موسيقا عالمية تصل الأرض بالسَّماء

جماليا - أبوظبي قرأها 7
 

ربما لم يكن الموسيقار الكبير نصير شمَّة، في الثالث عشر من شباط/ فبراير عام 1991، يعتقد أنه سيعيد عزف مقطوعته التي بدأت فكرتها عندما هزَّته حزناً وغضباً صرخاتُ الضحايا من النساء والأطفال تحت وابل قصف الطائرات العسكرية الأميركية لملجأ العامرية وعندما رأى جثث القتلى تلتهمها نيران الغارة، لم يكن يعتقد بأنه سيبقى يعزف هذه المقطوعة التي اشتغل عليها أياماً متواصلة وفي ظروف صعبة حتى أصبحت بياناً إنسانياً، بعد 16 عاماً من ذاك اليوم الأليم وتلك الجريمة البشعة.

فوق خشبة مسرح قصر الإمارات بأبوظبي وفي مساء الثالث والعشرين من شهر نيسان الجاري، قدَّم الفنان الكبير لمقطوعته معبِّراً عن حزنه الشديد لما آلت إليه الأمور في وطنه المنكوب ولما حلَّ بشعبه المظلوم عبر مازاد عن الثلاثين عاماً عانى خلالها القمع والذل والحرمان والعبودية لنظامِ طاغية ورَّث الوطن مزيداً من الألم والقهر والخوف فتتالت الجرائم حتى أصبحت أصوات صراخ ضحايا ملجأ العامرية أقل وطأة وقسوة مما يشهده العراق ويعيشه شعبه يومياً.

وجاءت مقطوعة "حدث في العامرية" قبل مقطوعة الاختتام في الأمسية الرائعة للفنان الكبير نصير شمَّة وطاقم فرقته المؤلف من أمهر العازفين المنتخبين مع آلاتهم الوطنية التراثية من عدة بلدان عربية (مصر وتونس والعراق) ومن تركيا والباكستان واليونان وإسبانيا وبريطانيا وإيرلاندا والولايات المتحدة.

والعرض الموسيقي المتميز الذي أطلق عليه نصير شمَّة العنوان "أمّنا الأرض" يأتي في سياق مهرجان أبوظبي الرابع للموسيقا الكلاسيكية الذي تنظمّه تحت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد إمارة أبوظبي، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث وهيئة أبوظبي للسياحة برعاية عدد من المؤسسات. وقد جاء في تعريف العرض:

من أجل سلام الإنسان، من أجل ثقافته ..

من أجل أمل بمستقبل أجمل لأمنا الأرض ..

أملٍ مزروع بالحب لا بالبغض والكره،

مع الإنسان – ضدَّ قتله ..

مع الإنسان – ضدَّ تشيده ..

ضدَّ العنف وضدَّ الاحتلال مع أمنا الأرض ..

ولأجلها نوسِّع الحبَّ والجمال بالموسيقى.

في المسرح الكبير في قصر الإمارات، امتلأت المقاعد الألف ومائتان بضيوف وحاضرين من أبو ظبي والإمارات ومن بلدان أخرى استمتعوا مع فنانهم المحبوب وإبداعاته وسحر آلاتٍ اختارها لتكثل "الأرض" _ أمَّنا الحنون الحزينة على الإنسان والخائفة عليه.. من الشر والأشرار.

وفوق خشبة المسرح توزَّع العازفون الماهرون:

من الباكستان على آلة السيتار شريف أشرف خان

من اليونان على آلة البلغاري بريكليس بابابيتروبولوس

من تركيا على القانون إيتاش دوجان

من العراق على آلة السنتور وسام أيوب

من مصر على الكمان سعيد كمال وعلى البيانو عمرو صلاح وعلى الدّرامز يحيى خليل وعلى الكلارينيت محمد حمدي وعلى الإيقاع هاني بدير

من تونس على الكمان العازفة ياسمين عزايز

من إيرلاندا على آلتي التاراو والليرا روس دالي

من بريطانيا على الساكسفون تومي سميث

من اسبانيا على الغيتار كارلوس بينانا

من أمريكا على الكونترباس مايلز جاي

بعد افتتاح نصير شمَّة الأمسية بمقطوعة على عوده عنوانها "زهرة الألم" ألفها لبغداد، قدمت الفرقة أكثر من عشر مقطوعات رائعة تحاورت في ألحانها القوية التعبير الآلات جميعها بأسلوب أخَّاذ شدَّ انتباه الحاضرين الذين صفَّقوا طويلاً للعازفين وقد نقلوهم عبر ألحان نصير شمَّة إلى بيئة التضامن العالمي من أجل الإنسان والسلم والحرية.

ومن بين المقطوعات المقدَّمة ضوء الروح، طفولة، إشراق، فوق غيمة، مزمار داوود. ومن بينها أيضاً مقطوعة حوارية عنوانها ولادة وابن زيدون مثَّلت دور ولادة فيها العازفة ياسمين على الكمان والعازف محمد حمدي على الكلارينيت، كما قدمت الفرقة مقطوعة "موسيقا لعام جديد" التي قادها العود وقال عنها نصير شمَّة أنه ألَّفها منذ ثلاث سنوات ولحنها مفعم بالأمل بمستقبل مختلف عن السنوات السابقة لوطنه العراق .. وللأسف فإن الأمور الآن ليست أفضل من السنوات التي مضت .. وها هي المقطوعة تُقدَّم مرةً أخرى.

نصير شمَّة الفنان الرقيق الإحساس والمتألم على وطنه وشعبه يستخدم أوتار عوده ونوتاته وعلاقاته الفنية العالمية المبنية على المعايير الأكثر إنسانية لنقل رسالة الشعب العراقي إلى العالم ورسالة الشعوب العربية إلى شعوب الأرض .. بل رسالة الإنسانية جمعاء من أجل السلام والحرية والمحبة ومن أجل سعادة الأطفال ومن أجل مجتمع اللاعنف .. مجتمع العدالة والمساواة.

ولا تقف قيمة نصير شمَّة ومكانته عند حد استخدام الموسيقا من أجل الخير والحب، بل تتعداه إلى الإبداع المتميز في تقنيات التأليف والعزف والإخراج الموسيقي. فبالإضافة إلى العمل التآلفي العظيم المتمثل بتكوين فرقة موسيقية من مكونات آلاتية مختلفة تنتمي إلى مجموعات موسيقية لم يسبق نصير شمَّة أحدٌ إليها، فإنه أصبح من المعروف ما قام به الفنان المبدع في تعديل العود وضبط الموسيقا عليه بطرق تختلف عما عهدته الأجيال. فعود نصير شمَّة ثماني الأوتار مقابل السداسي الكلاسيكي المعروف. وقد قام شمَّة بهذا التعديل على أساس مخطوطة للفارابي كان قد ذكر فيها بأن آلة العود تتحمل إضافة وترين إضافيَّين. ويقول شمَّة بأن الإبداع لا ينحصر بإضافة وتر أو وترين بل بالتعامل مع الوتر واستخدام قدر ما أمكن من طاقته العظيمة. يذكر بأن للموسيقار نصير شمَّة مقطوعات ألَّفها لوتر واحد كما أن من إبداعاته العزف على زند العود باليد اليسرى فقط وقد شاهدناه في "أمنا الأرض" وهو يظهر براعته في هذه الطريقة المسجَّلة له براءة ابتكار إضافي.

في أمسيته الرائعة انتقل الفنان الكبير بجمهوره إلى عالم التعبير بالموسيقا عن السّخط على أعداء الإنسانية وما يصنعونه من قتل وتدمير وتشريد وإفقار والتَّوق إلى مجتمعات المَحبَّة والسّلام والحرية والطمأنينة والتطور والعدالة والمساواة .. وعبر رمزيَّة تليق بالموسيقا، لغة كافة الشعوب والأمم وكل الحقبات والعصور وأرقى المشاعر والأحاسيس وأكثرها صدقاً وصلت المكوَّنة الموسيقية الأممية لنصير شمَّة إلى السّماء النقيَّة فوصلت "أمنا الأرض" بها.

طوبى لمن يقدِّر إنسانية الإنسان ويبدع من أجل صونها

طوبى لصانعي الفرح وبيئات المحبة والسّلام.

 

بعدسة "جماليا"