الاتصال كالتنفّس
نحن لا نصغي ولا ننتبه لكثير من المواقف التي تمر بنا، والمشكلة الحقيقية أن عدم التنبّه الدقيق لهذه المواقف يسبّب فيما بعد مشاكل كبيرة ومتتالية كنا في غنى عنها وعن الوقوع فيها. خذ مثالاً أي خلاف يقع بين اثنين سواء في العمل أو في المنزل أو في الشارع، ستجد دوماً أن هناك فجوة في الفهم تسببت بكل هذا اللغط، وبالتالي تزايد سوء الفهم وازدادت الهوة. الزوجان في منزلهما أكثر النماذج التي يمكن أن تطرح كمثال لمثل هذه المشاكل التي تقع، والتي كان يمكن تلافيها بقليل من الإصغاء لبعض والانتظار حتى ينتهي الطرف الأول من حديثه ومحاولة تفهّمه ثم الردّ عليه بوجهة نظرنا.
أسوق هذه الكلمات بعد سماعي لقصة زوجة كادت تنهار حياتها الزوجية تماماً، والسبب: لا الزوج حاول أن يَفهم زوجته، ولا هي، أي الزوجة، حاولت أن تَفهم زوجها، كل منهما لجأ للصراخ ورفع الصوت والاثنان كانا يتحدثان في آن واحد، لا أحد منهما كان يصغي أو ينتبه لكلمات الآخر، والنتيجة الطبيعية لمثل هذا الحوار هي الانفجار الثنائي، وأقصد أن الزوجين سينفجر كل منهما في وجه الآخر.
تقول الزوجة وهي تستذكر هذه القصة، كنت قد رتّبت للخروج مع أطفالي لزيارة إحدى الصديقات، عندما فاجأني زوجي بأنه يريد أن يوصلنا لمنزل أهله، تقول: اشتطتُّ غيظاً وغضباً، وقلتُ له: ألم تجد أن نزور أهلك إلا الآن؟ فردّ والغضب قد تملّكه: الآن وكل وقت.. ونشب عراكٌ لفظيّ بينهما كاد ينتهي بالطلاق التام الواضح، وبعد تدخُّل أهل الزوجة، أوضح الزوج أن رغبته كانت تتلخّص بأن يخرجوا لزيارة أسرته زيارة قصيرة، ومن هناك سيقوم بإيصال زوجته وأطفاله لمشوارها، ولكنها لم تعطه فرصة للحديث وتوضيح وجهة نظره..
ما حدث هنا سوءٌ في التواصل بين الزوج والزوجة، كاد يعصف بحياتهما الأسرية بشكل تام. وفي الحقيقة التواصل ودقته وترابطه عملية دقيقة وحيوية لنا جميعاً وفي مختلف مناحي حياتنا.
أستحضر كلمات كنت قرأتها وأعجبتني في هذا السياق وقمت بتدوينها للدكتورة فرجينيا ساتير، وهي متخصصة في علم النفس الأسري والزواجي، بل ومتخصصة في العلاج العائلي، كانت تقول في تلك الكلمات: «إن الاتصال في العلاقات الإنسانية يشبه التنفس للإنسان، كلاهما يهدف إلى استمرار الحياة». وبالفعل فإنه كلما كان اتصالنا ببعض بشكل واضح ودقيق ومرن، ومحاولة فهم رسالة الطرف الآخر قلّت وتدنّت نسبة حدوث أي خلاف، فلنقوّ اتصالنا ببعضنا بعضاً.