خصومة الدقيقة الواحدة بين فرُّوخ وأبو شبكة
مصطفى فرُّوخ *
مدخل إلى النَّص
لم تكن فترة الثلاثينات والأربعينات حافلة بالزَّخم الأدبي فحسب، بل تخلَّلتها مناسباتٌ، بعضها شخصيٌ وبعضها الآخر عامٌ، جعلت من احتكاك أحداثها وأعلامها فورةً مباركة ترجمها الأدب اللبناني إنتاجاً ثريَّاً.
منها الخلاف الذي نشب بين بشارة الخوري (الأخطل الصغير) و"عصبة العشرة" (فؤاد حبيش، ميشال أبو شهلا، خليل تقي الدّين، الياس أبو شبكة)، وانتهى بمصالحة رتَّبها سعيد عقل في كازينو الوادي على ضفاف البردوني.
ومنها المقاطعة التي شهدتها مجلة " المكشوف"، حين بادر بعض الأدباء إلى الإشاحة عن النشر فيها مما وسَّع دائرة النشر الأدبي في وسائل أخرى.
ومنها تلك العاصفة (العابرة) بين صاحب "العاصفة" كرم ملحم كرم وبعض أدباء جيله.
ومنها الخصام الذي احتدَّ بين سعيد عقل وبشارة الخوري حين صوَّر بعضُهم للأخير أن سعيد عقل كان يعنيه هو حين تحدث، في حضوره، علي منبر الجامعة الأميركية، عن "الشُّوَيعِرَين"، فكان من الأخطل أن عاد إلى المنبر وهاجم سعيد عقل ولو من دون أن يسمّيه. ثم انتهت القصّة بعناق أخويّ وإصرار (لاحقاً) من الأخطل أن يكون سعيد عقل هو مَن يكتب مقدمة ديوان "الأخطل الصّغير"، بعد ما كان سعيد عقل لولَبَ مهرجان مبايعة الأخطل الصغير أميراً للشعراء في قصر الأونيسكو (حزيران 1961).
وهكذا، لم تكن تلك الخصومات تطول، وسرعان ما كانت تنتهي بعناق في مقهى أو في مكتب جريدة، وتكون النتيجة بين "المتخاصمَين" ودَّاً أقوى من السّابق.
في مكتبة هاني فرُّوخ نسخة فيلم الفيديو الذي نسَخَه عن فيلم صامت قصير ( 8ملم) يبدو فيه والدُه مصطفى فرُّوخ مع ميخائيل نعيمة في الشَّخروب، وصفحتان كتبهما فرُّوخ بخطِّه تحت عنوان "خصام دقيقة"، عن قصة طريفة جرت بينه وبين الياس أبو شبكة، هي من البساطة والبراءة ما يدلُّ على نقاء الفنَّانين الحقيقيّين الذين لا تفرّق بينهم غيمةٌ عابرة مهما تكن.
نَصّ فرّوخ
وهنا نصُّ الصّفحتَين كما كتبهما فرُّوخ في دفتر مذكراته:
كانت تربطني بشاعرنا الرّاحل صداقة الشّاعر بالفنّان، رابطة الفكر بالفكر والعاطفة بالعاطفة.
وأصبحتُ منذ قرأتُ له للمرّة الأولى، من المعجبين به، لأنه كان في أدبه يعبِّر عن شعوري وأهدافي، فأجد في أدبه الأنَفَةَ، وأحسُّ الثورة والجرأة في قول الحق. لذلك أحببْتُه وملتُ إليه.
قد يكون لشخصيته أثرٌ في شدّة هذا الإعجاب أيضاً. وقد يكون لصورته وشكله دخلٌ في الأمر. فهو كان لبنانياً محافظاً على طابعه: بوَضْعِ طربوشِه بدون اكتراث، وظهورِ غرَّته، ثم انسجام جسمه المنتصب كالرّمح، ومشيتِه الدّالَّة على كثير من الثقة بالنّفس، ثم تأبُّطِه عصاه الشّهيرة وصُحُفَه، وشموخِ رأسه أبداً للعُلا. كل ذلك كان يحملني على محبَّته واستلطافه، لأنه ذو شخصيّة مميَّزة وذو طابعٍ خاص.
يقولون: "لا بدَّ لشحْذ الصّداقة من صدَماتٍ لتقويتها وصقْلها". وهاك حادثاً: مرَّت على صداقتنا سنواتٌ عديدة، وكثيراً ما كان يرسل لي النُّكْتة كلاماً مجنَّحاً، فأردُّها له خطوطاً هزليَّةً لاذعة يضحك لها ويحفظها بين أوراقه.
وصَدَفَ يوماً أني كنتُ، والأيامُ على خصام، ثائرَ الأعصاب، أرى الدّنيا ظلمةً حالكة. دخلتُ إلى أحد مخازن بائعي الحلْوى، فإذا بي أقف وشاعرنا الياس وجهاً لوجه. وما أن حيَّيْتُه حتى بدأ في عتابي لعدم زيارتي إيَّاه، وكأنه كان مثلي في ذلك النّهار في ثورة نفسيّة، فلم يقبل اعتذاري، ولم يسامح. وكنتُ ضيّقَ الصّدر – والشّاعرُ والفنَّانُ كالأطفال الذين لا يُحسنون أساليب المراوغة والمصانعة والكَرِّ والفَرّ –، فكان أن تبادلنا بعضَ الكلمات الجافّة. ولكن، صدفَ أن تأمَّلتُ في عينَيه، ومرَّتْ بخاطري قِطَعٌ من أدبه الذي أُحِبّ. مرَّ هذا كلمْح البصَر، فابتسمتُ له وابتسم لي، وقال: "بربِّكَ، أحقَّاً أننا نتخاصم الآن؟ أيمكن الأديب والفنان أن يعرفا غير الحب والجمال والسّلام؟". فأجبتُ: "هذا ما كنتُ أفكِّر فيه الّلحظة". ثم مدَّ ذراعَيه، وعانقني بلهفة الأخ لأخيه.
فالْتفتُّ إليه، وكأني كنتُ في حلم، والابتسامةُ لا تفارقني، والاستفهام يرتسم على وجهي. مرَّ كلُّ ذلك في سرعة خاطفة، وددْتُ أن أبدِّل الجو. ثم نظرتُ إلى يميني، فوقع نظري على واجهة الحلوى، انْطرحتْ قطعُها على مختلف أشكالها وألوانها، تبعث رائحتَها الشّهيَّة، كأنها مُدَّتْ هنا لمثل هذه المناسبة. فقلتُ له: "دونكَ هذه الحلويات الجاثمة، فاجعلْها أو بعضَها، فداءً لخلافنا العارض، كما الله سبحانه جعل الكبْشَ فداءً لاسماعيل".
وهنا أطلقها، رحمه الله، ضحكةً داويةً لهذه الفتوى المرتجَلة والمسالمةالبريئة، البعيدة عن الحقد والضّغينة وبَثِّ الألغام الخَفيَّة.
وبينما كنا نمسح بقايا السُّكَّر عن شفاهنا، تَوَدَّعْنا بمُصافحة شديدة مكَّنتْ من صداقتنا، فكانت لها كالماء نزَلَ على الزّهرة الذَّابلة فأنعشها، فإذا هي أقوى من ذي قبْل.
حول هذا النَّص
عن هاني فرُّوخ، أن المحلَّ المقصودَ في النّص هو "حلويَّات الوَزّي" على ساحة البرج، حيث كان يلتقي معظم الأدباء والفنانين قبل أن يتفرّقوا على مناطقهم وبلداتهم.
هذا النصُّ دليلٌ آخر على الوشائج التي كانت تربط بين فرُّوخ وأبو شبكة. ففرّوخ هو الفنان الوحيد الذي وضع لشاعر "نداء القلب" رسوماً ثلاثة: الأول مائيّ (موجود حالياً لدى السيدة ليلى العظم – ليلى "نداء القلب" و"إلى الأبد" – واستهلَّ به الدكتور إدوار البستاني كتاب "في ذلك الزّمان" الذي جمع فيه مقالات لأبو شبكة غير منشورة في كتاب)، والثاني كاريكاتوريّ (1944)، (كتاب "وجوه العصر بحبر الفنان فرُّوخ"، نشره هاني فرُّوخ في حزيران 1980 لدى "دار العلم للملايين")، والثالث كاريكاتوريّ (1946) ومعروفٌ جداً عن أبو شبكة وتتناقله الصحف والمجلات والكتب الأدبية والمدرسية جميعها، وهو أكثر الرسوم انتشاراً عن أبو شبكة بفضل فرُّوخ (الذي وضعه قبل أشهر من وفاة الشاعر في 27 كانون الثاني 1947).
وعام 1955، حين زار فرّوخ زوق مكايل (بلدة أبو شبكة) وضع لها لوحةً زيتيَّةً ظهر في مقدّمها بيت أبو شبكة حيث كان يلتقي الصديقان ويتمشيان بين أشجار اللوز في حنايا "الزّوق".
ويحفظ هاني فرُّوخ اليوم الطبعة الأولى لـ"نداء القلب" (دار المكشوف – 1944) وعليها من أبو شبكة بخطِّه وبحبره الأخضر المعهود إهداءً إلى فرُّوخ، حرفيَّتُه: "إلى أخي الفاضل الأستاذ مصطفى فرُّوخ، تقدمة محبة واحترام – الياس أبو شبكة" (1944).
مناخ تلك الأربعينات، تلك الأحداث الطيّبة، تلك الآثار التي شادت صرح الأدب اللبناني الحديث، لو نتمثَّل به، لو نقتدي، كي لا "يتمكْنَن" عصرُنا كثيراً بهَوشَلات الآلة الرّاكضة ونحن نلهثُ خلفَها، فنلتقطَ بعض أنفاسنا، ونتساقى الفنّ أدباً أو شعراً أو موسيقاأو رسماً، من مصادره التي، كلما عدنا إليها، استعدنا عافيةً من رائحة لبنان المبارك.
يا طيبَ تلك العافية.
مصطفى فرُّوخ في سطور:
- أحد رواد الفن التشكيلي اللبناني ومؤسِّسي نهضته الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين.
- وُلد في بيروت (1901) وتوفي فيها (1957).
- دخل اسمُه في قاموس الفن العالمي (1950).
- له نحو 5000 لوحة مائية وزيتية وطبشورية وبالحبر الصيني.
- وضع عدة كتب أبرزُها: "رحلة إلى بلاد المجد المفقود"، "قصة إنسان من لبنان"، "الفن والحياة".
- وضع مجموعة كبيرة من الرسوم لأصدقائه ورجالات عصره أصبحت اليوم مرجعاً لتلك الوجوه، ومنها ثلاثة للشاعر الياس أبو شبكة.