ النساء عاريات]، فالربط بين الاحلام والعري يقود إلى دلالة جنسية، تشكل تحميلاً يفوق الطاقة الاحتمالية لدلالة الطفولة اتي ربما اريد بها التعبير عن البراءة أو المستقبل، المرتهن بالانتظار. والتكرار في نهاية المقطع لا يضيف للمعنى.

" نوبل" ستعلن اليوم
لا كهرباء
لا ماء
كتب شارع المتنبي،
ذهبت إلى دجله تبكي
لا شيء جديد
الهزات الأرضية تمسح الأرض كاسفنجة
نوبل يناقش مفهوم الأدب الحديث
الجفاف لن يغادر أفريقيا
الرجل الفقير لن يحقق أحلامه
المرأة المسلمة لن تكشف غطاء الرأس
ستبقى نوبل حديث الغربان
والحداثة المفخخة

تختلف بنية المقطع الأخير عن السابق في التركيب والمعالجة، كما في الاستهلال. فهي لا تذهب للماضي وانما لآخر نقطة في الراهن، اعلان نتائج جائزة نوبل التي تعلن في أكتوبر سنوياً. والتي منحت هذا العام مصادفة لشاعر مسرحي انجليزي. تشارك قوات بلده في احتلال بلد الشاعرة وزيادة معدل المعاناة هناك. ولذلك جاء الربط غاية في التهكمية والاستخفاف:

نوبل ستعلن

لا كهرباء

لا ماء

كتب شارع المتنبي

ذهبت إلى دجلة تبكي

لا شيء جديد.

فإذا كان الفريد نوبل مخترع الديناميت دافع ماكنة التطور التكنولوجي المميت، أراد بالجائزة [التكفير] عن الجرائم والدمار الذي تسبب فيه، فأن هذا الديناميت والتكنولوجيا هي التي برعت الطائرات الأمريطانية في استخدامه لقصف  مصادر الطاقة المائية والكهربائية في العراق في السابع عشر من يناير 1991 كما في الثاني والعشرين من مارس 2003 وإعادة العراق للعهد ما قبل الصناعي حسب فتوى الرئيس بوش الأب. أما إذا كانت الجائزة دالة ثقافية أدبية فهذه كتب المتنبي نائحة باكية في نهر دجلة، وهي إشارة لما رافق الغزو المغولي الأول لبغداد [1258م] وتكرارها في الغزو المغولي الثاني [2003] من حرائق ونهب وتدمير مكتبات بغداد وبقية مدن العراق، الاثارية العريقة والمعاصرة، مما كان يستوجب نقطة عرق أو عار بدل التكريم المادي والمعنوي. لكن انعدام الحبّ بين البشر، وبين أجزاء العالم، الشمال، الجنوب/ الغرب/ الشرق، تلخصه الشاعرة بعبارة (لا جديد) بالنسبة للعالم الغربي/ الشمالي، وهي تحيل على دالة الفراغ/ البياض في المقطع الأول (الصور فراغ ذاكرة). فكما تعتاش المخلوقات البدائية على بعضها كما سبق في المقطع لأول، تعتاش الشعوب والحضارات (!!) على بعضها بشكل بدائي ودموي، يجوع الجنوب ليشبع الشمال، ويموت الشرق ويتخلف لكي يعيش الغرب مطمئناً. وضمن هذا المنظور الشوفوني العنصري، لا الهزات الارضية التي تتناوب على شرق آسيا، ولا جفاف أفريقيا المزمن كالايدز، قادرة على مناقشات الأكادمية السويدية لاختيار مرشح جديد. ثم تنتقل الشاعرة في مسلسل المجازر والكوارث، من الصعيد الجماعي الدولي إلى الاجتماعي الشخصي المتعلق بأحلام الانسان [رجل/ امرأة] المتعلقة بالاستقرار والحرية والأمان والرفاه في بلاد الشرق والجنوب. وهي إذ تورد ذلك تستمر بنفس التهكم اللاذع المقترن بـ[لن] النافية للمستقبل.

في هذه النقطة تصل الشاعرة حدود وطنها مبتدئة من الانسان، كما سبقت  الاشارة، لتنتقل الى التفاصيل المؤلمة التي تبلط يوميات الشارع العراقي ببلدوزرات الاحتلال المتطرطر.

المرأة المسلمة لن ترفع غطاء الرأس

ستبقى نوبل حديث العربان [عين بغير نقطة]

والحداثة المفخخة.  

ففي كل عام يجري حديث استمنائي حول مرشحين عرب لجائزة نوبل، وتتسابق محميات أرامكوية لتقليد جائزة نوبل ومنافستها بجوائز أغلى لاثبات الحضارة العربية، بالمزيد من ممارسات العبودية وتقييد الحريات وصولاً لحفلات القتل والارهاب الجماعي بأحدث مبتكرات التكنولوجيا. ان الكارثة التي يعاني منها عراق اليوم كما وصفه أحد الادباء بدقة، هو الاحتلال الامريكي/ الديني، وكل منهما يدعي الحضارة والمدنية ويولغ في دماء البشر واستعبادهم.


يا الله..
لا تمسك يدي المجروحة
إنّ ما في يميني، بقلبي
الصحراء تنتظر،
الرمل عطشان
خوابي الإعرابية فارغة
حرائق الآبار في بابل، تنذر بالشؤم
الموتى لن يرجعوا
حرائق النفوس لن تـُطفأ
هنا جنوب أفريقيا
هنا جنوب السودان
هنا جنوب العراق
هنا كل البلاد
القنابل تسقط،
الفائز يرقص على إيقاع الحداثة،
ولأنه متعاطف مع الشعوب الفقيرة،
سيُمنح نوبل
ويسافر في نزهة إلى أفريقيا
حيث الطفل الأسود ما زال ينتظر

هنا ينتهي العرض الصوري التهكمي وتتنقل الشاعرة لتسجيل جملة الملاحظات العامة التي ضمّها دفتر الزوار.. مبتدئة باستغاثتها الباطنية الروحانية مؤكدة ان قرب الانسان من ربه لا يحتاج إلى مستند تأييد من المتاجرين باسمه، معلنة: ان ما في يميني، بقلبي.

 وهو عكس مقصود للعبارة: أن ما في قلبي بيميني، في تناص مع الاية التي تؤكد ان الله لا ينظر الى الوجوه ولكن الى القلوب التي في الصدور‍. ثم تقرأ فقرات اللائحة الختامية التي تشير جميعاً إلى مظاهر الحياة المختزلة من جميع جوانبها رابطة بين حرائق النفط ونذر بابل وحرائق النفوس وافتقاد البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية واحتفالية الفوضى والنهب المشتعلة ليل نهار وللعام الثالث على التوالي وبنجاح ساحق. ثم تعود إلى استعراض شريط الصور رابطة بين جنوب افريقيا وجنوب السودان وجنوب العراق، المنتظرين جميعاً، وصول الفائز الجديد بجائزة نوبل للاطلاع على جانب من معاناة البشر في الجانب الاخر من العالم.

*    *

ان مهماز القصيدة الرئيس لا بدّ أنه الوضع العراقي* تحت براثن الاحتلال والموجة الظلامية، وانعكاسها على الحريات العامة وفي رأسها حرية المرأة. هذا المهماز هو الذي استولد واستنبت هذا العنوان المؤثر والمعبر بقوة، ووجد حضوره في المقاطع المختلفة عبر دلالات [الحبّ وانقراضه/ نساء عاريات، المرأة المسلمة لن تكشف غطاء الرأس] ولنا المقارنة بين طرفي تراجيديا التخلف بين قمة العري والجوع في أفريقيا، وبين الحجاب في الشرق الأوسط، من خلال القاسم المشترك في الحالتين؛ أحلام مقطوعة ومقموعة في أفريقيا/ الرجل لن يحقق أحلامه. فالظلم الواقع على المرأة واقع على الرجل، والظلم الذي يصيب البلدان ينعكس على الشعوب، وبالتالي، فالانسان، هو الضحية الأبدية المزدوجة لانحراف منطق التطور والسلوك البشري سواء استند إلى رغائب البشر الشريرة أو إرادة السماء كما تجسدها سلطة الوهم. بيد أن فلسفة الشاعرة للقضية العراقية وربطها بمجمل حركة الانحراف البشري، عكس الجزء على الكلّ، قلل من مركزية الموضوع داخل القصيدة ودفع بها إلى الطرف/ النهاية، بينما كانت تشغل مركز التفكير وهاجس الشعرية. كما أصاب المعالجة بالتسرع والمباشرة. فالأفكار الواردة في المقاطع التالية مختزلة في صور ملصقة على قماشة القصيدة/ البانوراما، أكثر منها استبطاناً وتعميقاً للبحث والجرح، الأعمق والأوجع، والأكبر من مجرد صورة. وإذا كان العجز والقصور الشرقي يجد في الغرب أسباب تخلفه وتطوره في آن، فالأمل بقي محصوراً في يد الغرب، كما صورته الشاعر بفكرة الانتظار في المقطعين الثاني والثالث، وجائزة نوبل وزيارة الفائز المرتقبة تهكماً. لكن الغرب لا يعطي قبل أن يأخذ، وهو الذي يحدد ماذا يأخذ وماذا يعطي، وبالتالي، فهو ليس حريصاً على تلبية أحلام الآخرين التي ستبقى تنتظر حتى تجفّ، انه يعطي من المنظور الذي يراه، والذي قد يبقى خافياً على بصيرة العموم، وهنا يتحقق معنى العنوان المثير، اليد المجروحة. ان التحالف الامريطاني الذي أزاح النظام البعثي هو الذي رفع الحكم الجديد القائم على الطائفية والتطرف الديني، وبدون الاستماع الى جراح الشعب العراقي التي استنزفتها السياسات الدولية طيلة القرن العشرين حتى الحروب والحصار والاحتلالات المزدوجة. وستبقى مطامح الشعوب وإرادتها مؤجلة ومعطلة حتى سقوط الطاغوت في الغرب والشرق، وحتى ذلك التاريخ، ستبقى ملفات القضية في الرفوف العالية، مع الأحلام المنتظرة!.

المنهجية والرؤية الفكرية في قصيدة فرات اسبر (يا الله لا تمسك يدي المجروحة)

* فرات أسبر [1958] شاعرة سورية مقيمة في نيوزيلنده، لها مجموعتان شعريتان: مثل الماء لا يمكن كسرها/ 2004، خدعة الغامض / 2006 دمشق، زهرة الجبال العارية/ 2009، نزهة بين السماء والأرض/ 2010. وقد نشرت القصيدة في صفحة الشعر العراقي 2005 قبل غلقها.   

* يعود زمن القصيدة إلى العام 2005، وزمن القراءة إلى العام 2006 يوم كان غليان الوضع العراقي في اوجه، قبل ان تمتد السنة الشر والدمار المنظم الى بلاد اخرى ومنها سوريا [2011- 2014] موطن الشاعرة.