وصايا دريد ابن الصمة

وديع العبيدي قرأها 1,016

وصايا دريد ابن الصمة 

(1)

الرّصافيّ

في ذكرى رَحيلِهِ

لِمَاذَا يَكونُ شَاعِراً مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الْحَقيقَةِ

وَيَكونُ حَاكِمَاً مَنْ يَسْعَى لِلْوَهْمِ

لِمَاذَا يَمُوتُ الشّاعِرُ وَهْوَ يُمْسِكُ بِالْحَقيقَةِ

وَيَغْرَقُ في اللّذّةِ مَنْ يَهْرَبُ مِنْهَا!

في تِلْكَ الحُجْرَةِ مِنْ حُجُرَاتِ الْحَيْدَرْخَانَةِ كُنْتَ تُؤَسِّسُ وَطَنَاً

كُنْتَ تُؤَسِّسُ وَطَنَاً.. كُنْتَ تُقَدّسُ وَطَنَاً

يَحْكُمُهُ الشّعَرَاءُ الْثُوّارُ، وَتَصْرُخُ فيهِ بِوَجْهِ الأفّاقينَ

أكُونُ شُيُوعِيّاً.. وَأمِنَحُ ثوِبي لِلْنَاسِ

أكُونُ شُيُوعِيّاً.. وَأمِنَحُ قلْبي لِلْنَاسِ

أكُونُ شُيُوعِيّاً.. وَلَا أخْرُجُ مِنْ بينِ صُفوفِ الْنَاسِ

في تِلْكَ الْحُجْرَةِ مِنْ حُجُرَاتِ الْحَيْدَرْخَانَةِ كُنْتَ تُؤَسِّسُ لُغَةً

لَا تَنْقُصُ فيهَا الْأفْعَالُ، وَلَا يُبْنَى الْقَاتِلُ فيهَا لِلْمَجْهُولِ

فَيَخْشَى دَعْوَتَكَ الْعَسَسُ الرَّسْمِيّ

وَيَتّهِمُكَ الدّينُ الرَّسْمِيُّ بِتَحْريضِ الْمِلًةِ

يَا مَلِكَ الزّنْجِ ..
وَحْدَكَ كُنْتَ تُقَاتِلُ في وَجْهِ الإفرَنْجِ

مُغْتَصِبي بَغْدَادِكَ، مُضْطَهِدِي أبْنَائِكَ

لِتَتَقَدَّسْ تِلْكَ الْحُجْرَةُ مِنْ حُجُرَاتِ الْحَيْدَرْخَانَةِ

لِتَتَقَدَّسْ كُلُّ حُجُرَاتِ الْحَيْدَرْخَانَةِ

هُنَا نَزَلَ الْمَلِكُ الْمَعْرُوفُ مِنْ أرْضِ أرَابيلو

هُنَا رَصَفَ الْمَلِكُ الْمَعْرُوفُ جَوَاهِرَ حِكْمَتِهِ

فَالْتَقَطَهَا الْفُقَرَاءُ وَأبْنَاءُ الثّوْرَةِ

لِتَتَقدَّسْ تِلْكَ الثّوْرَةِ تَصْرُخُ فيها: الْعِرَاقُ لِلْعِرَاقِيينَ

حَتّى اخْتَلَطَ الْمَشْرِقُ بِالْمَغْرِبِ، وَالْفُرْسُ بِعَرْبَايَا

مَا زِلْنَا مِنْ بَعْدِكَ حَتّى الْيَوْمِ نَصْرُخُ يَا مَلِكَ الثّوّارِ" الْعِرَاقُ لِلْعِرَاقِيينَ

فَيَتَّحِدُ الْمَشْرِقُ بِالْمَغْرِبِ، وَالْفُرْسُ بِعَرْبَايَا، وَيَغْتَصِبونَ الْأرْضَ.

يَا آخِرَ مَلِكٍ في كيشٍ، يَا آخِرَ مَلِكٍ مِنْ لكش

يَا آخِرَ مَلِكٍ مِنْ أور، يَا آخِرَ مَلِكٍ مِنْ سُومَر

يَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ دَارٍ في الْفَلّوجَةِ

تَحْمِلُ مُعْجزتَكَ الْأبَدِيّةَ وَتَصْرُخُ هَذا سِفْرِيْ!

أعْلِنُكَ عَلَى الْكُلّ حَكيماً، أعْلِنُكَ عَلَى الْكُلِّ عَظيمَاً

وَأعْلِنُ أنّكَ وَالثّوْرَةُ صِنْوَانُ

وَأنَّ الثّوْرَةَ خُبْزُ الْنَاسِ!.

*

(2)

عَلَى خُطَى الْمُتنَبّي

يَعْقِفُ الْكِذْبُ رِجْلَيهِ.. حَتّى يَنُوءَ التّمَنّي

مَا أزَالُ أنَا وَاقِفَاً خَارجَ الْكَلِمَاتِ الْثِقَالِ

بَاحِثاً عَنْ ظِلَالٍ بِلَا رَائِحَةٍ

وَعَنْ مُدُنٍ تَسْتَميلُ الْعَذَابَ وَتَسْتَدْرِجُهُ في تَفَاصِيلِهَا الْجَانِحَةِ

 أفتّشُ عَنْ ظِلّةِ الْمُتَنبّي، فِي شِعْبِ بُوّانَ، أوْ كَيْدِ حَمْدَانَ، أوْ نكتةِ الْبَارِحَةِ

يَعْقِفُ الزّمنُ الْمُتَلَوّي شَوَارِبَهُ

وَالْنَهَارَاتُ تُبَدّلُ أصْيَافَهَا

تَعْقِفُ اللّغَةُ الْمُضَريَّةُ أرْدَافَهَا وَيَمُوتُ الْكَلامُ عَلَى شَفَةِ نَائِحَةٍ

إيهِ.. يَا بْنَ كُوفَتِنَا

وَحّدَتْنَا الْمَنَافِي وَلَا وَطَنٌ نَشْتَهيهِ

وَحّدَتْنَا تَقاسِيمُ غَرْبَتِنَا، لِنَقُلْ.. هِجْرَتُنَا، عُهْرُ تاريخِنَا..

الْعَرَبُ الطّارِئُونَ عَلَى نَسْلِنَا الْمُتَنَبّي

وَمَا زَالَ في دَمِنَا رَغْبَةٌ أنْ نَكونَ أقوَى مِنَ الْمَوْتِ وَأنْظِمَةٍ طَارِئَةٍ

نُحَرِّرُ أشْعَارَنَا مِنْ قَوَالِبِهَا وَنَمْسَحُ عَنْهَا مَشَاعِرَنَا الجّائِحَةَ

أقوَى مِنَ الْمَوْتِ عَوَاصِفُنَا الصّامِتَةُ

وَأفكَارُنَا الصّائِتَةُ

فَهَلْ تلْتَقي.. شَوَارعُ غُرْبَتِنا المُضَريَّةِ هَذِهِ..

وَيَتّصِلُ مَنْفَى بِمَنْفَى وَمَوْتٌ بِمَوْتٍ..

حَتّى نُوَحّدَ أجْزَاءَنَا.. فِي مَعْبَدٍ سُومَريّ!!.

*

(3)

(من وصايا دريد ابن الصمّة)

بَيْنَ قَبْرَينِ/ أوْ قَمَرَيْنِ/ كنْتُ ثالِثَهُمَا.

لَسْتُ أُسَمِّي/ الْحَبيبَةَ قَبْراً/ وَلا أَبَتِي قَمَراً/ وَلَسْتُ أرَى اللّيْلَ/ آنِيةً لِلْحَليبِ،/ وَلا جُؤْجُؤَ الْحُزْنِ/ مُتكَأً لِلْخَدِيعَةِ،/ وَلَسْتُ أسَمِّي../  لأنِّي أرَاكُمْ/ / جَميعاً/ بِغَيْرِ ثِيابٍ

وَدُونَ مَنَاصِبَ./ وَلَسْتُ أمَيّزُ وَاحِداً مِنْ سِوَاهُ/ وَلا اثنَينِ مِنْ أرْبَعَةٍ/ الْجَميعُ سَواسِيّةٌ / غَيْرَ أنّي أمَيِّزُكُمْ/ مِنْ تَجَاعِيدِ أرْوَاحِكُمْ/ فِي الْغُرُوبِ../ وَمِنْ وُجُفاتِ القلوبِ/

إذْ تخْتلونَ.

....

أكُونُ عَلَى (الطَّوْفِ) مُسْتَلقِياً/ كَالْخَريفِ/ وَخَلْفِي الْجَنُوبُ/ يَفيضُ مِنَ الْجُّوُعِ

وَالْعَبَرَاتِ/ أوَزِّعُ عَيْنِي عَلًى مَنْ  توَارَوا/ وَمَنْ أَطْفَأوا الضّوءَ/ قَبْلَ انْجِلاءِ الْحَقيقةِ/ وَمَنْ حَفَرُوا فِي الْحَدَائِقِ/ كَيْ يَجْمَعُوا حَطَباً../ لِلْشّتاءِ..

أمَيّزُكُمْ.. أيْنَمَا تكْمُنُونَ/ وَأنّي.. مِنَ اللَّيْلِ لِلّيلِ أمْشِي/ وَمِنْ صدْفَةٍ لِسِوَاها.

مُرَاوَغَةً أوْ مُفَارَقَةً/ لا تُبَدّل أثيابَها كَالمَوَاسِمِ/ أسَمِّي وُجُودِي/ مُصَادَفَةً بَيْنَكُمْ/ وَتَدْعُونَني الْضَيْفَ../ لَكِنَّني لا أقِيلُ../ وَلا أقْبَلُ الصَّدَقَةَ..

لا أتَعَالَى بِعِلْمِي عَلى أحَدٍ/ أوْ أدّعِي دَعْوَةَ الجَّاهِلينَ/ أسَمِّي السَّرَابَ سَرَاباً/ وَلا أبَدِلُ الْبَاءَ بِالْجِيمِ/ حَتَّى أُرَائِي الْخَرَابا/ يُؤَثثنُي الْحُزْنُ فِي كُلِّ حِينٍ/ وَيَفْضَحُني خَجَلِي../ فِي ازْدِحَامِ الشَّوَارِعِ/ لَسْتُ مِنْ قَرْيَةِ../ الْمُتَنَبي أجِيءُ/ وَلا نَاقَةُ صَالِحَ نِضْوِي/ وَلا أرْضَ تَحْتي/ وَلا بَلْدَةٌ تَحْتَويني/ وَلا عَائِلَةٌ/ وُلِدْتُ لأكْتُبَ وَأمْضِي../ فَمَنْ  شَاءَ يَقْرَأُ/ أوْ شَاءَ يَسْمَعُ/ أوْ لا يَشاءُ/ فَمَا النَّهْرُ يَغْتاظُ/ أوْ يَنْشُفُ مَاؤُهُ/ دُونَ أيْدٍ تُلاعِبُهُ/ أوْ شَفَةٌ تَرْتَويهِ../ أعْرِفُ أنَّ كَلامِي ثقيلٌ/ وَبَعْضُ حَديثي جَميلٌ/ وَلَكِنّنا الآنَ/ فِي زَمَنٍ غَيْرِ مُبْصِرٍ/ وَلا يَرْعَويْ/ الْخِيانَةُ وَالْغَدْرُ كُلُّ عُدّتِهِ/ فَلْتكونُوا جَميعاً وَلا

تَهِنُوا../ لأنَّ الضَّعِيفَ مُؤَامَرةٌ/ كَالْخُرَافَةِ../ وَأنَّ الْخُرَافَةَ أنْ لا

نَرَى بَعْضَنا جَيِّداً../ أوْ نُكَذِّبَ فِي وَجْهِنا/ أوْ نُزَوِّرَ أعْضَاءَنا/ أوْ نُبَدِّلَ رَغْبَتَنا

فَنَضيعُ..

الإناءُ بِما يَحْتَويهِ/ وَلَيْسَ بِألْوَانِهِ الزَّاهِيةِ/ مَنْ ذا يُبَادِلُ جَوْهَرَهُ بِالْقُشُورِ/ وَيَجْعَلُ مِنْ قَلْبِهِ/ قِشْرَةً فَانِيَةً!.

*