صرخة طفل في قصة مريم التيجي

وديع العبيدي قرأها 1,236

صرخة طفل في قصة مريم التيجي

(أوقفت محرك سيارتها.. ووقفت!)

(يوميات أمّ..) قصة عادية يومية جدا.. لا تكاد أولا تستحق من لدنا التوقف أو الملاحظة.. فهي حكاية عادية جدا.. في عالم لا تنقصه المشاكل ووجع الرأس.. ولماذا يوميات أم وليس يوميات أب.. فالرجال والنساء اليوم يحملون نفس الرأس ويعانون نفس الصداع والهم والمأساة.. ألم تطالب المرأة بالمساواة.. فلماذا التذمر إذن.. النساء نصف العالم.. أي نصف المليارات السبعة هم نساء.. كما أن نسبة النصف من النساء هن أمهات على وجه التقريب. ونصف النساء يقابلهن نصف الرجال من الآباء. أي نصف العالم آباء وأمهات ويعانون صداع الأطفال وهمّ المعيشة.. وهذا يعني ان الجميع يعيشون ويعانون نفس المشكلة.. ولا أحد يرغب في سماع شكوى أو تذمر.. في مشكلة يتّحد فيها الشاكي والجاني. فالزواج والانجاب خيار فردي، والخيار مسؤولية.. كلّ هذه الأسئلة والهواجس تراود القارئ أمام العنوان ووراءه..

حتى عصر ما قبل سبعينيات القرن الماضي كان القاص والشاعر يبحث عن الجديد والغريب، غير المألوف والغرائبي لينشئ نصا أدبيا يذيعه على الملأ.. اليوم اختلفت الأمور، وانقلبت المعايير، ليس الاخلاقية وانما الأدبية أيضا. ورغم أن العولمة جعلت حياة الناس تتشابه كثيرا، واختزلت شيئا اسمه الأسرار والخصوصيات.. فالنصوص المعاصرة تشتق من رتابة اليومي مادتها، ومن أسئلة اليومي استفزازها. كان المسرح الاغريقي يعيد انتاج الواقع على خشبة المسرح [The Stage] لكي يضع المجتمع أمام حقيقته العارية.. والنص المعاصر اليوم يعيد انتاج الحياة اليومية على الورقة، ليضع الفرد أمام حقيقته العارية.. فالحياة في النهاية.. هي أنت وأنا.. وليس كائنا خرافيا يأتي من وراء الحدود أو من البحار كما يعتقد أهل بوتسوانا.

والكاتبة مريم التيجي في قصتها القصيرة جدا (يوميات أم..) تصوغ قصتك وقصتها وقصة كل فرد معاصر.. يفتقد الاستقرار والأمن في وجوده اليومي. خلال أقل من قرن تحولنا من مرحلة الخوف من الاستعمار والقوى المعادية، إلى الخوف من الدولة ومؤسساتها الأمنية المتوحشة. واليوم نتحول إلى المرحلة الثالثة من الخوف، الخوف من المجتمع، أي الخوف من أنفسنا. والكاتبة التيجي، إذ ترفع قيمة – الخوف- تبقيه في مجاله الموضوعي [objective]. خوف يتعلق بانسان آخر، هو قطعة منا، ليس العائلة أو الأخ، وانما في -ابن المرأة-، قطعة من أحشائها ونسيجها ولمفها - تصور بشرا-، [الانسان مولود المرأة]- (أيوب14: 1). هذا المولود الذي اخرجته الانثى من أحشائها للهواء، لا تجد موضعا لائقا تاتمنه عليه. يقول علماء البيولوجيا أن بعض الأسماك تقطع مسافات طويلة لتضع بيوضها في مكان آمن، ويعاني العلماء صعوبة في فهم طريقة بعض الحيتان في دفن بيوضها تحت رمل الشاطئ، حتى لا يكتشفها أحد وتتعرض للافتراس. الانسان المسكين، ليس له ذكاء الحيتان ولا قدرات الاسماك للرحيل إلى أماكن خالية تصلح لايداع الأطفال [- أكبادنا تمشي على الأرض!]. أسجل هنا تقديري للكاتبة المغربية وظروف بلدها البعيدة عن الحروب والارهاب. لأن معاني الطفولة في العراق وسوريا وفلسطين تغيرت كثيرا، وصارت وظيفته [تعويض النقص القومي] أو [اكمال عدد غيار]. ثمة تشويش مقصود في صورة الحياة اليومية، واضطراب متعمد في مناسيب الطبيعة والمنطق. وعلى الانسان اليوم أن يشك في أكثر الأشياء/ الأشخاص عادية وبراءة، ويعيد حساباته.. مراجعاته وأسئلته من نقطة الصفر. لعل المرأة هي اكثر ضحايا العولمة والفوضى العصرية، بين خضوعها لحاجاتها والتزاماتها الطبيعية داخل الأسرة، وبين سعيها للتكيف مع عجلة الحياة ومواكبة حركتها السريعة.

عدّة مسلمات أولية تجد المرأة نفسها إزاءها اليوم، بضغط من النظام الاجتماعي أو النظام الاقتصادي: هذه المسلّمات هي: [الزواج، الانجاب، الرعاية والتربية، العمل]. في النظام التقليدي كانت المرأة تتزوج وتلتزم البيت، ولكن النظام الاقتصادي اليوم، يكلف المرأة العصرية بالمشاركة في ميزانية الأسرة، وأحيانا تجد نفسها وحيدة في تحمل مسؤولية العائلة بعد غياب (دور) الزوج. لكن هذه ليست هي المشكلة في قصة الكاتبة التيجي. يقتضي – تاريخيا- التمييز بين الاستحقاقات المدنية للحداثة، وبين الخصائص الفوضوية لما بعد الحداثة. والمشكلة المعنية هنا هي (افتقاد) الأمن الاجتماعي -أو المجتمعي- . فقيم الانتماء والعائلة والجوار والقرابة والصداقة وألاخوة، ذهبت مع الريح. حياة ما بعد الحداثة رفعت حدود الدول والمجتمعات والمدن والعوائل والحقوق والحريات الفردية، لحياة مفتوحة على كافة الاحتمالات وبزاوية [360 ْ]. أي لحظة خلال اليوم يمكن أن تكون لحظة بداية أو نهاية، سقوط أو ارتفاع، جريمة أو مكافأة.

في مجتمع الفوضى هذا لا توجد مؤسسات وأنظمة اجتماعية مستقرة، ولا يوجد قانون يضمن حق الفرد أو حصانته. وعلى كل فرد أن يكون قادرا على تكفل أمنه وحريته وحقه [أنت وربّك يا موسى!]. لقد انهارت المؤسسات التقليدية، وتحرر المجتمع من التزاماته الاخلاقية، مستسلما لقوانين الغريزة والمعيشة المحضة.

القراءة التاريخية للراهن، لا يعني تبرئة مجتمعاتنا وبشرنا من مسؤولياتهم الأخلاقية والتزاماتهم الاجتماعية. والتنصل من تلك الالتزامات ليس تعبيرا عن الفوضى فحسب، وانما عودة بالحياة إلى ما قبل المدنية والتحضر- أي الهمجية. وانغماس الفرد الساذج في خدمة ذاته ورغباته النفسية والجسدية المتوحشة، ستقوده بالنتيجة ليكون هو نفسه فريسة للشرّ.

والعبارة الانجيلية [ليس لابن الانسان مكان يسند فيه رأسه!] كناية عن سواد الشرّ، وانعدام الأمن واللياقة الانسانية. و- الطفل- المعاصر لا يجد مكانا آمنا في القرن الحادي والعشرين. يقول الشاعر العراقي حسين مردان [1926- 1972م]: (لن احترم هذا العالم، طالما فيه طفل منكسر العينين). واطفال القرن الحالي لديهم كثير من الألعاب وأفضل الثياب والاغذية، ولكنهم يفتقدون الأمان والثقة!. من هنا تأتي صرخة الكاتبة مريم التيجي غير العادية، في وجه زمن لا يحفظ اعتبارا لبراءة الطفل ولا يحترم قداسته!.

*

لا أفهم تماما علاقة ما بعد الحداثة بسنّ الطفل. فلم يمض قرن تماما على تحديد سنّ – اكمال- السادسة موعدا لدخول الطفل المدرسة. وبعد زمن غير يسير تقررت الزامية الدراسة الابتدائية لكل طفل. وأقرت منظمة الأمم المتحدة ذلك على جميع أعضائها. وقد مثل ذلك – في واقع الأمر- مصدر عسف كثير لطفل يفضل التصرف بوقته كما يشاء، ويكره مغادرة الفراش والاستسلام لبرد الصباح للذهاب إلى مكان يسمونه (مدرسة). وقد عانيت – أنا شخصيا- شأن كثير من أطفال القرى، قطع كيلومترات كثيرة منذ الفجر، لنوجد في المدرسة قبل جرس الثامنة، ونعوذ نقطع نفس الكيلومترات بعد الظهيرة. برد الشتاء وقيظ الصيف. ولا ادري لماذا تزامنت الدراسة مع فصل الشتاء، وكأنه يفتح الأذهان. بعد وقت يسير من الزامية التعليم الابتدائي، ظهرت فكرة التعليم الأولي – سنتين قبل الابتدائي. وهكذا جرت قرصنة أخرى على سنوات الطفولة، واليوم تستقبل رياض الأطفال المواليد منذ أزل الأيام. وتفتخر بلدان مثل بريطانيا، بعدم منح الأم، فترة رعاية طفلها حتى عامه الثالث كما كان مألوفا. والمشكلة هنا، تتعلق بتكوين طفل - الانسان- وحضانته الأساسية. ففي سنواته الأولى يحتاج الطفل للدفء الأموي والأبوي ومشاعر العائلة أكثر من مجرد (الحليب). فطفل الحضانة نشأ خارج دائرة العائلة، ويستغرق يوم الدوام في بريطانيا من الصباح حتى الثالثة بعد الظهر. تتضمن وجبتي الفطور والغداء للانسان العادي. وأنا اعتبرها وقتا طويلا للطفل. لكن البلدان الغربية تركز على عنصر العمل، وتمد وقت المدرسة والحضانة، طيلة وجود الأبوين في مكان العمل. وبالنتيجة، تعاني بريطانيا من تراجع المستوى الأخلاقي والدراسي لطلبة مدارسها. ولكنها لا تفطن للعامل النفسي والاجتماعي لعنصر التربية، وتصر على مكننة حياة الانسان بكل مراحلها، بما يخدم عجلة الرأسمال.

والطفل في قصة (يوميات أم..) هو دون سنّ المدرسة، وثمة تعارض بين موعد العمل في الروضة وموعد عمل الأم، مما يتسبب في تأخرها الصباحي في العمل. [عندما وصلت الى المدرسة، كان طفلها أول الواصلين، لم يكن بالباب غير الحارس...فجأة ارتبكت كل حساباتها..]. لكنها تفاجأ بعد وجود غير الحارس في المدرسة. فالمشكلة هنا ثلاثية الأبعاد..

عدم رغبة الطفل في الذهاب في الروضة الصباحية.

عدم توافق مواعيد بدء الدوام بين روضة الطفل وعمل الأم.

عدم استئمان ترك الطفل عند الحارس.        

هذه المشكلات العويصة، والتي تستدعي تدخل مؤسسات الحكومة لحل مشاكل الأهلين والمساعدة في تسهيل حياتهم، تقدمها القاصة مريم التيجي في [مائة وأثنين وستين كلمة]، هي كل قوام قصة (يوميات أم..). ولأن الدولة ليس لديها وقت، تضيعه مع مشاكل الناس اليومية، تتخذ الأم/ القاصة قرارها بجملة – ثورية- واحدة، لا تقل ثورية عن أي انقلاب عسكري، فحواها [أوقفت محرك سيارتها، وحولت اتجاه المرآة، حتى لا ينتبه الصبي لدموعها..ووقفت]. جملة تبدو عادية جدا. لكنها بالمنظور النفسي والانساني، حين ننظر عبرها إلى اختلاجات الأم واحتراقاتها الداخلية وحجم ما تعيشه من استلاب وقهر، لا نملك غير الصراخ معها، في وجه وحشية زمننا التكنولوجي الذي جرّد الانسان من انسانيته.

[دولة لا أبالية، مدير لا يراعي الظروف الاجتماعية الخاصة لموظفيه، حارس ينتقم من المجتمع لنفسه].

في البرنامج الانتخابي لحزب الحرية النمساوي في اواخر التسعينيات، وعد بجعل فترة الأمومة سبع سنوات براتب كامل، وقد فاز بالمرتبة الثانية (26%) بعد الحزب الاشتراكي (29%) ولكن الحكومة الائتلافية التي شارك فيها اعتذرت عن الايفاء بغير نصف المدة، وذلك بسبب أعباء الميزانية. والبلدان العربية تتحمل مسؤولية اخلاقية لتطبيق نظام الرعاية الاجتماعية لكافة مراحل العمر وكل الفئات الاجتماعية، وهي أبسط حقوق المواطنة، في بلدان لا تكاد تقدم شيئا ملموسا لمواطنيها. وعلى الأحزاب الوطنية تضمين حقوق الرعاية والضمان الاجتماعي في برامجها ومواثيقها السياسية، بدل التيه وراء مجرات أفكار غوغائية أو مزاودات كلامية جوفاء حول الوطنية والشريعة، وكأن الانسان العربي استكمل كل حاجاته وحقوقه ولم يعد له غير الفسيفساء الخارجية.   

كبيرة هي هذه الاقصوصة، وعميقة بصراخها الداخلي، وجارحة بما لا يكفي، لتسجل شروخا [Stiche auf Stahl]على السطح الفولاذي لمجتمع الألفية الفاغر فاه مثل جحيم سارتر.. الانسان المقهور عندما لا يجد العون والتفهم من مجتمعه يقف بين أحد احتمالين: الانتحار أو الانفجار، هو ما تعلنه الجملة التالية في القصة.. بعد اطفاء المحرك!.

*

 العشرين من سبتمبر 2014

*

نص قصة

(يوميات أمّ..)

بقلم: مريم التيجي


 كان إقناع الصغير بمغادرة فراشه هذا الصباح مهمة شاقة ككل الصباحات التي مضت، وما زاد الأمر صعوبة أنها أيقظته ربع ساعة قبل المعتاد حتى لا تتأخر عن عملها، وتتعرض لتوبيخ جديد.

حاولت إقناعه بتناول إفطاره، الا أنه ظل يدير وجهه يمينا ويسارا معلنا رفضه لكل الاغراءات التي تضعها أمامه.. حاولت معه بكل الطرق، لكنه كان عنيدا
فيما كانت تلاطفه وترجوه ليشرب على الأقل كأس الحليب، كانت عقارب الساعة تعاكسها أيضا وتجري بسرعة أكثر من سرعتها المعتادة..

في النهاية استسلمت، وغيرت ملابسه، و تأكدت من أن الحقيبة الصغيرة التي تعدها له قبل أن يستيقظ من نومه تحتوي على كل احتياجاته، كانت تعرف أنه لن يفطر، لذا وضعت فيها من قبل شطيرة خبز، ورضاعة حليب.. قبّلته وهي تضع له حزام الأمان في الكرسي الخلفي لسيارتها..كانت تفكر أنها أخيرا ستتعود ابتداء من اليوم على الوصول في الوقت المحدد الى العمل، ولن تسمع أي تلميحات، ولن يستدعيها رئيسها الى مكتبه ليعطيها محاضرة عن الانضباط واستياء الزملاء
تنفست الصعداء وهي تفكر أنها لن توضع في هذا الموقف بعد اليوم..

عندما وصلت الى المدرسة، كان طفلها أول الواصلين، لم يكن بالباب غير الحارس... فجأة ارتبكت كل حساباتها..

تاهت بين لحظة تقرر فيها ترك الصغير مع الحارس حتى تصل المربيات،  خصوصا أن عمي ادريس رجل وقور ويبدو أنه ثقة، كما أنها ستربح وقتا ثمينا للوصول الى عملها.. وبين لحظة وأخرى تنتابها فيها المخاوف، وتتذكر كل قصص اغتصاب الاطفال التي سمعتها خلال السنوات الماضية.. بين وجه رئيسها اللئيم، وملاحظاته المسمومة، وبين وجه طفلها الذي يرجوها ألا تتركه وحده هنا هذا الصباح... في عمق حيرتها، داهمتها دموع سخية، أوقفت محرك سيارتها، وحولت اتجاه المرآة، حتى لا ينتبه الصبي لدموعها..

ووقفت...

الرباط:10/09/1014