لماذا لا نلوم أنفسنا؟!

فاطمة المزروعي قرأها 1,452

لماذا لا نلوم أنفسنا؟! 

تحدث في حياتنا وبشكل مستمر خلافات ومشاكل، وهذه طبيعة أي حياة اجتماعية، ولا غرابة في حدوث تباين في وجات النظر، هذا التباين الذي في أحيان كثيرة يكون سبباً للفرقة والعداوة، وفي أحيان نصبح في حالة تشبه الدفاع عن النفس، فنغلق منافذ الاستيعاب ونرفض تقبُّل أي فكرة جديدة يتم سردها لنا من الطرف الآخر، لأننا اعتبرنا أنفسنا في حالة من الصدام معه لأنه سيئ، أو لأنه أقلُّ منا، أو لأننا نعتقد بشكل جازم أننا نملك الحقيقة المطلقة ولا نرضى بأي تشكيك أو حتى محاولة للتعبير عن رأي مخالف.

في الحقيقة الموضوع لا يتعلق باختلاف آراء وعدم تقبُّل الرأي الآخر، بل الموضوع يتجاوز هذه الجزئية لما هو أكبر، لقضية عملية، بمعنى يمكن أن نقوّض أي علاقة اجتماعية أو نقوم بإنهاء علاقة قربى، والسبب هو لوم الآخرين وتحميلهم جميع الأخطاء، ولا نفكر حتى مجرد التفكير بأننا يمكن، بطريقة أو أخرى، نكون قد ارتكبنا أخطاء ولو كانت طفيفة، بل نلقي بالتبعات جميعها بعيداً عنا، ونحمي أنفسنا بشكل كبير وبالغ دون أي درجة من التعقُّل، وهذا لا يحدث في موقف واحد أو إثنين بل قد تجدها ممارسة مستمرة نرتكبها مع سبق الإصرار والترصُّد وبشكل دائم.

قصةٌ قرأتها في كتاب "التعامل مع الناس" لمؤلفه دايل كارتييفي، يقول: ‌«في عام 1931 تم القبض على مجرم في مدينة نيويورك سُمّيَ "القاتل الطاغية"، لأن المدينة لم تشهد مثيلاً له في العنف والإجرام، لدرجة أن رئيس الشرطة وصفه بأنه أخطر العتاة الذين عرفتهم مدينة نيويورك، لأنه كان يقتل لمجرد رميه بريشة، خلال مداهمة أحد المنازل للقبض عليه ألقى رجال الأمن الغازات المسيلة للدموع ولم تفلح، فما كان إلا أن صعدوا بمدافعهم الرشاشة إلى المنازل المجاورة وتحت نيران المدافع تم القبض عليه، ومن الغريب أن هذا السفّاح خلال محاصرة رجال الأمن لم يكن يفكّر في الهروب أو في لحظة القبض عليه، بل كان منكبّاً على كتابة رسالة موجّهة إلى من يهمه الأمر، قال فيها: "إن بين ضلوعي قلباً حزيناً ولكنه ينبض بالرحمة، قلباً لا يحمل حقداً على أحد ولا يضمر أذىً لأحد" وقد حوكم وصدر حكمٌ بإعدامه، وقبل تنفيذ الحكم بواسطة الكرسي الكهربائي، قال: "هذا هو جزائي لقاء دفاعي عن نفسي". هذه القصة توضح لنا فداحة أن نتعاطف مع أنفسنا، فداحة الخطأ الذي نرتكبه بتعظيم أنفسنا والشعور أننا لا نخطئ وأن الآخرين هم الذين يرتكبون الأخطاء. أن تكون لديك حساسية مفرطة من النقد أو من أي وجة نظر تختلف أو تعارضك فتقوم وتحمي نفسك بشكل مبالغ، هو مرض يجب أن تتخلّص منه.

هذا السفّاح الذي راح على يديه العشرات من الأبرياء يقول إنه كان يدافع عن نفسه، وأنه يملك قلباً لا يعرف الحقد بل وينبض بالحب، وهو في الحقيقة  أزهق أرواح نساء ورجال أبرياء. لنسأل لماذا يكون بكل هذه القسوة والإجرام، ثم يقول بأنه رحيمٌ محبٌّ وأنه يتم عقابه لأنه دافع عن نفسه؟! لنتغلّب على الذاتية ونحسن التعامل وتقويم أخطائنا لتسعد قلوبنا وأرواحنا، وأيضاً حتى لا نؤذي أنفسنا بأنفسنا.