في حوار مع الشاعر الديبلوماسي د. عبد العزيز الخوجة: "بيروت قلب العالم ومركز الكون"

أجرى الحوار عبَّاس ثائر قرأها 6
  

"أعيش في العاصمة اللبنانية تجربة فريدة أدبياً وفنياً و... سياسياً"

لعل أهم ما يميز سفير المملكة العربية السعودية في بيروت الدكتور عبد العزيز خوجة هو التواضع (غير المقصود) الذي يتحلى به هذا الرجل الذي عمل سفيراً لخادم الحرمين الشريفين في أربع دول حتى الآن، كانت فترة عمله فيها حافلة بالاحداث الجسام، فهو راقب الحرب العراقية - الايرانية، وغزو العراق للكويت من تركيا القريبة وشهد من موسكو التي كان اول سفراء المملكة فيها، سقوط الخطر الشيوعي وتفكك المارد السوفياتي، وعاصر فترة التحولات في المغرب بعد الملك الحسن الثاني وحضر في بيروت أهم التحولات الدراماتيكية وأكثرها حزناً ... وهو يقضي ايامه الآن محاولاً التوفيق بين القيادات اللبنانية دون ان ييأس مما يصفه كثيرون بأنه قد يكون مهمة مستحيلة. يصف عبد العزيز خوجة نفسه بأنه (محظوظ جداً) كونه عاصر احداثاً مهمة، وانه غرف (قطرة من كل بحر) أثرت مخزونه الثقافي ... وهو كان يحرص خلال تمثيله المملكة العربية السعودية ان ينغمس في مجتمعات الدول التي يعمل فيها ويعيش عبق تاريخها. وينهل من مخزونها الثقافي والتاريخي... وكان صالونه الثقافي مقصداً...

بهذه الكلمات قدمت مجلة (الرجل) في العدد الاخير (آذار/مارس 2007) الحديث الشيّق الذي اجراه الزميل ثائر عباس في منزل (السفير الممتاز) - على حد تعبيره - في بيروت، واستهله بالآتي:

"أنا رجل بسيط جداً، ولدت ونشأت في مكة المكرمة. وبعد تخرجي في المدرسة التحقت بجامعة الملك سعود وتخرجت فيها حاملاً إجازة في الكيمياء والجيولوجيا، لأصبح بعدها معيداً في كلية التربية في مكة المكرمة وانبعثت بعدها الى بريطانيا فأكملت دراستي في جامعة برمنغهام وحصلت على الماجستير ثم الدكتوراه من هذه الجامعة في الكيمياء العضوية. وعدت مرة اخرى الى مكة وقمت بالتدريس في كلية التربية ثم أصبحت عميداً لهذه الكلية، بالاضافة الى اني كنت في الوقت نفسه مشرفاً على الجامعة، وهي فرع لجامعة الملك سعود في مكة. وفجأة سمعت بتعييني وكيلاً لوزارة الاعلام، وكانت هذه نقلة كبيرة لي من سلك اكاديمي بحت الى عالم آخر جديد هو الاعلام بما فيه من حركة وضجيج وأخبار دائمة التغيير، فشعرت ان العالم كله أمامي، وشعرت بالحركة الحقيقية والدؤوبة ... تلفزيون، إذاعة وصحافة. تعرفت الى كل مراسلي صحف العالم وأخبارهم. وكانت في الحقيقة تجربة رائعة اكتشفت فيها زوايا اخرى من هذا العالم وفتحت فيها نوافذ جديدة أطل بها على العالم برؤية مختلفة. الاعلام في المملكة في ذلك الوقت كان قوياً جداً. وكانت مرحلة تأسيسية، وكانت هناك مجموعة من الشباب المميزين، وكانت تجربة تعلمت منها الكثير. وزارة الاعلام علمتني اتخاذ القرار بسرعة. ففي كثير من الاحيان كنا نحتاج الى قرار فوري لاذاعة خبر ما او التعاطي مع خبر ما. هذه التجربة دعمت بناء شخصيتي وتجربتي في الحياة وعرفتني الى الكثير من الشخصيات المهمة داخل المملكة وخارجها. وتعرفت خلالها ايضاً الى عدد من المسؤولين الكبار في المملكة بحكم عملي. وفي مرحلة من المراحل اشتقت الى الجامعة والتدريس ووافق خادم الحرمين الشرفين آنذاك الملك فهد - يرحمه الله - على ان انتقل الى الجامعة كأستاذ للكيمياء وكنت سعيداً جداً بهذه العودة. وقلت لنفسي اني لن اعمل في السياسة ولن تكون لي صلة بالاعلام وسأتفرغ للتدريس وللعلم. وقد تفرغت بالفعل مع طلابي، ووضعت كتاباً في الكيمياء حول (ميكانيكية التفاعل) ونشرت بعض الابحاث العلمية. وفجأة، في السنة الثانية، تلقيت اتصالاً من وكيل وزارة الخارجية في ذلك الوقت معالي الشيخ عبد الرحمن منصور سألني خلاله (هل تتكلم التركية?) فسألته بدوري: (لماذا?) فأجاب: هناك توجيه من المقام السامي بذهابك الى تركيا سفيراً للمملكة. انا لم اكن لأفكر بأن اكون سفيراً على الاطلاق. ولم اكن افكر في مغادرة المملكة اساساً، فأنا استقررت في جدة وتأقلمت مع وضعي كأستاذ في الجامعة ومع هذا وافقت دون تردد وقلت له: (أهلاً وسهلاً) وبدأت تجربتي الديبلوماسية في تركيا. وكانت هذه البلاد مدرسة بالفعل بسبب وضعها الجغرافي المميز وارتباطها بالعالمين العربي والاسلامي، وكونها عضواً في حلف شمال الاطلسي، وكانت درعاً منيعاً ضد الشيوعية في ذلك الوقت. وفي ذلك الوقت كانت حرب الخليج الاولى بين العراق وايران تدور على مقربة من تركيا، ثم أتت حرب الخليج الثانية وغزو الكويت. كانت تجربة قاسية، لكنها ايضاً فرصة ان أتعلم الكثير.

انغمست في العمل الديبلوماسي، وأصبحت اكثر إدراكاً لمسار اللعبة السياسية، وقد ساعدتني تجربتي الإعلامية على ان أسير بخطى ثابتة.

وبعد ستة أعوام جميلة ومفيدة في تركيا، انتقلت الى موسكو كأول سفير سعودي، بعدما ابلغني الامير سعود الفيصل بهذا التكليف والذي سعدت به كثيراً. وكان هذا قبيل انهيار الاتحاد السوفياتي بقليل وكانت موسكو - ولا تزال - من العواصم الكبرى. ففرحت جداً بهذا الاختيار وفخرت بأن اكون اول سعودي يدخل اليها سفيراً ويخوض تجربة انشاء علاقة من الصفر مع دولة كبيرة. كانت موسكو محطة مهمة جداً. وكانت مدرسة اخرى للديبلوماسية وكمركز سياسي، واطللت مرة اخرى على عالم رحب وجديد وتعلمت فيها المزيد عن الديبلوماسية والسياسة وتفتحت أمامي الكثير من الآفاق الثقافية والفنية ايضاً بحكم المركز الكبير لموسكو كعاصمة ثقافية تاريخية كبيرة جداً، فهي خرّجت الكثير من الكتاب والشعراء والقصصيين والفلاسفة والموسيقيين. كانت عالماً ثرياً بالمعرفة وبكل أنواع العطاء الانساني.
انغمست في هذا العالم وانغمس هذا العالم بي. كان هناك تفاعل جميل بيني وبين هذا العالم الممتع. وجبت في آفاق هذا البلد وعشت مع كل كتابه وعظمائه. وشعرت فعلاً ان وجودي في تلك البلاد كان اضافة مهمة جداً.

ماذا شعرت حين انهار الاتحاد السوفياتي، هذا النظام الذي كان بمثابة العدو للعالم الاسلامي بما يحمله من مفاهيم?

- كانت تجربة فريدة من نوعها، فقد رأينا هذا العالم قد تغير فجأة وانهار كالحلم تماماً. شعرنا باندهاش خصوصاً ان انهياره لم يتزامن مع كوارث مستمرة او حروب، ترتب الأمر بصورة الهية فيها شيء من المعجزة. حدثت بعض المعاناة الاقتصادية نتيجة التغيير بالاضافة الى التأثيرات الاجتماعية والسياسية. لكن البلاد استوعبت الامر بصورة قياسية. وروسيا بدأت الآن تستعيد مركزها.


مزيج من الجمال والسحر والسياسة .. ثم حلقت الى الرباط?

- فجأة انتقلت الى الرباط، الى عالم مختلف تماماً، لكنه زاخر بالتاريخ وبالغموض والسجال. يتأثر بالاندلس وتاريخه العربي من ناحية. والعربي الامازيغي والغربي والاسلامي. مزيج من الجمال والسحر والسياسة. تجربة المغرب كانت حميمية بالنسبة لي. فالمغرب بلد عربي اسلامي يتأثر ايضاً بالامتداد الفرنسي وفيه شعرت اني قريب من كل ابنائه، وهم بادلوني الشعور. وفتحت لي الابواب، فتعلمت مرة اخرى. سواء ايام الملك الحسن حينما تشرفت وقدمت اوراق اعتمادي كسفير لخادم الحرمين الشريفين. وايضاً حينما انتقل الى رحمة الله. وأتى الملك محمد السادس. الملك الحسن كان فريداً من نوعه بثقافته وغزارة علمه، وكرجل سياسي من الطراز الرفيع وعلاقته الحميمة الشخصية مع الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله والملك عبد الله وولي العهد الامير سلطان. فالعلاقة التي تربط العائلتين الملكيتين متميزة ولها جذورها وخصوصيتها. وهذا ساعدني كثيراً في تحركي وعملي. فكان لي وضعي الخاص. بقيت في المغرب نحو 7 سنوات ونصف السنة واستفدت من مزيج الثقافات والتاريخ حيث لكل مدينة ولكل مكان سحره وطابعه وميزاته.

بعدها تشرفت بأن أكون سفيراً لخادم الحرمين الشريفين في بيروت. وانا اعتقد ان لبنان مدرسة متميزة في حد ذاتها في فصولها السياسية المتغيرة ذات الزخم العالي والمتغيرة دائماً في فصولها الثقافية والادبية والفكرية. والتي تتجلى فيها الحرية والديمقراطية وهي في الوقت نفسه مدرسة صعبة جداً يجب ان يكون الداخل اليها متفتح الذهن طوال الوقت والا فانه لن يستطيع ان يتابع وسيرسب في الامتحان.

بيروت فسيفساء فريدة .. ما الذي يميز مدينة بيروت بنظرك?

- بيروت تشعر انها قلب العالم كله. وكأنها مركز الكون، تتحرك بسرعة وتتفاعل مع كل ما يدور في العالم ومع محيطها وبالعوامل الاقليمية تؤثر وتتأثر. وفي المقابل، فان العمل فيها متعة يستغرق فيه الانسان طوال الوقت. فخلال ما يقارب الثلاث سنوات التي قضيتها في بيروت حتى الآن. كانت مليئة بالحركة والاحداث المؤلمة والمحزنة والمتحركة. والعامل في السلك الديبلوماسي فيها يتعلم الكثير. وادعو الله سبحانه وتعالى ان يسبغ على ابناء هذه البلاد نعمة الوحدة والاتفاق، وان تعود اللحمة الى ابنائه مرة اخرى لكي تستطيع بيروت ان تأخذ مركزها الطبيعي في المجال الاقتصادي والانساني والسياحي والانمائي. هناك طفرة كبيرة جداً في دول الجوار. خصوصاً في الخليج العربي. ونحن في المملكة العربية السعودية مع جيراننا في مجلس التعاون نتمنى ان تكون استثماراتنا في لبنان لانه بلد عربي وهو اولى بالاستفادة من هذه الاستثمارات. لبنان يمكن ان يكون اكثر مما كانت عليه هونغ كونغ. وان يستفيد من جيرانه ومن كل دول العالم لان فيه كل مقومات البلد الناجح سواء بالنسبة للطبيعة او للانسان او للموقع الجغرافي. لبنان يمثل الجانب الحضاري الحقيقي في العالم العربي الذي يحتاج لبنان. حتى بهذه الفسيفساء الفريدة - التي يتشكل منها. بكل طوائفه ومذاهبه. وبكل ما تمثل من تاريخ متميز لهذا البلد ومن ثقافته التي هي مزيج من الحضارتين الاسلامية والمسيحية من التاريخ الزاخر.

نحن نتمنى ان يستغل لبنان وضعه الانساني المتميز ليكون رسالة للعالم حول التعايش رغم كل الاختلافات. في صالون ثقافي واحد في بيروت تجد كل التنوع. وانا هنا اكمل تعليمي في هذه المدرسة الفريدة.

شاهدناك (تركض) بين القيادات اللبنانية سعياً الى تقريب وجهات النظر بينها وحل الخلافات القائمة، ألم تشعر - ولو لمرة - باليأس او بالتعب?


- كلا أبداً، انا أشعر بمتعة في حركتي في لبنان، لاني كوّنت صداقات عديدة واستطيع ان اقول - والحمد لله اني على مسافة واحدة من الجميع وكوّنت صداقة وأخوّة مع الجميع.


ماذا عن العائلة?


- لقد رافقتني طوال هذه الرحلة زوجتي أم اولادي. اما الأولاد فقد شاركوني في رحلتي بعد التعليم. فحينما كنت ادرس في بريطانيا كانت زوجتي معي وقد رزقنا بأولادنا بعد عودتنا من الدراسة في لندن، فأنجبنا ابنتين وابنا. والحمد لله ابنتي الكبرى متزوجة وسعيدة، ومعي الآن ابنتي الصغرى التي تخرجت من كلية العلوم السياسية في الجامعة الاميركية في القاهرة. وولدي على وشك التخرج من الجامعة اللبنانية - الاميركية في بيروت ومعه زوجته تدرس ايضاً، وقد رزقت بحفيدة جميلة اضيفت الى 3 أحفاد آخرين رزقت بهم ابنتي الكبرى وهما حفيدان وحفيدة. وانا سعيد جداً بأسرتي وبصداقاتي وأخوتي.


أيُّ الأماكن تركت أثراً أكبر لديك?


- كل بلد كان كتاباً حياً، أحياناً كنت أدخل فيه كأني أحد ابطاله، وكل بلد له ميزته الخاصة سواء الاجتماعية او الجغرافية او السياسية او التاريخية او الثقافية، وفي كل بلد عملت فيه، وجدت نفسي في احد هذه الجوانب، وربما من حظي ان كل بلد من البلدان التي كنت فيها. كان لي ارتباط معه. تركيا مثلا، يجمعنا معها تاريخ كبير يمتد الى مئات السنين، وهناك تجد اثارا لهذه الصلات، وفي روسيا عشت في الادب الروسي الذي كنت اقرأ عنه ايام كنت طالبا، وكنت أستنشق شذى هؤلاء العباقرة كلهم وكأنهم يعيشون معي.

وهكذا كنت أشعر في كل بلد أزوره انه اعطاني جزءاً منه واني اعطيته جزءاً مني. في المقابل. فهناك التفاعل الانساني الذي يلعب دوره. ولحسن حظي اني وجدت مع كل هذه العواصم التي زرتها وشرفني خادم الحرمين الشريفين ان أكون سفيراً له فيها تجارب فريدة، فبالاضافة الى التجربة السياسية والديبلوماسية، كان للجانب الانساني والثقافي دوره الكبير. وفي كل عاصمة كانت لي تجربة في الكتابة، الفضاء الشعري والثقافي لكل بلد يؤثر، فيحس المرء وكأن ارواح هؤلاء العباقرة موجودة حولك وتشعر بانتاجهم، وهذا الجو يساعد اكثر. فقد كتبت في كل عاصمة من العواصم وما زلت. والآن انا في بيروت أعيش تجربة فريدة، فهذه مدينة صاخبة زاخرة بكل شيء، ليس فقط في السياسة. فاذا اردت سياسة فهي تملأ وقتك كله بالسياسة، واذا أردت الأدب او الشعر او الفن أو أي نوع من أنواع المعرفة تجدها في بيروت تملأ وقتك بالكامل.


في كل عاصمة حللتَ فيها، شهدت على احداث كبيرة وتغييرات، كيف كنت تراها?


- أنا انظر اليها من منظارين، وربما أي سفير يشاركني في هذا الموضوع، المنظار المهني البحت، قد اكون محظوظاً حيث شاهدت هذه التجارب عن قرب، وهي أحداث لن ينساها التاريخ. فمن الناحية المهنية أشعر انها اضافة بالنسبة لي ان اكون فيها وأشارك في الكتابة عنها واتفاعل معها بصورة او بأخرى. واضافة الى الجانب المهني، هناك الجانب الانساني والعاطفي، كما حدث في لبنان الذي تجمعه بالمملكة علاقة مميزة ما يجعل من الأحداث التي تجري فيه لتحمل طابعاً خاصاً. ومن ابرز ما حصل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والشهيد الحريري بالنسبة الينا كان يشكل أهمية كبيرة كعلاقة انسانية حميمة جداً. وتأثرنا باغتياله كان مضاعفاً بسبب علاقتنا بلبنان واهتمامنا به، والعلاقة الخاصة التي جمعتنا بالشهيد. وأنا تأثرت عاطفياً بالاضافة الى تأثري السياسي بالعلاقة التاريخية بينه وبين المملكة.
الحياة الديبلوماسية وضريبتها


ماذا اعطت لك الحياة الديبلوماسية المليئة بالترحال والبعد عن الوطن، وماذا أخذتَ منك?


- الحياة الديبلوماسية علمتني الكثير، وترحالي فتح أمامي أبوابا كثيرة من المعرفة. اقترابي من هذه الشعوب واختلاطي بها انسانيا واجتماعيا وثقافيا اضاف الى تجربتي الانسانية الكثير، حتى أسرتي وأولادي، استفادوا منها، فهم تعلموا وعايشوا ثقافات واصبحت الرؤية لديهم أوضح لكثير من الأمور. واعتبر نفسي محظوظاً. في المقابل كان هناك البعد عن الوطن والأهل والاقارب والاصدقاء، وهذه هي الضريبة الكبيرة التي ندفعها كديبلوماسيين، أترجم هذا الحزن أحياناً في قصائدي حنينا. وربما هذا الحنين الدائم يجعلنا نشعر بقيمة وطننا أكثر، وكلما اختلج هذا الحنين في صدورنا نشعر بفخر اننا أبناء هذه المملكة.


ماذا شعرتَ عندما كرَّمك خادم الحرمين بترفيعك الى الرتبة الممتازة?


- يكفي ان خادم الحرمين الشريفين فكر بان يكرمني بهذه المرتبة. هذا يعني لي الشيء الكثير، وأشعر بالفخر لاني كرمت من قبله.


انا أعتبر اني مهما فعلت في خدمة بلدي في الخارج، فانا مجرد جندي يحاول ان يؤدي خدمته بأحسن ما يمكن.


ما هي الصفات التي يجب ان تجتمع في الديبلوماسي ليكون ناجحاً?


- انا اعتقد انه يفترض ان يكون واعياً تماماً ومدركاً بالكامل لسياسة بلده، وقبل ان يعرف اي شيء عن الخارج ان يعرف كل شيء عن الداخل. وان يكون مدركاً لتوجهات بلده وأولوياتها. والديبلوماسي الناجح يجب ان يكون على درجة كبيرة من المعرفة والثقافة والصبر وحسن الخلق. وان يكون بشوشاً ليعطي الصورة الحقيقية للبلد الذي يمثله. ويجب أن يكون على صلات كبيرة بالمجتمع الذي يعمل فيه. واذا كانت هناك تعددية في البلد -كما هي حال لبنان- فيجب أن يكون على مسافة واحدة من الجميع. ومن أهم التعليمات التي نتلقاها كسفراء للمملكة، ان هناك خطاً أحمر بالنسبة للتدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد آخر. وان نكون على حذر كبير جداً في تعاملنا مع القضايا الداخلية، لكي لا يشعر المسؤولون في اي بلد اننا ربما تجاوزنا حدنا بصورة او بأخرى.


كونت صداقات في كل بلد عملتَ فيه، هل ما زلتَ تحافظ عليها?


- طبعاً، وانا على تواصل مع أصدقائي الذين كنت معهم في الجامعة في بريطانيا والكثير من الاصدقاء. الذين التقيتهم خلال سنوات عملي في المملكة وخلال عملي سفيراً لها. من فضل الله عليّ إني استطيع ان أتواصل مع الناس وهذا يعطيني مجالاً أرحب.


درّست في الجامعة وعملت في الإعلام والديبلوماسية، وانت شاعر ايضاً فالى أي من هذه المجالات تحب ان تتقاعد?


- الشيء الذي يتبقى لي هو الشعر. في الجامعة لن يقبلوا بأن استمر في التدريس بعد سن معينة.


ما زلتَ تشعر بالحنين الى الجامعة?


- بالتأكيد، الكيمياء ليست مادة جافة. بالنسبة الي هي مادة حيوية ومتحركة وجميلة. وأنا أحبها كثيراً. وهي ستبقى لي كهواية اقرأ عنها وعن الجديد فيها، والى اين وصلت آخر الابحاث.


تتابع كل جديد الآن?


- نعم، ما زلتُ أتابع فهذا تخصصي.


ما هي مشاريع التقاعد اذاً?


- ان أعود الى مكتبتي. فالشعر ومسيرتي الشعرية جزء مني وستبقى معي. هو شيء أنا أضعه وأكتبه، جزء خاص بي سواء كان جيداً او غير ذلك. انا الشاعر عبد العزيز خوجة. كتبت هذه القصيدة واشعر بها. اتذكّر متى كتبتها سواء قبل 10 سنوات او 20 سنة او الآن. هي أصبحت جزءاً من حياتي وجزءاً من عائلتي. كل كلمة وكل حرف احترقتُ فيه. اذكر مناسبته وكيف دمعت عيناي من اجل هذه القصيدة. وكيف فرحت بها وكيف خفق فؤادي من أجل هذا البيت، وكيف سهرت من أجل هذه القصيدة وكيف عانيت لأبدأ بالمطلع. كأنك ترى أحد افراد عائلتك يدخل على مكتبك أو غرفتك فجأة ويعانقك وتعانقه، وتتذكره كيف كان صغيراً وكبر.


أي الالقاب احب اليك، الدكتور ام سعادة السفير ام الشاعر?


- بصراحة انا لا أحب الألقاب. لا أقصد التواضع، لكن يكفيني ان ينادي أحد باسمي او بـ(ابو محمد) او (ابو هبة)، فهذا أحلى ما يمكن ان يناديني به انسان. اذا سمعت كلمة (عبد العزيز) من الملك او الامير سعود الفيصل فهي في اذني أحلى من أية معزوفة موسيقية عندما يناديك احد المقربين اليك، فسيناديك باسمك الطبيعي حتى لو كنت تمتلك ألقاب الدنيا... مرة جديدة اقول اني لا أقصد التواضع، لكن اسم عبد العزيز هو المفضل.


لكن ما هي الصفة الأقرب الى قلبك منها?


- الشاعر طبعاً، لانه جزء من شخصيتي وتركيبتي. الشاعر وحاجته الى الكيمياء.


الديبلوماسي ام الشاعر .. أين بدأت تحس بالشعر?


- من يوم الولادة، منذ اللحظة الاولى يشعر الانسان بانه شاعر. هذه موهبة يخلقها الله سبحانه وتعالى ويكتشفها الانسان في داخله. يكتشفها فجأة. تماماً كما يفتح عينيه فيجد السماء والنجوم والكواكب ويعيش لحظات الإندهاش المتكررة. هذه اللحظات تأتي للفنان الشاعر ويكتشف من خلالها علاقة خاصة بالكون. يكتشف بعدها الحرف، وحينما يكتشف هذا الحرف يكون قد اكتشف الكنز الكبير المكنون الذي اودعه الخالق في هذا الحرف. فلكل حرف طلاسمه واسراره وكنوزه ومفاتيحه من الالف الى الياء. وهذه رحلة طويلة جداً، كيف تفتح هذه الكنوز وكيف يلهمك الله ان تفتح هذه الخزائن الكبيرة على هذا الملكوت الكبير المدهش المليء بالمفاجآت الكبيرة والمتتالية التي ليس لها حصر وليس لها حد ولا بعد. فكما تقول الآية الكريمة (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي). فيشعر الانسان بانه سيغيب عن الوعي من وقع هذه الكلمات الكبيرة، كأنه طائر نورس يطير فوق محيط كبير جداً ويغرف من هذا المحيط، فلا ينقص، ويستمر هو في الطيران الى اجل، ويستمر البحر كما هو.


ولدت شاعراً، لكنك اخترت دراسة الكيمياء، فما هي العلاقة بين كيمياء البشر وكيمياء المادة?


- كلها مترابطة، نحن نقول عن شخصين متفاهمين ومتحابين (هناك كيمياء بينهما). هناك عناصر موجودة في كل انسان، وهذه العناصر قد تتجاذب مع العناصر الاخرى او تتنافر، هذا ما اختاره ربنا. قد يكون العنصران ممتازين، لكنهما لا يتفاهمان. ولحصول الحب لا بد من وجود كيمياء خاصة. وهذه تلعب دورها بين الناس، بين الرئيس والمرؤوس والصديق وصديقه... هذه حكمة من عند الله. الكيمياء علمتني الصبر والتفاهم مع الناس. وجعلتني اكثر واقعية في تعاملي مع الناس. الكيمياء هي الحياة والوجود، وفتحت آفاقي. فأي نوع من انواع المعرفة يساعد الانسان في عمله وفي توسيع آفاقه ولا يمكن للانسان ان يكون شاعراً من دون معرفة، وليس فقط معرفة اللغة والادب. ان سر عظمة المتنبي كانت ثقافته التي لا حدود لها، ولهذا اصبح شعره حكماً، وهو يصلح لكل زمان ومكان.

قد اكون محظوظاً اني نهلت قطرة من كل بحر، من حياة الترحال وحياتي الديبلوماسية وعملي، ومن دراستي. الانسان يحاول ان يستفيد من هذا الكون الذي هو جزء منه ويجب ان يسعى لمعرفته، حتى يصل الى مرحلة يشعر فيها ان هذا الكون يتجاوب معه ويتعاطف معه. فاذا شعر بالغرابة فيه، فالكون ايضاً سيشعر بالإستغراب. الانسان جزء من هذه الارض، من التراب الذي سيعود اليه. فرغم صغر الارض مقارنة بالكون، وانها مجرد ذرة مقارنة به، الا انها ترتبط به ارتباطاً وثيقاً وتتأثر به.


بماذا ترتبط زيارة القصيدة لك?


- يجب ان يكون الشاعر مستعداً للقصيدة حينما تأتيه، يستعد لها لغوياً وان يثقف نفسه ويزيد عن مجالات المعرفة لديه. فهي احياناً تقتحمه وتتفاعل مع ايوناته فيحتضنها باللاشعور لديه وتتفاعل مع الأحرف والمخزون الثقافي وتأخذ منه ما تشاء لتركب النص الابداعي، او النص الجديد الذي يفترض ان يخرج من الشاعر بصورة حروف يكتبها. فاذا جاءت القصيدة ولم تجد الرداء الذي تلبسه لكي يعبر عنها التعبير الجميل الطيب، تهجره. احياناً تأتي الفكرة لاكثر من شاعر، الفكرة نفسها تسبح في الجو ويلتقطها شاعر ما فيعبر عنها بشعر قد يكون ضعيفاً، ثم يأتي شاعر اوسع منه خيالاً وافقا ومعرفة فيعبر عنها بصورة أجمل، وقد يأتي ثالث أكثر منهما معرفة وتجربة فينقلها بصورة اجمل واجمل.


في أي المواضيع تحب ان تكتب?


- الامر يعتمد على الظرف الذي أعيش فيه. والحالة النفسية.


كم من القصائد كتبت?


- كتبت الكثير. لا يستطيع المرء ان يحصر الشاعر بقصائده، أحياناً الشاعر يذكره الناس بقصيدة واحدة، وأحياناً باكثر. لقد كتبت الكثير وعلى مدى عمري أكتب.


وكم من الدواوين أصدرت?


- دواوين عديدة، نشرت مؤخراً مجموعة كاملة. وبعض القصائد ترجمت الى الفرنسية والإنكليزية. وهناك مجموعة القصائد النبوية التي اجريت عنها دراسات.


اي من هذه القصائد أحَبُّ الى قلبك?


- انا أحب الكثير من قصائدي، لكن هناك بعض القصائد التي أقترب منها أكثر وفقاً للظرف. وفي بعض الأحيان أجد ان بعض القصائد قد كتبت في وضع لم اكن فيه كما انا الآن، ربما اللغة لم تكن مطواعة، والتجربة لم تكن كما هي الآن. وعامل السن ايضاً. لكني لا أستطيع ان اتبرّأ منها، فهي جزء من حياتي ومن تاريخي بمثابة طفل بكل عبثية الطفولة والبراءة. أعمار الانسان مختلفة ولا يمكن للانسان ان يتبرأ من طفولته او من صباه، او مراهقته... انها جزء من تاريخه.


الكثيرون يشبّهون القصائد بالأبناء... لكنك شبَّهتها بنفسك?


- قد يكون الأمر صحيحاً الى حد ما، لكني أجد انها فترات من ذاتي لذلك انا أحبها حتى لو لم تكن كاملة فهي جزء مني في ذلك الوقت. ولا أحد يستطيع ان ينتقدني على نزق الصبا او طيش الطفولة.

5555555tsedtyseysetyesrrrrrrrrrrrrrsertsertserte54344.JPG