مومسٌ عمياء..

وديع العبيدي قرأها 911

مومسٌ عمياء.. 

تَأرْجَحِي.. تَأرْجَحِي

يَا مُومِساً عَمْيَاء

بَيْنَ سَرِيرِ الْمَلِكِ وَالرَّايَةِ الْحَمْرَاء

وَالسَّوْدَاء

مَاذَا يَضِيرُ لَوْنُهَا، فَمُبْتَغَاكِ الجَّاه

خَرِيبَةٌ أمْ تَلَّةٌ.. فَكُلّهَا سَوَاء

لَيْسَتْ لَكِ بِضَاعَةٌ جَدِيدَةٌ

وَكُلّ مَا كانَ لَكِ مَضَتْ بِهِ الْأهْوَاء

أحْرَى بِكِ شَيْخُوخَةٌ تَصْخَبُ بِالْضَوْضَاء

وَتَقْفِزُ – تَصَابِيَاً- فِي مَحْفَلِ الْأسْوَاء

الْعُهْرُ صَارَ مُوْضَةً عَادِيَّةً وَلَيْسَ فِيهَا دَاء

وَحَقّ أنْ – تُتَوَّجِي- (مَلِيكَةَ) الْنِسَاء

شَاعِرَةً، نَاثِرَةً، نَاقِدَةً، فِي صُحُفِ الْغَوْغَاء

زَعِيمَةً، وَاعِظَةً، رَاقِصَةً، تَمِيلُ بِاسْتِرْخَاء

هَذَا رَئِيسُ دَوْلَةٍ يَدْعُوكِ لِلْمَسَاء

وَذَا زَعِيمُ الْحِزْبِ قَدْ خَصَّكِ بِالْنِدَاء

صَوْتُكِ فِي الْمُظَاهَرَة

يَشِيدُ بِالْمُؤَامَرَة

وَفِطْنَةِ الْمُنَاوَرَة

وَصَفْقَةِ الْأنْصَارِ وَالْأعْدَاء..

عَوْرَاءَ فِي شَبَابِكِ كُنْتِ – عَلَى اسْتِحْيَاء

وَالْيَوْمَ فُزْتِ بِالْعَمَى وَتُقْتِ لِلأضْوَاء

أحْرَى بِكِ مَجْدٌ خَلَا مِنْ مَجْدِهِ..

أْحْرَى بِكِ جَائِزَةٌ لَا لَوْنَ أوْ طَعْمَ لَهَا.

يَا مُومِسَاً عَمْيَاء

طُوبَى لَكِ فِي زَمَنٍ لَا مَاءَ أوِ أمْنَ لَهُ

لَا شَيْءَ لَا يُفْتَقَدُ فِيهِ

وَفِي أوَّلِهَا رِبَاطُ الْكَهْرَبَاء..

تَمَايَلِي.. تَذَلّلِي

تَأرْجَحِي.. تَمَرْجَحِي..

تَخَايَلِي.. تَخَيّلِي..

تَيْهَاً وَخُيَّلاء..

هَذَا إذَنْ زَمَانُكِ..

يَا مُومِسَاً عَمْيَاء!

هَذَا إذَنْ زَمَانِكِ.. يَا مُومِسَاً عَمْيَاء!

*

(2)

السّفّاحَ أنْشَا دَوْلَةً.. مِنْ جُثَثِ النّاسِ

سَيّجَهَا مَدِينَةً مِنْ غَيْرِ حُرّاسِ

حُرّاسُها الرُّؤُوس

أبْرَاجُها مَغَاوِرُ الْعُيُونِ

ألْسِنَةٌ مَقطُوعَةٌ وَالنّمْلُ فِي جُحُورِهَا يَجُوس

مَمْلَكَةٌ تَحْكُمُهَا كَوَاعِبُ الْمَجُوس

يَمْلُكُهَا الْمَمْلُوكُ – شَهْرَيَار-

رَسُّ سَلِيلِ الْعَار..

وَقَبْلَ أنْ يَفِيقَ يَدْعُو خِلّهُ الْنَوّاس

سَاعِدْنِي كَيْ أنْسَى..

خَلّصْنِي مِنْ أشْبَاحِ قَتْلايَ

نَسِّينِي كُلّ النَّاس

يَا شَاعِرِي النّوَّاس

إسْقِنِي خَمْرَ شِعْرِكَ..

دَثّرْنِي بِالْنِسَاء

سَكّرْنِي يَا سَكْرَان

فَأنّ فِي الْيَقْظَةِ مَا يُعَذّبُ النّفُوس

اجْمَعْ جَمِيعَ الْجَانّ..

إسْقِ جَمِيعَ النّاسِ مِنْ خَمْرَتِي بِالْمَجَّان

نَادِي وَزِيرَ دَوْلَتِي

أنْ لَا يَعِيفَ قَرْيَةً خَالِيَةً مِنْ حَان..

"الْخَمْرُ بِالْمَجَّان!"

إجْعَلْ لَهُمْ جَائِزَةً مِنْ يَشْرَبُ أكْثَر..

وَاضْرِبْ بِسَيْفِ الْحَقِّ مَنْ يَرْفِضُ أنْ يَسْكَر..

قَابِيلُ أنْشَا دَوْلَةً كَانَ اسْمُهَا "حَنُوك"

حَاضِرَةَ الْعُمْرَانِ وَالْعِرْفَانِ وَالْحُتُوف

يَقْصُدُهَا الْتُجَّارُ وَالْمُلُوك

وَالْشَدْوُ فِي أنْحَائِهَا يَطُوف

تُوْبَالُ فِي مَنْجَمِهِ يَضْرِبُ بِالْحَدِيدِ وَالْنُحَاس

يَصْنَعُ الْسُيُوف..

وَالْبُوقَ وَالْمِزْمَارَ وَالْكُؤُوس

فَلْتَفْرَحِ الْنِفُوس..

وَتَقْفِزِ الْجُسُومُ وَالْأثْدَاءُ وَالْرُؤوس

فِي نَخْبِ شَهْرَيَار

زَعِيمِنَا الْسِمْسَار

نَخْبِ أبِي الْكُؤوس..

نَخْبِ أبِي نُؤَاس

مَمْلَكَتِي "بَغْدَادُ" لَيْسَ مِثْلُهَا

مَصْنُوعَةٌ مِنْ جُثَثِ النَّاس..

حُرّاسُهَا رُؤوس

وَالْدُودُ فِي أقْحَافِهَا يَجُوس

فَلْيَسْكَرِ الْمَجُوس!..

*

(3)

الْعَقْلُ قَدْ تَمَوْمَسَ

وَالْجِسْمُ قَدْ تَسَوَّسَ

وَالْبَيْتُ -كُلُّ الْبَيْتِ- قَدْ تَنَجَّسَ

وَفَاحَتِ الْعُطُور..

فِي أيِّ شَهْرٍ نَحْنُ هَذَا الْيَوِمَ

يَا سَيّدَ الْشُهُور

تِمُّوزُ لَمْ يَفِقْ مِنْ مَوْتِهِ

وَلَيْسَ فِي الْقُدُور

مَا يُطْعِمُ الْطُيُور

إسْألْ لَدَى الْجِيرَانِ.. عَلَّ عِنْدَهُمْ فِتَات

يَسُدُّ جُوْعَ الْطِفْلِ أوْ يَحْمِي مِنَ الْآفَات

أوْ يُنْقِذُ الْأبَ الْمَسْكِينَ أنْ يَطُوفَ فِي الشَّتَات

رَدَّ عَلَيَّ الْصَوْتُ: جِيرَانُنَا نُسُور!

جِيرَانُنا كَوَاسِرُ الْطُيُور

جِيرَانُنا الْذِئَابُ وَالْنُمُور

نَادِ بِبَابِ الدَّرْبِ عَلَّ مِنْ مَحِيص

فَاللهُ لَا يَترُكُنَا لِلْمَوتِ فِي مَخِيص

لَا تَفْرَغُ الْأرْضُ مِنَ الْضَمِيرِ وَالخُصُوص..

فَاجْتَمَعَ فِي بَيْتِنَا الزُّنَاةُ وَاللُّصُوص

وَاشْتَعَلَتْ مِنْ حَوْلِنَا الْنِيرَان.

وَاخْتَلَفَ الْأخْوَان

وَانْفَصَلَ الْآبَاءُ وَالرّفَاقُ وَالْخِلَّان

وَكُلّ ابْنِ أنْثَى حَوْلَ نَفْسِهِ يَحُوص..

أسُومَرٌ وَبَابلُ

تَلْهُو بِهَا الْسُيُوفُ وَالقَنَابِلُ

وَرَأسُها مُنَافِقٌ أوْ قَاتِلُ

أمْ هَذِهِ أشّور

مَمْلَكَةُ دَانَتْ لَهَا الْأرْضُونَ - فِي زَمَانِهَا-

وَاسمُهَا مِنْ نُور

كَانَتْ يَمِينَ اللهِ فِي دَوّامَةِ الْعُصُور

وَالْيَوْمَ لَا خَيْرٌ وَلَا مَطَر..

نَهَارُهَا ظَلَامٌ دَامِسٌ وَلَا قَمَر

لَيْسَ مَنْ يَشُدّ جُرْحَهَا الْمَفْتُوحَ أوْ يَرْفَعُهَا مِنَ الْعَثَر

أهْلُهَا مُهَاجِرُونَ، وَافِدُونَ، هَارِبُونَ، أوْ غَجَر

حُكَّامُهَا دُمَى زَانِيَات..

وَفِكْرُهَا الْعَقِيمُ سِرُّ مَوْتِهَا الْلَئِيم

مَشْدُودَةُ الْشُعُورِ لِلْغَرِيبِ وَالْزَنِيم

ضِدُّهَا فِي نَفْسِهَا وَلَيْسَ تَسْتَقِيم..

عَلَّ لَهَا مَنْ يَفْتَحُ الْصُدُور

بِكِلْمَةٍ يُجَمِّعُ الْمَنْثُور

وَيَلْحَمُ الْمَكْسُور

وَيَرْفَعُ الْأدْرَانَ وَالْقُشُور

فَتَرْجِعُ لِذَاتِهَا وَتَتْرُكُ الْغَرِيب

تَلْتَحِمُ عَائِلَةً وَاحِدَةً وَتَعْرِفُ مَا الْحُبُّ؟..

مَا الْحَبِيب

وَيَرْجِعُ ابْنُهَا لَهَا.. وَأمُّهُ تَتُوب!

وَيُصْلِحُونَ الْبَيْتَ مِنْ بَرَاثِنِ الْنُدُوب

لِيَرْجِعَ الْمَطَر!.

*

لندن التاسع من يوليو 14

ملاحظة:

المومس العمياء:شخصية صاغها الشاعر بدر شاكر السيّاب في خمسينيات القرن الماضي-في قصيدة بنفس العنوان، وهي شخصية مركبة اجتماعية سياسية تتداخل فيها رموز الأرملة وام اليتيم والمرأة العجوز. وقد اكتسبت أهمية وصدى متصلا في الحياة والشعر الحديث.