المسرح التجريبي إبداع وحداثة ومن العبث أن نقيم مسرحاًً بعيداً عن التجريب – حوار مع الناقد والكاتب المسرحي قاسم مطرود
التجريب كان، وما يزال منذ البدء منطلقاًً للوصول إلى الأهداف.. فمن عملية الاستقراء، والتصوّر كانت التجريب، والاستنتاج لوضع الحلول، واستنباط الأدلة، والبراهين، كما هو الحال في المسائل الرياضية، والدراسات النفسية.
وهكذا هو الحال بالنسبة لأبي الفنون المسرح، والذي بدأ تجريبياً وأصبح فناً راقياً له أسسه، وعناصره ومرتكزاته، وتأثراته بالوضع المعاش وهنا تبدأ وظيفته ودوره ولا أدل على أهمية هذه الوظيفة إلا ما يتجلى حالياً في بلاد الرافدين والذي أكده أحد أبنائها الناقد والكاتب المسرحي قاسم مطرود بقوله:
- المسرح التجريبي هو إبداع، وحداثة، ولا يمكن أن يكون هناك مسرحاً بدون التجريب ومن هنا تأتي خصوصية المسرح العراقي الذي يعتبر من أكثر المسارح تجريبا كون البنية الاجتماعية للمجتمع العراقي جعلته ينحو نحو المنحى التجريبي.
- هل يمكن أن يكون هناك مسرحاً عراقياً في المستقبل...؟
- أنا أكثر المتفائلين بأن المسرح العراقي بعد السقوط، أوفي مرحلة إسقاط ودحر المحتلين سيكون له ملامح واضحة ليس في العراق، فحسب، وإنما في المنطقة برمّتها، وهذا ليس من باب التمني... لكن إذا وقفنا على رقيّ المسرح، وظهور جلّ المدارس المسرحية التي ظهرت بعد الحروب، والكوارث الكبيرة كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية إذا ظهر مسرح اللامعقول، وبرؤى جمالية جديدة بكافة أجناس التعبير نتيجة للصفعة التي تلقاها الإنسان عندما شاهد أن المال والرصاص أكثر وقعاً من الكلمة في هذا العصر.
عندها ستكون الاستفاقة، والتّساؤل عن ماهية المقدّس، ومن هو المنقذ، وستبحث هذه الأسئلة عن جدوى هذه التابوهات التي كبّل الإنسان نفسه بها.... وعندما يتخلص منها تكون رؤاه متفتحة على العالم، وبالتالي سيكون أكثر إنسانية... كما واعتقد أن المسرح العراقي لن يكون له ملمح ثابت، بل ستتشظى الرؤى وتتعدّد المدارس.
- نلاحظ اليوم أن مسرح العبث العراقي، بات أخف شدّة ممّا كان عليه في الماضي.... أليس كذلك..؟
- لازال المسرح العراقي كما كان في العقود الماضية واعني الجودة، وأن ما يقدّمه في هذه الأيام هو في قمّة العبثية... فنحن نقدّم المأساة على خشبة المسرح، وهي مليئة بالضحكات، فهذا يعني أننا نعبث على الهمّ، والمعاناة، ولا نعبث بها...
- ما تقوله هل يؤكّد أهميّة المهرجانات التجريبية ودورها المفترض ...؟
- بالتأكيد نحن بحاجة إلى الإطلاع، وتبادل الخبرات التجريبية... ومن خلال حضوري في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لأكثر من دورة، لاحظت أن هناك فائدة كبيرة للمشاهدين والمشاركين، والفنّانين، والكتّاب... وكان ثمّة عروض تجريبية كالعرض الفرنسي حيث جرّب على كلّ مفردات العرض، وكان مبهراً إذ لعب على اللغة والسينوغرافيا، وغاير في كلّ الأشياء، وكذلك كان العرض الهولندي حيث قامت الممثلة الوحيدة في العرض باللّعب على الفضاء وكانت مبهرة...
- وما هي مواصفات النّص المسرحي التجريبي؟
- كأنك تسألين عن السّحر.. الكثير يقول هناك أزمة في النّص، ولكن لو نظرت إلى المكتبة العربية لوجدتها غنية جدّاً بالنّصوص الأدبية المسرحية، وأنا أرى رغم وجود هذا العدد الكبير أنّنا مازلنا نعاني من أزمة نص لأنّ النّص التجريبي أو المسرحي عليه أن يحمل السّحر والغموض.
- مثل المرأة التي تمر إلى جانبك فتدهشك... يجب أن يدهشك النّص أولاً... والإدهاش فكري، وبصري، ولغوي وصوري، وبعدها تأتي الصدّمة، وعندما تتحقق الصدمة والإدهاش نكون في منطقة التجريب...
- وكيف تتم ولادة النّص التجريبي ...؟
-لا يمكن أن يولد هذا النّص إلاّ من مؤلف له نزوح نحو التجريب، وأن يكون متحرراً من التاّبوهات التي ذكرناها سابقاً حين يكون فكره أخاذاً، وغير متوقف عند حدود ويسمح لنفسه أولاً أن يجرّب على الكثير ممّا يحيط به، وهكذا يولد النّص كما هو عند "آرثر اداموف"، "جان جينه "، "يونسكو".
- وهل التجريب يقع ضمن مسرح العبث ...؟
- لا... لانّ التجريب في العصر الحديث أخذ إطاراً فلسفياً جديداً... التجريب هو ما يقيمه الإنسان، ويستحدثه... ذلك هو التجريب، ولكن عندما تحوّل عصرنا الحديث إلى فكر وفلسفة بات علينا أن نتحدّث عن المجربين الذين اشتغلوا فيه بشكل علمي... هذا ولابد من الإشارة إلى أن التجريب بدا مع الخطوة الأولى للإنسان، والمسرح التجريبي قد بدأ في إيطاليا حيث إشكالية الواقع بعيداً عن النص وفي فرنسا عندما بدأ "الفريد جاري" بتكسير الوهم الثقافي وهكذا يمكنك الاستقصاء على البدايات الحقة في كل بلد.
وبهذا الحوار مع المبدع قاسم مطرود يمكن أن نكون قد قدّمنا صورة مضيئة عن المسرح التجريبي الذي أثبت أنه أهم ضرورة مسرحية تستحق الوقوف والجدل.