|
بلال المصري *
كنت أتخيلُ النعاسْ على هيئة فرسٍ كهذا الرمش الذي يرتجف كصورة عاريةٍ بين أردافِ الماء كما تغرز امرأة أظافرها في ظهر الرغيفْ أو كما يهبط الظلام نحيلاًَ كاحتمال الفرح بموجةٍ من السنابل أغرقت مراكب الأمل في بحوره
والشمس القاعدة خلف نفسها لا تعرف لماذا تجيء على هيئة سنورةٍِ ماءت واستدارت على نفسها ركض البحر كطفلٍ خائفاً حيناًَ وحيناًً يركض خلفها كمن يطارد فريسته بأنيابٍ من زبدْ
على فرسٍ أسود ابتعدت الشمس واتسع الكون كغشاء عذراء
كنت أتخيل النعاس أنحني فوق العتمة مثل ماسح الأحذية أمسك بها بكلتا يدي وأكنس النجوم بفرشاة أكثر من شجر الحديقة
ويغني الصمت في صمته الخبز يشبه الطعنات هو الشقي.. الشقي.. فر من الجنة لأن أباه آدم نسي حذاءه في وديان الأرض
وكان في كل خطوة يهز عصاه كي لا يتعثر بموجه ولما عضت الذئاب أطراف الليل صاح الليلُ قفز العاشق خلف سور الحديقة ثم تصاعد الياسمين كالرصاص ففررتُ من ظليْ
كنت أتخيل النعاس والوسادات الليلكية دائمات القلق فتشع الأسئلة مثل أعواد الكبريت وتنطفئ
هذا اليوم فاقعٌ كلون يشتم الساحات ثم نهضت مثل ضحكة سقطت من جيبه استقل دراجته النارية على عجل بعد أن سرق الصمت أمس كنت معي وكانت النار تعري الكستناء مثل ابتسامة ولد أشعث أسمر سبقته الريح نحو الخيال والظلال جائعة
أيها الثور الأبيض أكلتُ..أكلتُ..أكلتُ لما اقتربت الشمس من التلال فأنا يا كثير اليدين قليلٌ كالفرس المربوط بنعش صاحبه
أرقص كالضوء داخل قميصي سقط الزر من عروته الزجاجية ولم يحترق أحد نهدا الفراشة بدا ظاهرين وهي ترفعهما كالدعاء كانا يشبهان القبب
بينما الرهبان يتظللون ألا تحرقهم الخطيئة يتصارعون كالثيران يكسرون جدار النبيذ يعبرون كالأجنحة يعبرون فيخلع الضوء سرواله تبدو عورته ظاهرة بوضوح الآن دقوا المسامير فوق صوتي لست إلهاًً
أنا مثلك يا بائعة الحظ في آخر النهار أخسر حلمي على طاولة حادة الأطراف ثم آتباهى بخطاي ترتفع الساق تدخل الشمس النفق وآلاف الكائنات تحاول النهد قبة اللذة واليدان ترتبان الكواكب زحل عطارد الأرض كم أنت عظيمة أيتها الأم وبدء الضحك يعلو أمك أنت أيضا ًًعظيمة
ويشرأب السرير كالنعناع بالأنفاس ولا يطير كهدير ضوء يفاجئ الأحصنة بالأحصنة فتجنح العربات كذيلٍ أطول من قوس قزح وتجتازنا الفصول
وهذا المطريهدأ يهدأ كأنه ذئب فقد فكيه في حادث مريع هل تصدقين؟ الحب ليس الحب هو فقط ردم ضوء بين وجهين
داخل الصورة أحمل رأسي بيدي المقطوعتين أيها السقوط الأبدي في سمو الخطيئة أنا المسافرأبداًً في الدوائر الحائر كالآلهة التى أسفت لإشعالها الحريق أنا اللون الضال أنا الأحمق الأحمق..الأحمق..الأحمق الذي ارتديتك أيها الإنسان داخل الصورة أحمل رأسي بيدي المقطوعتين كنهاية الطريق
أهدأ أيها المطر أهدأ... لتتمكن هذه الصواعق من اجتياز النهر فأصابع التراب نست الإشارة كلما سقط فارس في نفسه مشوا فيه أحدٌ.. أحدٌ.. أحدْ
بين جسدين غريبين كنت وحيداً أثنا عشر من الخراف الضالة تسألني عن الطريق أنا هو ويداي الشبقتان بلذة ا المسامير نسيتا الإشارة جسدانا وظل وحيداً أرف داخل دائرة من الأسئلة تقذفها أجنحة الملائكة نحوي
ثم يعدو الموت نحو لعبته يقلبها بيديه الهائلتين يركلها بقدمه الصغيرة نحوي أنجو من النوم العميق بعد أن أقرضني الحلم من الكلمات إكليلاً
كل الذين أحببتهم الآن عادوا كالصرير العنيد أحدهم يصرخ اشتقت إليك ويداي المسمرتان تحاولان أن تعانقا أحدهما أرتجف.. أتأرجح بلذتي كأنني عاشقان أحدهما في السماء والآأخر لم يهبط أنا هو أنت
فلا تقذف حجرك نحو مراياي لكي يتنفس الغريق أصابعه العشر
في الأعماق كائنات غريبة... اهدؤوا الآن جميعاً بالأمس كنت وكانت أساور الماء ترن أنا هو أنت
الرقص في العتمة يمنح جسدينا ظلاً طويلاً كأقصر عبارة غنى الذئب للخراف الضالة عودوا الآن إلى قبلي
قبل الجهات وبعدها كنت أمشي كمتسول غني بأيمانه أحمل أزهار التوليب بيدٍ غير يدي التي ترتعش كأنني عاشق جائع للنسيان أخضراً.. أخضرَ مبتذلاً كنيسان
وترتعش يدٌ غير يدي ترن أزهار التوليب والأجراس حافيةٌ عاقدة الجبين يسقط قرشٌ بين رئتي يتوقف الهواء قليلاً أرفُ رمشي كأنني أحلق كنورس خلع جناحيه و طار بعيداً
وكانت الغانيات في الحانة تمرن أجسادهن على الخبز الذي يشبه الطعنات ويرفعن ضحكاتهن العارية كالشتائم يهبط الغرباء بصحونه الطائرة ثم يصعدون من جديد بلا وجوه
لكن النهار يعرفهم وزوجاتهم الساخنات مثل أكواب الشاي الطازج ينتظرن البرد ولا يأتين ثم يجتازني المتسول يخلع جناحيه ويدخل إلى الحانة مثل مسمارٍ
أدق باب الهوى أدق والجائعون يمدون رؤوسهم من ثقوب جواربهما الممزقة من ثقوب الليل ينفذون يدقون القمر يدقون كـأنه رق
أرقص فاتحاً يدي يتدحرج رأسي يركله الأطفال المشردون من رصيفٍ إلى جسد يوزعون الورد و الإبتسامات والعاشقون يسرفون في العناق والأحلام ورمي القروش في ماء الحدائق والأسماك تسرف في الإبحار والجائعون يسرفون في الإنتظار وهذا المطر لا يهدء.. لا يهدء.. لا يهدء
أيها الهائمون كالكلمات التي ترضع من أثدائهن خواء الورق
الصلاة وحدها لا تكفى قليلٌ من الكفر وننجو من هذا الجحيم
كنت أقاوم المخرز بعين الماء والجن في هذا الليل ينشدون الصمت والنار والمطر يتساقط كالإبر من يد طبيبٍ تعبر ابنة الإسكافي حافيةً تبيع التفاح المحلى للمساطيل
يتصاعد دخان السجائر كغيمة ثقيلة.. ثقيلة كهذه اليد التي هبطت فوق صدرها تصرخ أبنة الإسكافي أبي.. أبي ثم يتصاعد الياسمين كالرصاص
مرة أخرى يتساءل المكفوفون عن الأشياء نفسها لماذا السماء زرقاء؟ ولماذا ننتظر من لا يأتي ونفرط بالحب والحنين ونعد النجوم ونكثر من الأحلام والخمر
وأنت أيتها المدينة البهية ككل الأخريات دائماً مختلفة ويحبك الرجل المنفي في نفسه الغريب مثل التفاصيل التي تنساه عزلتي تلمع.. تلمع مثل هذا السلك الكهربائي الهاتف يرن .. يرن الملائكة لا تجيب
كل شيء غامض كل شيء غريب البحر أزرق...
والصيادون يبحرون في مراكب من ورقٍ أبيضٍ أبيض صنعها الأطفال اللقطاء بعدما عجزوا عن كتابة أسمائهم ونساء الصيادين في مخادعهم يقلمن أظافرهن ثم يغرقن في النوم العميق يذهبن في العتمة عيونهن المصابيح أصابعهن المسابح ترفع المراسي الى الأعلى
كان هذا يشبه الدعاء الذي يردده الولد الأبله وهو يرسم سمكة أكبر من البحر على جدار عالٍ يتسلقه الجياع وهذا القلب يحن للربح مثل مقامرٍ يفوز دائما با لخسارات وهذا المطر لا يهدأ لا يهدء.. لا يهدأ
فتسرق الأمهات أبناءهن من تحت القناطر حيث ينتظرن العذارى يدٌ لتمتد فتنشغل الملائكة عن التسبيح بالضحك وأمضي وحيداً لا أمٌ تسرقني والعذارى كتبن على القناطر القديمة الملائكة لا تعرف الدموع
ثم عدن الى طفولتهن يقفزن واحدة تلو الأخرى فوق حبلٍ يتقوس ويستدير وتطير تنانيرهن مثل الزغب أبيض هل رأى أحدكم لصا سرق قنفذاً ؟
هذا اليوم لا أحلم بشيء مثل هذا الرجل المسن الذي بصقه أبناؤه نحو الحدائق العامة ينام على العشب الأخضر ولا يصحو أبداً هو أيضاً لا يحلم اليوم بشيء سوى أن يرى أبناءه يلمعون كالنجوم
هذا ما كان يثرثر به للمخلوقات الفضائية التي هبطت لتحمل معها شيء من هذه الأنسانية وقبل أن يغادر عمال التنظيفات منازلهم يعدون أبناءهم بالسكر لكنهم كل يوم يكنسون الرجل المسن من حديقة الى أخرى
هذا اليوم لا أحلم بشيء ويمر العمر مثل قرشٍ يتدحرج ورئتا المرابين تلهث فتكبر كل الآمال التي رهنها لديهم الرجال المفلسون ونسائهم يتذكرن أساورهن التي كانت ترن
وبشغف تحكي الأرامل للعوانس عن نعمة السرير وأسراره وعن شخير رجالهن الذين ناموا وعن مواويل الوجع الأول الجميل
بينما الأولاد اللقطاء يتفرجون على البدو وهم يوضبون خيمهم الزرقاء فتحملهم وتطير كالمناطيد وقوافل من كلاب البحر تنبح والأحصنة الصماء لا تلتفت لا تلتفت.. لا تلتفت
وكانت النساء العاقرات يمتطين ذكورهن ويذهبن كالموج الى حيث يقمن العرافات كالفئران في دوائر مكسرة من المخمل العتيق فتكشف النساء العاقرات عن بطونهن وعن أسرار فحولهن
فتضيق الدوائر وتتسع وتكتب العرافات على البطون الملساء حكايات أطفال الأنابيب الذين يرضعون الإنتظار في توابيتهم الصغيرة المكدسة مثل سبائك الذهب موعودين بالحياة هم موعودين
يدقون أبواب ثلاجاتهم يدقون يدقون
أحدهم يصرخ أنا أنا أنا لكن اليد التي تزرع لم تشتهي يوماً تلك الأرض وتكتب العرافات للنساء العاقرات أرقاما على بطونهن تدل على خصب خيالهن فيذبحن خوف النساء كأنه كبش فيحملن بالأمل ثم يلدن الخيبات
وحدها المرأة التي كانت تهجع في سرير عشيقها تدق بطنها بيدٍ من حديد ولا يسقط.. لا يسقط .. لا يسقط أبن الحياة كالصبار يقف مندهشا بالسهام التي أصابته أخضراً .. أخضر لا تغيره الفصول والخيول الصماء لا تلتفت لا تلتفت..
كنت أقاوم المخرز بعين الماء والمجانين يقودون سياراتهم ببطء لأنهم لا يرجون الوصول ولأنهم يحبون قتل الوقت كل الوقت فتعلمت منهم كيف أكون أنا وكيف أنصب لأناي الكمائن وأجرها مثل لبوءة نحو الماء الذي ينزف الماء
فلبست الآخر ورحت أتجول في شوارع المدينة القديمة ذهبت عند الحلاقين قصصت شعراً غير شعري وخلعت ضرساً مسوساً غير ضرسي وصرخت من الألم بصوت غير صوتي صرت أنا الإنسان
وصار الإنسان أنا وفجأة نزع حزامه من بنطاله ثم هو والحزام والكرسي وساماً رفيعاً يمنح للمقاتلين الأوفياء وساماً يتدلى من الفكرة حتى رقبتهم أغمض عينيه وقفز مت أنا أما هو فتمكن من نسياني
شرب ينابيع صورتي أغمض جفنيه على كروم العنب سكران أميل بين البين وبيني مثل قصب السكر أئن وتهاجمني الريح فأحن الى حبٍ أقدم مني ألتأم كهذه العين التي نامت كطفلٍ رضيع يهاجم نهد امرأةٍ لا يعرفها حتى صارت كل النساء أخواته لما فرت أمه مع عشيقها القديم
مصاب بالكسوف وهذا الليل غير الليل اسورة الضوء ترن والمطر لا يهدأ لا يهدء.. لا يهدأ
انتهى الولد من رسم سمكته على الجدار كان الزيت المغلي في المقلات يبتسم لما غرق العشاق وهم يعبرون البحر من جنوب الحانة الى شمال الأغاني صارت جثثهم تطفو فوق الرخام الأزرق فتركتهم لهذا السلام
وكلص غصت في الأعماق رحت أجمع أشياءهم قبل أن يأكلها الصدأ يا الله لماذا كانوا يحملون معهم كل هذه السلاسل الحديدية؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
ربما لأنهم يحبون أن يقيموا أفراحهم تحت الماء كانت أساور الماء ترن أسماؤهم التي لا يعرفونها لهفتهم للخبز.. للخبز للخبز هذا التائه الأبدى.
|