فقير يعلم طفله الشطرنج
من العادة أن تكون لدى كل فقير هواجس البحث عن المأوى أو لقمة تسدّ رمقه، وبالتالي فإن كل ما يتعلّمه في الحياة أو يحاول أن يتقنه هو كيفية توفير لقمة العيش والكفاف، وبالتالي الابتعاد عن نغزات الجوع وآلام الفاقة. لكن قصّةً وجدتُها على شبكة الإنترنت وسبق لصحيفة "الشرق الأوسط" نشرُها، تحكي عن رجل معدم تماماً، بمعنى أنه تحت خط الفقر، أخذ على عاتقه وهو وسْط موجٍ متلاطم من الحاجة أن يعلّم طفله لعبة الشطرنج، وهي لعبة كما هو معروف نخبويّة، بمعنى أنها تعتبر لعبة الفرسان والنوابغ، وببساطة متناهية هي لعبةٌ لمن عقله متفرِّغٌ ولا شيءَ يشغلُه، وليست لبائس لا يجد طعامه.
الغريب بحق أن النّهم والعشق لهذه اللعبة هما اللذان انتشلا هذا الأب وطفله من براثن التشرّد والفقر، فقد ظهر أن الطفل الصغير نابغة وذكي وذو مهارة كبيرة في هذه اللعبة، لدرجة فوزه بالبطولة الوطنية في فرنسا وتأهُّله لتمثيل فرنسا في بطولة الشطرنج الأوروبية، ولكن الأب كان يعيش في فرنسا بطريقة غير نظامية، لذا تضامن معه محبُّو هذه اللعبة، وعملوا على نقل معاناة الأب وطفله لوسائل الإعلام الفرنسية التي طارت بالقصة، فاهتمَّ بها المسؤولون، وتم منح الطفل وأبيه إقامة وتوفير عمل للأب، هذا جميعه من أجل أن يتمكن الطفل الصغير من تمثيل فرنسا في بطولة الشطرنج الأوروبية.
غني عن القول إن حياتهم انتقلت مئة وثمانين درجة من التشرُّد والنوم في الخيام إلى مسكن مريح وغرف واسعة، ومن البرودة في شوارع باريس إلى الدفء، ومن الجوع والعطش والملابس الرثّة إلى الطعام والملابس الجميلة، ومن الوحدة والتنقُّل إلى الأسرة والأصدقاء والاستقرار. هذا الطفل يدعى "فهيم علّام"، وهو من بنغلاديش، واسم أبيه نور. بقي أن نسأل هل كان الأب نور وهو يعلّم صغيره فنون هذه اللعبة يعلم أنه على يديه وبسبب هذه اللعبة ستنتقل حياتهم وتتغيّر وتتبدّل للأفضل؟ الإجابة: لا، بل كان من سيشاهد هذا الفقير المعدم وهو يقضي الساعات مع صغيره وهما يلعبان الشطرنج سيقول بدلاً من تضييع الوقت اذهب للبحث عن طعام لك ولهذا الطفل البائس.
نحن بحاجة دوماً أن نولي هواياتنا ورغباتنا العناية والاهتمام لأنهما قد تكونان الطوق الذي سيمدنا يوماً بالنجاح والتفوق، لا نحطم رغباتنا الدفينة، ولا نقضي على حبنا للعب وممارسة الذي نحبه مهما كانت الظروف والصعاب، وأيضاً مهما كبرنا وتقدمنا في السن.
