وقوف على أبواب تدمر

وديع العبيدي قرأها 931

وقوف على أبواب تدمر

(1)

(باب أولى)

تخلَعُ الأرضُ بردتَها

كي تراني

فليسَ لها لغةٌ أو حدودٌ

أنا.. شاعرٌ منْ زمانِ البداوةِ

سيفي حِصَاني .. ودمي الجُنودُ

تَنّفَّسْتُ منْ رئةِ الحزْنِ

جّفّتْ جِراحي.. تَشَقَّقَ قلبي.. تكلّسَ خَدّي

ولمْ يبقَ غيرُ اشتِعالِ العُرُوقِ

فماذا ستفعلُ هذه القصيدةُ؟!..

غير اجتثاثِ الكلامِ

وغيرَ استثارةِ أشواقِنا

في احتفالِ الحُطامِ

وما زالَ نَعْشي

إلى الموتِ يَمْشي

وِسْطَ الخرائِبِ .. مُحتفياً بالْسَّلامِ

قالَ سَيزرَعُ ورداً.. وَيَروي متاحِفَنا بالكَلامِ

قالَ.. سَيَجمعُ ورداً بِبابِ الشّتاءِ

سيذبَحُ قَلْبَهُ .. لِيَبكي

إذا بَدَأ الآخرونَ الغِناءَ

قالَ.. سيكتُبُ في السّفرِ.. أغنيةً لِلْرَدى

إذا ما بَدا

جُنونُ التَّوَهُجِ

واشتعَلَتْ

في يديهِ السّنونُ سَحاباً

يُشَيِّعُهُ في المدى

وَليسَ لدى زَوْجِ عَبدِ العَزيزِ

سِوى مَا تَراءى

بِأنَّ فَتاها يُراوِدُها

وَلَمْ يَدْرِ عَبْدُ العَزيزِ.. بِأنَّ زُلَيخَةَ

تُرَاوِدُ عَنْهُ فتاهُ

سَبْعَ سنينَ.. سَبْعَ سَنابِلَ

تأكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٍ

سَبْعُ مَمالٍكَ.. سَبْعُ مَسالِكَ.. سَبْعُ خِرَافٍ

وَلَمْ يدرِ يوسُفُ أنَّ القميصَ

قَميصُ أبيهِ

تُمّزِّقُهُ إخوَةٌ أشقياءٌ!!..

*

(2)

(باب الدّخول)

مساءَ التوجّسِ

مساءَ الترحّلِ

مساءَ الهواجِسِ

مساءَ المفازاتِ والأتربةِ

مساءَ الصناديقِ والأضرحةِ

مساءَ المساءِ

عليكُمْ مساءُ المساءِ

أحِبَّتَنا.. أحِبَّتَنا الأشقياءَ

(مدينتنا ارتعشَتْ مرّتين.. هَمَدتْ مرّتين)

كاعبٌ أتعبَتْها المسَافاتُ

منْ عينِ ماءٍ لماءٍ

أتعَبَتْها المواعيدُ والأجندةُ

فَفي كلِّ يومٍ لها واحةٌ

وفي كلِّ يومٍ لها

موعدٌ وحبيبٌ ونجمةٌ

تمضي.. بدونِ عيونٍ

وتبكي.. بدونِ فؤادٍ

تسيرُ بلا أرجلٍ أو مؤنٍ

لأرضٍ بدونِ قرارٍ

وبحرٍ بدونِ سفنٍ

لديكَ من الهَمِّ ما يُشبِعُ الشُّعَراءَ

لديكَ من الهَمِّ ما يمرَعُ الأفئِدةِ

لديكَ من الخوفِ ما لا تطيقُ الشوارعُ والأرصفةُ

وما لا يطيقُ الأحبَّةُ والعاشِقونَ وأهلُ السبيلِ

وما لا تطيقُ العواصمُ والأغنياتُ

وفي كلِّ بابٍ تنامُ بطاقاتِكَ اليابسةُ

ومواعيدُكَ الشائخةُ

فَدَعْ حزنَكَ الآنَ وامضِ

قالَ المغنّي..

إلى أين تمضي بدونِ عيونٍ

ونحنُ زرعْنا على وجهِ بغدادَ أعينَنا من سنينٍ

ونحنُ خلعْنا على قلبِ بغدادَ أضلاعَنا إذْ خرجْنا

ولا زالَ هذا الدمُ العربيُّ المعاصرُ

يدورُ الرصافةَ والكرخَ شرقاً وغرباً

يدورُ ببيروتَ كلَّ الدوائرَ

ويزرعُ في كلِّ ناحيةٍ وطناَ بدويّاً

كجنحِ الحمامِ!.

*

(3)

(باب ثانية)

تخلَعُ الأرضُ بُرْدتَها..

كي تراني

فليسَ لها مبتدى.. وانتهاءٌ

كلُّ الجزائرِ عندي سواءٌ

وكلُّ المنافي لها لذّةٌ واشتهاءٌ

أنا شاعرٌ.. من زمان التصعلُكِ

وقوتي السّماءُ

قالَ المغنّي..

يتامى نحنُ في وطنٍ بلا أبناء!!!!..

يتامى نحنُ..

لم نولَدْ ولم نكبُرْ!..

لم نولَدْ ولم نصغُرْ!..

فكيفَ نموتُ؟!!..

كيفَ يموتُ مَنْ لم يجرِ في الأنحاءِ!!

نحنُ الأمّةُ الصمّاءُ..

فيا أيّتُهَا الأرضُ.. أعيدينا

إلى أيِّ أصقاع غربتِنا .. كما كنّا

فليستْ جنّةُ الفردوسِ.. جنّتَنا

وليستْ كَعبةُ النّورَينِ.. كعبتَنا

وليسَتْ مكّةُ الأشرَافِ.. مكّتَنا

وليسَتْ تونِسُ الخضراءُ .. تونِسُنا

ولا الرّصافةُ من بغدادَ.. بعضَاً من رصافتِنا

وليسَتْ نخوةُ الأعرابِ.. نخوَتَنا

ولا الشّهامَةُ بعضَاً من فضائِلِنا

فيا أيّتُها الأرض.. أعيدينا!!.

***