الطَّوائف التَّوراتية المتهوِّدة

ندرة اليازجي قرأها 5
 

مقدمة:‏

لاأستطيع أن أتحدث في موضوع الصهيونية إلاَّ إذا كنت على يقين من معرفة حقيقة الصهيونية التي أجد أصولها في اليهودية عبر تطورها منذ تأسيسها حتى العصر الحديث.

وبالتالي، لا يمكنني أن أتعمق في فهم هذه القضية التي تؤرق كل من يسعى إلى معرفتها إلاّ بالعودة إلى الأصول التوراتية الأولى انطلاقاً من سفر التكوين والانتقال إلىسفر الخروج ومنه إلى ما ذُكر في العهد القديم، وإلى الفترة الزمنية التي وُجد فيها المسيح بين اليهود والإسرائيليين في فلسطين، وإلى حركة الإصلاح في القرن السابع عشر، وأخيراً إلى الصهيونية التي وجدت لها ملجأً وملاذاً في الطوائف التوراتية المتهودة في أوربا والولايات المتحدة. وفي هذا البيان الوجيز، والوجيز جداً، أسمحلنفسي أن أتحدث، بعمق ووضوح، لأعاين الحقيقة والواقع كما تجليّا في المراحل العديدة التي تسمح للدّارس أو للباحث بالانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى لكشف الغموضالقائم، وتزوّده بالقدرة على الرّبط والتأليف بينها لكي يتسنى لهذا الباحث أو الدارس رؤية الصورة بكاملها. ولما كان هذا الموضوع، أو هذه القضية الشائكة، تتطلّب الدقة وتقتضي التزوّد ببصيرة تنفذ إلى العمق، فإنني أرجو أن يكون التأمل في مضمون هذا البحث السبيل الوحيد المؤدي إلى فهم الموضوع الذي أسعى إلى توضيح مساره فيمقوّماته وصياغاته التوراتية والتلمودية.‏

سفرالتكوين:‏

تبدأقضية الشعب المختار، الذي هو المحور الأساسي الذي تستند إليه الصهيونية، في سفر التكوين من التوراة. فقد زعم كاتب أو كتبة التوراتية المعتمدون أن اليهود هم شعبالله المختار، وبرروا زعمهم ومعتقدهم هذا وهم يعتمدون المفهومين العنصريينالتاليين:‏

آ-     المفهوم الديني.

ب-    المفهوم العنصري والعرقي.

آ-    المفهوم الديني:‏

تنصالشريعة اليهودية التوراتية، كما تنص التفاسير التي اجتهد أحبار اليهود ورابّيوهمسواء في التوراة أو في التلمود، على وجود نوعين من تطور بني الإنسان:‏

آ-     تطور هابط من السماء، من الأعلى.‏

ب-    تطور صاعد من الأدنى، من الأرض أي من التراب.‏

لماكان آدم، الذي يتحدثون عنه ويجعلونه أباً خاصاً لهم، قد وُجد من دون أب بشري أو أم بشرية، أي أنه خلق من "الله"؟! مباشرة، وفق زعمهم، فإنه يمثل التطور الهابط منالسماء، من "الله"؟!. ولما كانوا يجسّدون زعمهم هذا في معتقد يشير إلى كونهم أبناءه أو شعبه، فإنهم، بالتالي يجسّدون معتقداً عنصرياً هو أنهم أبناء "الله" لأنهم وحدهم أبناء آدم الذي لم يولد من رجل وامرأة، إذن، فهم يخصّون أنفسهم بهذه العلاقة الحميمة ويحرمون الشعوب الأخرى منها. إنهم، كما يزعمون، أبناء التطور الهابط منالسماء، ويجهلون أن جميع الناس آدميون سواء بسواء.‏

إذ ماتساءلتَ عن موقف اليهود من الأمم، أجبتُ بما تتضمنّه التوراة وما يؤكد عليه التلمود: جميع الأمم والشعوب قاطبة هم نتاج تطور صاعد من العناصر المادية. إنهم أبناء الأرض والتراب، إنهم أبناء الناس وبنات الناس. وهكذا، يلبس جميع الناس أجساداً مجرّدة من الأرواح.‏

ب-  المفهوم العرقي والعنصري:‏

يبلغهذا المفهوم وضوحه في السؤال التالي: كيف تندمج الصهيونية مع اليهودية في التوراةوالتلمود؟..‏

يتصلهذا السؤال بسؤال آخر هو: ماذا تعني كلمة صهيون؟‏

تعنيهذه الكلمة جبل صهيون، جبل الرب الذي تجتمع فيه محافل الملائكة؟!..‏

يعتقداليهود أنه واجبهم يقضي بعبادة الرب على جبل صهيون. وهكذا، يعد جبل صهيون مقدساً منوجهة النظر اليهودية.

يعتقداليهود أن أورشليم، ابنة صهيون، هي المدينة الخاصة واللائقة بسكناهم، هي مدينة داودومقر الهيكل حيث عبدوا إلههم يهوه.‏

هكذا،تكون الصهيونية قائمة في العقيدة اليهودية-الهوية وماثلة فيها.

الصهيونية مصطلح ملازم لجبل صهيون، وماثل في أورشليم، ابنة صهيون، وقائم في بناء الهيكل وفي دعوة إلههم يهوه للعودة إليهم بعد اغترابهم.

الصهيونية تعبير قائم في عنصرية يهودية التوراة، وفي اعتبار كليهودي صهيونياً.

سفرالخروج:‏

يشير هذا السفر إلى خروج مزعوم لبني إسرائيل من مصر. ويتحدث هذا السفر عن "عبور" صحراءالتيه، أي المتاهة التي تعرّض لها أبناء إسرائيل أثناء "عبور" صحراء سيناء، وإذا ماتساءلتَ: كيف وُجد اليهود في الزمن الذي لم يكن في الصحراء شعب غير بني إسرائيل؟‏

توجدإجابة عن هذا التساؤل في سفر الخروج، فقد تحدث هذا السفر عن نهاية حياة النبي موسىبعد انحداره من الجبل وهو يحمل لوحي الناموس.‏

فيصحراء سيناء تشكلت اليهودية على يد مؤسسها سبط يهودا ابن إسرائيل أي يعقوب. لقداتفق سبط يهودا مع سبط لاوي أو مع سبط بنيامين، وشكّلا حلفاً جديداً سعى إلى بسط سيطرته على الأسباط الأخرى. وهكذا، يمكنني أن أستنتج، على نحو منطقي، نهايةالإسرائيلية الممثلة بالأسباط العشرة ونهاية عبادة الله، وبداية اليهودية وعبادة يهوه.. تلك هي اليهودية –اليهوية. وفي دخولهم المزعوم إلى فلسطين، انقسمت فلسطين إلى ثلاثة مناطق هي اليهودية حيث سكن اليهود-اليهويون، والسامرة والجليل حيث سكنالإسرائيليون.‏

لما كان اليهود يمثلون السبط العرقي والعنصري المتعصب من بني إسرائيل فقد سعى إلى تمييزذاته وعزل عرقيته عن الأسباط الأخرى في السامرة والجليل. وزعم اليهود أن الملوك والأنبياء يجب أن يكونوا يهوداً إذ لا يأتي صالح من الجليل أو السامرة؛ هذا وإن أهلالجليل يمثلون الأمم، تماماً كما يمثل أبناء السامرة الخارجين عن المفهوم اليهودي. وبالإضافة إلى ذلك، زعموا أن أورشليم، بقدر ما يجب أن تكون يهودية وتأبى أن تكونإسرائيلية بمفهومها الروحي، يجب أن تكون، بالقدر ذاته، يهودية وابنة صهيون. وهكذا،يجسّد سبط يهودا عصبية وعرقية إسرائيل وصهيونيتها. والحق إن هذا السبط اليهودي وضع نهاية لمفهوم الإسرائيلية الروحية.‏

هكذا، نشأت الصهيونية من اليهودية-اليهودية وليس من الإسرائيلية. لقد رفض اليهود، بزعامةسبط يهودا، المبادئ الروحية والإنسانية الماثلة في الإسرائيلية، وتمسكوا بعنصرية وعرقية "يهويتهم"، وأصبحوا أضداداً للأمم وأعداء لهم ولإخوتهم الإسرائيليين. هكذا، انتهت الإسرائيلية وبدأت اليهودية-الصهيونية.‏

يمكنني، وقد بلغتهذا المستوى من البحث، أن أنتقل إلى مرحلة متقدمةفي التاريخ اليهودي-اليهوي-الصهيوني وتبدأ هذه المرحلة في عام 36-37، أي بعد ثلاث سنوات أو أربع من نهاية حياة المسيح على الأرض، في هذه المرحلة تشكلت اللجنة اليهودية السرية التي هدفت إلى تحقيق أمرين:‏

آ-     استبعاد اليهود عن النطاق المسيحي وإقناعهم بعدم تبني مبادئالديانة الجديدة.‏

ب-    تحريض اليهود الذين تبنوا المسيحية أو الذين سيتبنونها، على ربطالإنجيل بالتوراة، وتقويض المسيحية من الداخل بحيث تكون مسيحية متهودة تأخذ بالأصول التوراتية، وتؤكد على حرفية التفسير والمعتقد بحسب الشريعة. وبالفعل، سعى المسيحيونمن أصل يهودي إلى تهويد المسيحيين، وحرفهم عن مبادئهم والحفاظ على شريعتهمالتوراتية.

تشيرهذه المرحلة إلى تغلغل اليهود في صفوف المسيحيين والسعي إلى إلحاق التوراة أو ما يُدعى بالعهد القديم بالإنجيل وضمّه إليه في كتاب واحد على نحو يبدو فيه الإنجيل إكمالاً أو إتماماً للتوراة والعهد القديم الذي لم يكتمل تجميعه إلاَّ بعد مئة عام من انتشار المسيحية. وفي هذه المؤامرة استطاع أحبار اليهود والمسيحيون من أصل يهودي، وهم يستوحون التوراة والتلمود، أن يقحموا في التوراة آيات كثيرة، كالنبوءاتوغيرها، هادفين إلى إحكام الوثاق بين الإنجيل والتوراة والعهد القديم. حدث هذاالإقحام بعد انقضاء مئة عام على نهاية حياة المسيح على الأرض على النحو الذي جُمعتفيه أسفار التوراة المعروفة في الوقت الحاضر. وقد توافق هذا التأريخ، أي مرور مئة عام على جمع التوراة على النحو الذي نراه في الوقت الحاضر، مع ظهور التلمود والتأكيد على التاريخ القومي اليهودي، هكذا، تم إقحام الآيات المُبتدعة على أيديالمتنصرين من اليهود.‏

أدىهذا الإقحام إلى نشوء صراع بين المسيحيين من أصل يهودي، وهم الذين سعوا إلى التوفيقبين التوراة والعهد القديم من جهة وبين الإنجيل، وبين المسيحيين المتحدّرين من أصل أممي، غير يهودي، عُرفوا بحكمتهم وعالمية مبادئهم على نحو لم يكن للتوراة أو العهد القديم علاقة بتراثهم الثقافي والحضاري والروحي، أو أنهم كانوا يتنكرون للعقيدةاليهودية ويرفضونها كونهم فلاسفة متحررين من عبودية الحرف وقيود الشريعة.‏

فيهذه المرحلة، هيمن الصراع العقائدي على المجتمع المسيحي الأول وظل خفياً؛ ولم يبلغ حد الظهور العلني على الرغم من اعتراف السلطة الكنسية بالتوراة؛ هذه التوراة أو العهد القديم الذي لم يكن يأخذ بحرفيته بل كانت تعتبره مجرد تاريخ قديم لشعب وُجد المسيح في وسطه. ولما كانت اللغة التي اعتمدتها السلطة الكنسية هي اللغة اللاتينية، التي كان العامّة من الناس يجهلونها تماماً، فإن الأمر يعني عدم قدرتهم على قراءةالعهد القديم والتوراة، وعلاوة على ذلك، لم تكن السلطة الكنسية تسمح لرعاياها، حتىولو كانوا يلمّون باللاتينية أو اليونانية، بالاطلاع على العهد القديم والتوراةإلاَّ بإشراف رجال الدين المسؤولين وحدهم عن تفسير مضامين العهد القديم والتوراة.‏

أنتقل الآن إلى مرحلة متقدمة أخرى في التاريخ الكنسي يوم ظهرت في الأفق بوادر تنم عن حركةإصلاحية، لقد عمد لوثر، بالإضافة إلى كالفن وزوينغلي وغيرهم، إلى إحداث في البنيةالكنسية.‏

فجعلوثر بسبب الدعم الذي قدمه له بعض الأمراء الألمان، في إعلان قواعد الإصلاح الذي دعا إليه. لكنه، مع ذلك، دعا لوثر وأنصاره إلى العودة إلى التوراة والعهد القديم،وبالفعل، قام لوثر بترجمة العهد القديم والتوراة إلى اللغة الألمانية المبسّطة. والحق يقال إن لوثر لم يهدف إلى توطيد سلطة التوراة بل سعى إلى تحقيق غاية تتمثل فيجذب اليهود إلى المسيحية، على نحو تكون هذه المسيحية معدّلة وتوفيقية. وبالفعل، تألم لوثر لأن غايته لم تتحقق. وتعاظم ألمه وهو يرى اليهود يستغلون حركته الإصلاحيةويحرفون غايته لتوطيد الحرْفية التوراتية.

أنتقلالآن إلى المرحلة التي ساد فيها التطرف التوراتي والصراع الذي حدث بين الطوائف التوراتية المتهوّدة وبين السلطات الكنسية الغربية.‏

فيهذه المرحلة، حدث ماكان متوقعاً، فقد هاجر عدد كبير من أنصار الطوائف التوراتية المتهودة، التي بدأت ترى في أوربا عالماً قديماً، إلى عالم جديد أملاً في تحقيقتجربتها الإصلاحية والنبوئية. وبالإضافة إلى هذه الهجرة أو الرحيل، الذي حدث فيبداية القرن السابع عشر وعُرف بالخروج، حدثت هجرة أخرى أو رحيل آخر أو خروج آخر شُبِّه بخروج بني إسرائيل من مصر والتيه في الصحراء، أثناء الحرب العالمية الثانيةوبعد انتهائها.‏

فيهذا العالم الجديد، انقسمت الطوائف التوراتية المتهودة إلى طوائف عديدة يحتمل أنتكون قد تجاوزت المئتين. وباستثناء الكنائس الإنجيلية والمشيخية واللوثرية وغيرها من الطوائف الراقية، وطَّدت الطوائف التوراتية المتهودة زعمها النبوئي الذي تمثل في تحقيق حلم التوراتيين في تأسيس عالم جديد تدعمه العناية الإلهية. لقد خرجت هذهالطوائف المتهودة عن مبادئ المسيحيية وعن مبادئ حركة الإصلاح، وقطعت علاقتها بهما على الرغم من ادعائها بالانتماء المسيحي.‏

أنتقلالآن إلى المرحلة الأخيرة التي نشاهد آثارها في الوقت الحاضر.‏

عمقّتالطوائف التوراتية المتهودة جذورها في العالم الجديد الذي أصبح يُدعى أمريكاالشمالية أي ما سيُعرف بالولايات الأمريكية المتحدة. وقد أخذت هذه الفئات، المتعددةالطوائف، بنظرية "العصمة التوراتية"، واستعاضت عن مملكة الله السماوية بمملكة الله الأرضية التي اعتُبرت الوعد أي العهد الذي قطعه الإله يهوه لليهود بحتمية تأسيس هذهالمملكة في القدس. وبناء على هذا العهد أو الوعد المزعوم، يتوجب على هذه الطوائفالتوراتية المتهودة مساعدة اليهود لتحقيق الخلاص للعالم عبر تأسيس هذه المملكة ... هذا الخلاص الذي يخصهم تماماً كما يخص اليهود. وهكذا، نقلت تلك الطوائف، التي تدّعي المسيحية في ظاهرها وتتبنّى التوراة، بمفهومها اليهودي في باطنها: الميدان الدينيإلى الميدان السياسي.‏

استطاعت تلك الطوائف التوراتية المتهودة أن تُسقط أحداث التوراة على الأحداث التي وقعت لهم بين "خروجهم" المزعوم من مصر و"دخولهم" المزعوم إلى أمريكا الشمالية ومغامراتهم في توطيد مملكتهم المؤقتة هناك، فقد اعتبر المهاجرون أوالمنفيّون الأوائل أمريكا بمثابة كنعان الجديدة أو بمثابة الأرض الموعودة، واعتقدتطائفة المورمون وطوائف أخرى، وهم يتوغلون إلى داخل أمريكا، بأن اجتيازهم للصحراء داخل هذه البلاد حدث يماثل التيه الذي تعرّض له بنو إسرائيل في صحراء سيناء، وهكذا،تبنّت هذه الطوائف نظرية أو عقيدة تشير إلى "بعث" اليهودية من جديد في فلسطين، الأمر الذي يعني تحقيق النبوءات التوراتية المقتحمة نتيجة للسعي الحثيث لإعادة اليهود إلى فلسطين، واتخذت منظمة "المجلس المسيحي"؟! لفلسطين، وهي منظمة يُشرف عليها التوراتيون المتهودون، شعاراً يرمز إلى شعار الأرض الموعودة والشعب المختار. وتتألف مجموعة منظمات الطوائف المتهودة 64 مليون تقريباً.‏

فيدراسة قام بها الباحث محمد السمّاك، وهو يتحدث عن مزاعم هذه المنظمات، نقرأ مايلي: "إن إرادة الله متمثلة بقيام إسرائيل. وإنقيام إسرائيل يؤكد توافر الشرط الأول من أجل العودة الثانية للمسيح والعودة الأولى للمسيح بحسب المفهوم اليهودي. لذا، تعد إسرائيل تجلياً إلهياً وتجسيداً لنعمته من أجل خلاص بني البشر"،

وفي موضع آخر من بحثه، نقرأ مايلي: "لا تنطبق القوانينالدولية على إسرائيل لأنها تختلف عن كل الكيانات السياسية الأخرى في العالم من حيث أن وجودها تجسيد لإرادة إلهية. لذا، لا ينطبق على إسرائيل إلا الإرادة الإلهية".

وفيموضع آخر، وقد اقتبسه الباحث من كتاب "النبوءة والسياسة"، نقرأ ما يلي:

"في كل مرة يجتمع مجلس الأمن القومي الأمريكي لاتخاذ قرار يتعلق بالشرق الأوسط يدعى شخص يمثلهذه المنظمة أو المنظمات، التي تجد في التوراة مزاعم خلاص للعالم، حتى يأتي القرار متوافقاً مع الإيمان بالنبوءات الدينية المقتحمة والواردة في التوراة كما تم تفسيرها وشرحها من قبل هذه المنظمات".‏

تلكهي أصولية الطوائف التوراتية المتهودة التي تؤمن بأن معركة هرمجّدون ستكون المعركةالفاصلة والنهائية لتحقيق النبوءات التوراتية المزعومة والمقحمة.‏

فيالكتاب الذي وضعه الباحث منير العكش، رئيس تحرير مجلة "جسور" في واشنطن، تحدثالمؤلف عن الأوربيين الإنكليز الذين هاجروا إلى أمريكا في بداية القرن السابع عشر، واعتبروا أنفسهم مهاجرين وحجّاجاً. وقد أسقطوا على أنفسهم روّاد قصة التوراة التي تحدثت عن خروج بني إسرائيل من مصر، أرض العبودية، وعبورهم لصحراء سيناء، صحراءالتيه إلى فلسطين، وأصبحوا يدعون بعد هذا الخروج والعبور، عبرانيين.‏

فيهذا المنظور المضلّل، يعتقد هؤلاء المهاجرون –الحجّاج أو الآباء الأوائل أنهم غادروا العالم القديم، أي أوربا-أرض العبودية، وتاهوا في البحر، أي صحراء سيناء، وبلغوا شاطئ الأمان، أي العالم الجديد أرض اللقاء، وعلى هذا الأساس، اعتبر أولئك المهاجرون –الحجاج أنفسهم عبرانيين بلغوا الأرض الموعودة التي سوف يؤسسون عليها مملكة إسرائيل، أي إسرائيل الجديدة أو الحديثة. وإذ بلغ أولئك المهاجرون –الحجاجشواطئ الأرض الجديدة الموعودة، شكروا "الله"؟!..على خلاصهم من أرض العبودية، أوربا،وجعلوا "عيد الشكر" رمزاً لذلك الخلاص. وقد أطلق المهاجرون –الحجاج، أو العبرانيون الجدد، الذين جدّدوا إسرائيل القديمة، أسماء المدن أو البلدات التوراتية على بعضالمدن أو البلدات التي أنشؤوها. وهكذا، نقلوا الإرث التاريخي التوراتي إلى العالمالجديد، وادعوا بأنهم يهيئون العالم لخلاص جديد. ولما كان المسيح قد ولد في بيت لحم –أورشليم، كما يزعمون، فإنهم، بالمثل، زعموا بأنهم سيكونون الطليعة الأولى لتحرير القدس لتكون مهيأة لاستقبال المجيء الثاني للمسيح، بحسب الزعم الذي تتبناه الطوائف التوراتية المتهودة والمجيء الأول الذي تبناه اليهود. وبهذا الزعم، التقى أولئك "المجيئيون" التوراتيون مع اليهود الذين يتهيؤون للاستقبال الأول لمسيحيهم في القدسبحسب الموعد المزعوم الذي قطعه إلههم يهوه لهم. وهكذا، تطابقت النظرة النبوئية التوراتية العبرانية القديمة مع النظرة النبوئية التوراتية العبرانية الجديدة. لقد استبدل "يهوه" شعبه الإسرائيلي القديم بشعب إسرائيل الجديدة، وأعني أنه استبدلشعباً بشعب وعهداً بعهد.‏

فيهذا المنظور، ندرك قضية التوسع وراء البحار وتأسيس امبراطورية عالمية، دعا إليها هرتزل في بروتوكولات حكماء صهيون وتحدث عنها كل من السيدين منير العكش، ومحمدالسماك في دراستهما لكتاب "النبوءة والسياسة"، انتهت أخيراً إلى مفهوم العولمة.‏

وفيهذا التوسع والتأسيس، يتصل الشرق مع الغرب وتسوده الحضارة الأنكلو –ساكسونية.

وهكذا، يعتقد أولئك العبرانيون الجدد، الذين يمثلون الشعب المختار الجديد، بأنالقدر قد حمّلهم بهذه المسؤولية للاختيار الإلهي لهم بحسب "العهد والوعد" التوراتي. وفي هذا السياق، رأوا رب إسرائيل "يهوه" بينهم، واطمأنوا إلى توطيد عهد جديد بينهموبينه.‏

وفي هذه اليقظة الكبرى المزعومة، توطد الاعتقاد ببداية التجديد الإلهي للإنسانية كلها، الأمر الذي يعني اضطلاع أبناء إسرائيل الجدد بهذه المهمة في العالم. وهكذا تكون إسرائيل القديمة والجديدة أمة مختارة، كما تكون أيضاً مملكة العالم في العالم الجديد... هذه المملكة التي تسعى إلى تحقيق مجالها الحيوي الذي يهيئ لها، كما تزعم، العمل على المستوى السياسي والاقتصادي والحضاري والثقافي والعلمي والخلاص في سبيلالحفاظ على بقائها.‏

الخلاصة:‏

فيخلاصة منطقية لازمة لما تقدم في هذا الموضوع، أستطيع أن أخلص إلى النتائج الثلاث التالية:‏

أولاً:   ليس ثمة مايدعوه بعضهم "الصهيونية المسيحية"، أو "المسيحيةالمتصهينة"، هذا، لأننا لا نجد في المسيحية، كما وردت في الإنجيل، أي ذكر لـ"صهيون"  أو لأورشليم بوصفها "ابنة صهيون"، والحق إن صهيون تسمية لجبل الرب، بحسب ما تذكر التوراة، ومماثل لجبل الأولمب الذي اعتبره اليونانيون مقراً للآلهة. وفي هذا السياق، تتأصل هذه الكلمة في العقيدة اليهودية وحدها. وعلى غير ذلك، تبنّت طوائف توراتية متهودة، وهي تدعي المسيحية في ظاهرها، التفسير الحرفي للتوراة، وبالتاي تهوّدت، ولم تعد مسيحية في جوهرها، وبالفعل، تسعى هذه الطوائف إلى تشويه المسيحيةوتدميرها.‏

ثانياً:   لما كنت قد تحدثت عن الفئات الطائفية التي تبنت حرفيةالتوراة، وبالتالي تهوّدت، فإنني أرى في هذا التبني والتهويد دعوة إلى التوراة ولقاءً مع اليهودية في نطاق التفسير الحرفي لمضمونها والإيمان الأعمى المطلق بكل ما انطوت عليه التوراة من عقائد ونبوءات مقحمة وغيرها فُسرت من قبل أحبار اليهود ومنقبل الطوائف التوراتية المتهودة على نحو يخدم القضية اليهودية –الصهيونية التي تعُدُّكل يهودي صهيونياً. وليس الاعتقاد بصهيونية هذه الطوائف المتهودة إلاَّ نتيجةلتطابق وتساوق تفسيري لمعتقد يصب في التفسير الحرفي للتوراة. وهكذا، أصبحت تلكالطوائف التوراتية المتهودة أداة في أيدي قادة اليهودية –الصهيونية التي تثيرها وتحرضها على العمل لصالحها. ومن جانبي، واستبعاداً لسوء الفهم، أستثني الطوائفالإنجيلية والمشيخية واللوثرية وغيرها من هذا التهويد.‏

ثالثاً: لا نستطيع أن نعترف بمسيحية الطوائف التوراتية المتهودة، وذلك لأنها تقف من المسيحية موقف العداء وترفض الاعتراف بالمبادئ المسيحية الرئيسة. فالمسيح، في زعمهم، لم يعد، والسبت هو اليوم المقدس، ومريم العذراء مجرد امرأةعادية ويهوه هو الإله العنصري الذي استبدلته اليهودية في الصحراء بالإله الحقيقي.‏

هكذا، تسعى هذه الطوائف التوراتية المتهودة إلى تشويه المسيحية وتدميرها أولاً، والأديان الأخرى، وعلى رأسها الإسلام ثانياً، وتبذل قصارى جهدها في سعيها المثابر لتهديمالمبادئ الإنسانية والأخلاقية وإفساد المجتمعات البشرية والتحكّم بمصائر الشعوب وإحداث الخلل في توازنها أو في مفهومها الحضاري ثالثاً، وتعميق الخلافات والفتنوأنواع الصراع بين المسيحيين والمسلمين رابعاً.

الأسبوع الأدبي