معرض بيروت للكتاب يتحدّى الأزمة وينشر فسحة ضوء وسط ظلام المدينة
انطلق أمس «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» متحدّياً الظروف السياسية المعقّدة التي حالت دون إقامته في موعده السنوي الثابت قبل أربعة شهور. كان لا بدّ لهذا المعرض الذي يُعدّ «عميد» معارض الكتب العربية من أن يحتفي بالذكرى الخمسين لتأسيسه ولو متأخراً. فهذه الذكرى ليست مجرد محطة في تاريخه، بل هي محطة في مسار بيروت التي ما برحت عاصمة الكتاب العربيّ مهما نافستها عواصم عربية أخرى. كان من الصعب أيضاً أن يمرّ عام من غير أن تشهد المدينة المحاصرة الآن و»المعلّقة» معرضها السنوي الذي لم تستطع الحروب المتوالية منذ العام 1975 أن تعطّله البتة. وكان هواة الكتاب يعبرون الحواجز وخطوط التماس خلال الحرب متوجهين الى الصالة الزجاجية في شارع الحمراء ليزوروا المعرض، ويقتنوا الكتب ويحصلوا على بعض التواقيع وأبرزها توقيع الشاعر نزار قباني الذي كان ينتحي كل سنة زاويته الخاصة في المعرض ويلتقي جمهوره.
عندما ارتأى النادي الثقافي العربي واتحاد الناشرين اللبنانيين الغاء المعرض الذي يقام عادة في كانون الأول (ديسمبر) بدا القرار أليماً ومدعاة لليأس. فالمعرض هو أحد «وجوه» بيروت المشرقة، وهو موعد لقائها السنوي مع الأدباء العرب والناشرين العرب والكتب على اختلاف هوياتها، ناهيك بالحركة الأدبية التي يحدثها المعرض طوال أيام. كان من الصعب إقامة المعرض في موعده السابق تبعاً للظروف السياسية والأمنية التي أحدثت حالاً من الشلل في قلب المدينة. وكانت الحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان في الصيف الفائت أصابت قطاع النشر اللبناني بخسائر جمّة لا سيما الدور الواقعة في الضاحية الجنوبية لبيروت.
وإن لم تتبدل الظروف الآن، سياسياً وأمنياً، فإن معرض الكتاب يبدو أشبه بفسحة ضوء وسط الظلام. انها فسحة الضوء التي تحتاج اليها بيروت الآن بشدة، ويحتاج اليها مثقفو بيروت ومواطنوها. فالمعرض سيؤكد حتماً خلال أيامه العشرة أن بيروت تستحيل محاصرتها و «مصادرتها» ثقافياً.
«معرض بيروت العربي والدوليّ للكتاب» بلغ عامه الخمسين. هذا المعرض الذي انطلق العام 1956 في قاعة «وست هول» في الجامعة الأميركية بعشرين داراً فقط هو حقاً «عميد» المعارض العربية، وقد سبق معرض القاهرة الأضخم عربياً بما يقارب عشر سنوات. وكان يستحق «يوبيله» الذهبي، أو عيده الخمسون، احتفالاً خاصاً يستعيد تاريخه المشرق، لكنها الظروف أيضاً حالت دون هذا الاحتفال الذي كان يخطط له النادي الثقافي العربي.
يبدو المعرض في دورته الراهنة، لبنانياً و»أهلياً» على خلاف صورته السابقة، عندما كان يعجّ بالأدباء العرب والزائرين العرب وبعض الناشرين الأجانب. حتى الندوات والأمسيات التي سيشهدها ذات طابع لبناني. ولولا أمسية الشاعر محمود درويش والتحية التي يوجهها المعرض الى الشاعر السوري الراحل محمّد الماغوط (مساء اليوم) لخلا المعرض من أي تظاهرة عربية، علماً أن الشاعر المصري حلمي سالم والشاعر المغربي حسن نجمي سيشاركان في أمسية شعرية في مناسبة صدور ديوانين لهما في بيروت.
وان غابت الوجوه العربية التي كانت تضيء ليالي المعرض فإن الكتب العربية الجديدة حاضرة بشدّة، وبعضها من خلال دور نشر لبنانية. أما الدور العربية فلا تتخطى خمس عشرة داراً من سورية ومصر والسعودية والكويت، وهذا عدد قليل جداً نظراً الى المشاركة العربية المعهودة سابقاً وحيال الدور اللبنانية التي تناهز مئة وخمساً وخمسين. أما المبادرة اللافتة فهي إفراد مساحة في المعرض للدور التي تضرّرت في الضاحية الجنوبية لبيروت في القصف الإسرائيلي، وستنتهز هذه الدور المناسبة لإبراز قضيتها، فهي لم تحظَ حتى الآن بأي مساعدة ولا بأي تعويض عن خسائرها الجسيمة. ويكرّم المعرض إحدى عشرة داراً لبنانية عريقة، دأبت على المشاركة فيه منذ تأسيسه.