الويل لتلك الأوطان التي قدّر لها أن تمتلك أبطالاً - "وداعاً بيروت" لمي غصوب
نتلقّف كتاب "وداعاً بيروت" لميّ غصوب الذي كان صدر بالانكليزية وتعيد "دار الساقي" إصداره اليوم بالعربية (ترجمة رنا الشريف)، مثل تحية من البعيد الذي خُطفت اليه، فنستعيد قصة هذه الفنانة مع ذاك النوع من الانسانية القلقة التي لا تنفك تعيد النظر في يقينياتها. قصتها ايضاً مع بيروت، الاطار المديني الأمثل الذي تنطلق منه، وإن اتخذ هذا الانطلاق في البداية شكل الهرب، لرصد معضلات العالم الحديث، الاخلاقية والانسانية والفلسفية المعاد انتاجها على وقع الحروب المتواترة. وكما في كل اعمالها الفنية، في النحت او المسرح او التجهيز، او حتى في طريقة عيشها، تحاول غصوب أن تجد في مكان ما، بين المجانية المطلقة والغرضية القصوى، مساحة لإعادة طرح سؤال انسانيتنا في عالم متغير بنظمه ومعاييره ومفاهيمه.
أقل من عشر سنين بقليل عمر هذا الكتاب، ومع ذلك يبدو راهناً كأنه كُتب لهذه اللحظة التاريخية اللبنانية، اولاً وخصوصاً، والعالمية في مستوى ثانٍ. في هذه النصوص او المقالات او القصص، او مهما نطلق عليها من تسميات تصنيفية، لا تلجأ الكاتبة الى نوع ادبي واضح المعالم لقول ما تريد قوله. ينتفي الهمّ البنيوي والشكلاني، او يتهمّش بالأحرى، لمصلحة الخطاب العام، لنصير ازاء ما يشبه البحث الفلسفي الاخلاقي في الحرب وما يُنتجها وما ينتج منها: من اشكاليات الخير والشر، الجلاد والضحية، والوحش والبطل، الى سؤال المسؤولية وازدواجية الثأر والعقاب، وسواها من المعضلات التي تواجهها، من ناحية ذاكرة شخصية متنازعة بين التطلع الى الغد والمراوحة في الماضي، فيما النسيان شأن مرهون بالاطمئنان الى ان ما حدث لن يُستعاد. ومن ناحية ثانية، عالمٌ يجنح كل يوم أكثر إما الى نوع من الانسانية المحايدة والتسامح اللامبالي، وإما الى التعامل مع مفهوم العقاب كما لو كان المعادل المعاصر للثأر في مفهومه البدائي، مما يجعل العدالة احياناً اكثر عبثاً من الحرب، على ما تقول غصوب.
في بحثها الدؤوب هذا عن أخلاقية ما للعالم المعاصر، تبدو الكاتبة متنبهة تماماً الى خطر تحوّل هذه الاخلاقية الى ايديولوجيا اضافية. من هنا، يقودها خوفها من المطلق الى مساءلة النسبية نفسها حتى لا تتحول هذه الأخيرة الى مطلق آخر. وفي كل مرة، لا تخاف غصوب من العودة الى نقطة الانطلاق لتنسفها وتعيد البحث من جديد في سعي دائري لا يطمئن الى يقين.
في سعيها هذا، تحشد كل المعطيات التي تتوافر لها، فيختلط لديها الشخصي بالعام (وما هو "العام" في النهاية؟ أليس هو "الشخصي" نفسه لكن من وجهة نظر "الآخر"؟)، والنظرية بالتجربة، ليتشكل حقل البحث الذي تتداخل فيه نماذج من تجربتها الخاصة وقصص عاينتها عن قرب، مع أمثلة من التاريخ والسينما والمسرح والأدب والأساطير. تالياً، لا تعود الحرب صراعاً بين جماعات متواجهة فقط، بل هي أيضاً صراع داخلي حميم ينعكس على علاقتنا بالآخرين، القائمة دوماً على حكم قيمي متبادل. واذ يحل الشخصي دوماً كنقطة الانطلاق وكمحور كذلك، لا ينفك يعود على شكل ذكرى قديمة، حادثة، وجه، قصة من تلك الحرب التي رأتها يوماً بأم عينيها، ليترسخ ما يشبه نقاط الاستدلال في عالم مليء بالتناقضات.
من مي التلميذة التي أرادت إبهار مدرّسة الفرنسية، السيدة نومي، بموضوع انشائي عن عين الانتقام التي تلاحق قايين حتى القبر كما في قصيدة هوغو، فما كان من المدرّسة الا ان توجهت اليها مؤنبة: "الأخذ بالثأر أحقر المشاعر الانسانية". الى مي المرأة التي عاشت الحرب عن قرب ثم هربت منها لكنها لم تكفّ عن مساءلتها، لتتحول عبارة السيدة نومي البسيطة الى فلسفة حياة اكثر تعقيداً بكثير. وبين الطفلة التي كانتها والمرأة التي تواجه بارتباك يبلغ حدود الهلع أحياناً، عالماً تتخلخل فيه كل يوم منظومة القيم والمفاهيم، لا تكف مي غصوب لحظة عن طرح الاسئلة: كيف ننسى؟ هل هناك إمكان للصفح في غياب المحاسبة؟ متى يصير العقاب ثأراً؟ من هو البطل ومن هو الخائن، وفي نظر من؟ كيف يصير اشخاص عاديون وحوشاً؟ كيف يصيرون شهداء؟ كيف يصير ضحايا الامس جلادي اليوم؟ لماذا كلما ابتعدنا عن الطفولة تتموه الحدود اكثر بين الخير والشر حتى تكاد تختفي تماماً؟
هذه الأسئلة وسواها، تطرحها الكاتبة مراراً وتكراراً وتظل تُعمِل فيها تقليباً ومعاينة من مختلف الزوايا وفي أكثر من أسلوب. في النص الاول الاشبه بقصة قصيرة، يأتي صوت عبر الهاتف من مدينة بعيدة ليخترق عزلة المنفى الباريسي ويعيد ايقاظ الذاكرة. ذاكرة اليسارية التي اكتشفت في مخيمي صبرا وشاتيلا ان "الشعوب لا تتحرر بطرق شريفة ونبيلة"، وتتنبه الى التناقض الصارخ بين المثل العليا للثورة المفترضة ومجريات الحوادث من حولها.
واذ تنطلق من مفهوم النسيان الذي يواجهه سؤال من نوع: "ما الذي يضمن ان الحرب لن تندلع مرة اخرى؟"، تتوقف عند زمننا الذي لم يغضّ "الطرف عن ابطاله، بل اصبح يقر بوجود أبطال ملتزمين قيماً اخرى". من نهى سمعان ابنة السادسة عشرة التي فجّرت نفسها خلال الحرب اللبنانية، الى القديسة فلورا شفيعة مدينة قرطبة التي كانت هي الأخرى تناضل ذات يوم من عشرة قرون مضت ضد القيم نفسها التي استشهدت من اجلها نهى.
الا ان سؤال البطولة يبقى ملتبساً وخاضعاً دوماً للمساءلة: أم علي التي كانت خادمة صغيرة في التاسعة وصارت محاربة حادة الطباع لا تهاب الموت، "كان في إمكانها اهراق الدماء على جميع الفرش المنتشرة في تلك الشقة القذرة حيث فقدت يوماً غشاء بكارتها، لكنها لم تسعَ الا الى نسيان رائحة البسكويت البائت، ونسيان ملامح وسام المتجه صوب فراشها في الليل". اما الفتى سعيد ابن البقّال، الخدوم والدائم الابتسام الذي حولته الحرب "وحشاً قصير القامة"، فعاد لينتقم من كل الابتسامات المذلة التي كان يضطر والده لتوجيهها الى الزبائن.
من ناحية اخرى، يبقى موضوع العقاب بالنسبة الى تلك التي حذّرتها مدرّستها يوماً من الانجرار صوب مشاعر الثأر، السؤال الاكثر اشكالية لأن شرط النسيان مرتبط به أكثر من سواه. بين بولينا، بطلة مسرحية "الموت والعازبة" لأرييل دورفمان التي تظل تكرر "وماذا عني؟"، ازاء حديث زوجها عن وجوب الصفح عن الطبيب الذي شارك في تعذيبها، وبين العقاب الجماعي الطقسي الذي خضعت له المرأة الفرنسية التي تُظهرها الصورة الفوتوغرافية التي التقطها روبرت كابا حيث حُلق شعر المرأة عقاباً لها على علاقتها مع احد الجنود الألمان...، بين الامرين، ولأن "الحقيقة وحدها لا تكفي"، تحاول الكاتبة التمييز بين نزوعنا نحن البشر الى أن "نشاطر الرابح قوته ابان نشوة بشعة سريعة الزوال"، وبين المحاسبة كشرط للنسيان. ثم ماذا عن اولئك الذين "لم يفعلوا شيئاً غير تنفيذ الاوامر؟" اولئك الذين يقرّون: "كنا نعلم اننا نقتل بشراً لكننا مع ذلك بقينا نقتل"؟ هؤلاء الذين كانوا ابطال الامس وصاروا اليوم وحوشاً كيف يجدر النظر اليهم؟
في مكان ما من الكتاب لا تتوانى الكاتبة عن القول: "كنت أتمرد على الإستغلال والإجحاف وأخشى في الوقت نفسه تمرّد الضحايا. فكم ان هؤلاء الأخيرين مشروطون بأن ينقلبوا جلادين".
إزاء اعتراف كهذا، لا يبقى لنا الا ان نستعيد مع مي غصوب صرخة بريخت تلك: "الويل لتلك الاوطان التي قُدّر لها ان تمتلك ابطالاً".