الظواهر اللغوية الكبرى في العربيّة
الحديث عن الظواهر اللغوية الكبرى في اللغة العربية ليس هيناً؛ لأنه يحتاج إلى أمور عدة، أبرزها القدرة على اختزال المعارف اللغوية الخاصة بكل ظاهرة في عدد قليل من الصفحات، والإحاطة بالمعارف الخاصة بكل ظاهرة في اللغة العربية واللغات الأجنبية واللغات السامية؛ لإتاحة الفرصة للمتلقي لمعرفة موقع هذه الظاهرة، أو تلك، من اللغة العربية، ومن الذائقة اللغوية السليمة التي تسمح بالرأي في القضايا الخلافية، دون مساس بسنن اللغة. والحق أن هذه السّمات توافرت في الدكتور عبد الرحمن دركزللّي، فهو يُجيد اللغة العربية واللغة الإنكليزية واللغات السامية، ويملك الذائقة اللغوية التي تسمح له بالرأي النابع من المعرفة، فضلاً عن إحاطته بالمعارف الخاصة بالظواهر اللغوية، وقدرته على اختزالها. وهذا كلّه واضح في كتابه (الظواهر اللغوية الكبرى في العربية)(1).
والظنُّ أنه ليست هناك فائدة ذات بال يجنيها المتلقي إذا لخّصنا محتويات الكتاب؛ لأنه يضمُّ إحدى وعشرين ظاهرة لغويّة، وهذا عدد كبير تصعب الإحاطة به في هذا المقام؛ ولأن حديث الدكتور دركزللي عن هذه الظواهر استند إلى منهج الإيجاز والتكثيف في الشروح والأمثلة، بحيث لا يحتاج المختزل إلى اختزال، ولا المختصر إلى اختصار، ولا الواضح إلى توضيح. بيد أنه من المفيد القول إن الظواهر اللغوية الكبرى في رأي المؤلف هي الترادف والأضداد والمشترك اللفظي والنحت والقلب والإبدال والدخيل وغير ذلك كالاشتقاق والتطور الدلالي والأحادية والفوضى وتنافر المعاني. ومن ينعم النظر في عنوانات هذه الظواهر يستطيع بسهولة معرفة الأفق اللغوي للدكتور دركزللي، فهذه العنوانات دالّة، كما يعرف المشتغلون في حقل اللغة، على قضايا كبرى لا يدرك أهمية الحديث عنها غير إنسان سبق له خوض غمارها، وسعى إلى امتلاك ذائقة لغوية خاصة بها أو ببعضها، سواء أكانت الظاهرة قابلة للانتهاء إلى رأي، كظاهرة الترادف والأضداد والمشترك اللفظي، أم كانت عصية على الرأي، كظاهرة نشأة اللغة وما يرتبط بها من مواقف وعقائد وتفسيرات.
وإذا كان تلخيص محتوى الكتاب عسيراً غير مفيد، فإنني أعتقد بأن الملاحظات الآتية تُعين المتلقي على إدراك أهمية الكتاب:
1. يبدو أن هناك ترجّحاً في هدف الكتاب بين القارئ الاختصاصي والقارئ العاديّ. إذ إن هناك ظواهر كالإبدال وظاهرة الفوضى في اللغة، لا يدرك طبيعتها غير الاختصاصيّ في الصوتيات، وظواهر أخرى، كالترادف وأعضاء الجسد الإنساني في اللغة، شائقة مفيدة للقارئ العاديّ ولكنها لا تُشبع نهم القارئ الاختصاصي. ويمكن القول إنّ الترجح في هدف الكتاب نابع من أن المؤلف كان كتب دراسات الكتاب منجمةً ثم جمعها بين دفتي كتاب واحد ليعمم الفائدة منها. وهذا التعليل مقبول معروف في حقل التأليف، وقد شفعه الدكتور دركزللي بحسن عرض الظواهر اللغوية، وخصوصاً عنايته بالأمور الآتية:
· توضيح المصطلحات قبل الإقدام على مناقشة الظاهرة اللغوية.
· استعمال أسلوب سلس واضح محدد في تقديم الظواهر اللغوية.
· الإكثار من الأمثلة والعزوف عن الخوض في الشروح والتفصيلات.
2. إذا كان حسن عرض الظواهر اللغوية مسؤولاً عن التخفيف من الترجح في هدف الكتاب، فإنه مسؤول أيضاً عن الميل إلى الإحاطة بجوانب الظاهرة اللغوية، سواء أكانت هذه الجوانب عربيّة أم إنكليزية أم ساميّة، دون أن يشعر القارئ بجفاف المنهج المقارن في العمل اللغوي. ذلك أن دراسات الكتاب اكتسبت جانباً من أهميتها من المقابلات التي أجراها الدكتور دركزللي بين اللغات في شأن الظواهر اللغويّة. فهو يقول في أثناء حديثه عن الترادف: (مثال الحالة الأولى ما حصل في الإنكليزية عندما دخلت إليها الكلمة الفرنسية (Mouton) ضأن في العصر الوسيط. ففي بادئ الأمر كانت ترادف الكلمة الموجودة أصلاً فيها وهي (Sheep)، ولكنها –بعد ذلك- تخصّصت، إذ أصبحت تطلق على لحم الحيوان المذكور فقط) (2). مثل هذا الامداد إلى اللغات الأخرى، وخصوصاً الإنكليزية واللغات السامية، يدل دلالة لا يرقى إليها الشك على إحاطة الدكتور دركزللي بالظاهرة اللغوية، ورغبته في تقديم رؤية لغوية كلية لها. ولهذا السبب تراه يترك العربية إلى الإنكليزية، أو إلى إحدى اللغات السامية، وهو في الوقت نفسه ينظر إلى الظاهرة في المعجمات العربية، ويسعى وراء صورتها في القرآن الكريم ودواوين الشعر العربيّ، بغية الإحاطة بها، وهذا ما جعل هذه الإحاطة ميزة كبرى لهذا الكتاب، فضلاً عن أنها ميزة قلَّ اللجوء إليها في الدراسات اللغوية العربية المقدَّمة للقارئ العاديّ والاختصاصيّ معاً.
3. ليس العمل العلميّ في اللهجات المحليّة مستهجناً إذا كان الهدف منه فَهْم اللغة المحكية بغية تقريب الشقة بينها وبين الفصيحة. ولاشك في أن دراسة الدكتور دركزللي عن (لهجة حلب) تدخل هذا المحراب، وترنو إلى الهدف نفسه. بيد أن شيئاً من اللبس يراود المتلقي العاديّ الذي يظنّ أن الدكتور دركزللي يقصد اللهجة الحلبيّة، أو الخواص اللغوية التي ترتبط بهذه المدينة وحدها، في حين أعتقد بأنه قدَّم عملاً لغوياً وصفياً، ولم يلتفت بالتعليل إلى أصول هذه اللهجة، ولم يقل ما يوحي بفرادتها بين اللهجات العربية عموماً، واللهجات السورية خصوصاً. ولو كتب الدكتور دركزللي توضيحاً بسيطاً في مقدَّمة حديثه عن لهجة حلب وضَّح فيه هذا اللبس لما كان له من أثر يُذكر في هذه الدراسة الماتعة المفيدة. ذلك أنه لاحق هذه اللهجة، فتحدث عن القلب المكاني في بعض كلماتها، والإبدال في كلمات أخرى، ثم انتقل إلى النحت والاقتراض والتشقيق والمدّ والمطل وغير ذلك. وعرض في أثناء ذلك ظواهر لهجيّة حلبية ولكنها ظواهر لهجية مستخدمة أيضاً في مدن سورية أخرى، كما هي حال الكلمات الآتية المستعملة في اللهجتين الحلبية والحمصية في القلب المكاني، على سبيل التمثيل لا الحصر:
· معلقة بدلاً من ملعقة.
· انجعز بدلاً من انزعج
· جوز بدلاً من زوج
· رعبون بدلاً من عُربون
· اندرخ بدلاً من تخدَّر
· أهبل بدلاً من أبله
· خفس بدلاً من خسف
· زلغط بدلاً من زغرد
· انغلب بدلاً من غُلب وغبِن (في الكلمة إبدال وقلب مكاني).
· جنزير بدلاً من زنجير.
إن العمل العلمي في اللهجات المحلية يحتاج إلى مثل هذه الدراسة التي قدمها الدكتور درزكللي؛ لأن الفائدة الأولى التي يقدمها هذا العمل هي اليقين بأن اللهجات المحلية السائدة الآن ابنة اللهجات العربية التي صحبت الفاتحين من الجزيرة العربية في صدر الإسلام، واختلطت باللهجات التي كانت سائدة في بلاد الشام والعراق ومصر والمغرب العربي الكبير آنذاك. كما يشجع العمل نفسه على القول إن قبائل معينة كانت تنطق بهذه اللهجات سكنت هذه البقاع المختلفة، وخلفت فيها لهجتها الباقية آثارها إلى اليوم في مدن مختلفة.
4. أحسن الدكتور دركزللي صنعاً حين تحدث عن ظاهرة (أعضاء الجسد الإنساني في اللغة). ففي هذه الظاهرة كثير من المحظورات والطرائف في استعمال ألفاظ دون أخرى في الدلالة على أعضاء معيّنة في جسد الإنسان. ولا أعرف السبب الذي جعله يُغفل (التورية)، وهي عمل بلاغيّ صرف يستعمله الإنسان العاديّ في حياته اليوميّة ليهرب من التصريح بألفاظ ذات دلالة على بعض أعضاء جسده، سواء أكان المستعمل ذكراً أم أنثى. فأساليب استعمال التورية في الحياة اليومية موضوع لغويّ شائق وإن كانت أصوله بلاغيّة.
إن كتاب (الظواهر اللغوية الكبرى في العربية) جدير بالقراءة؛ لأنه ماتع مفيد قادر على أن يترك أثراً واضحاً في الدراسات اللغوية العربية الحديثة.
الإحالات:
(1) دار الرفاعي للنشر، ودار القلم للنشر، حلب، 2006.
(2) د. عبد الرحمن دركزللي، الظواهر اللغوية الكبرى في العربية، ص 24.
الأسبوع الأدبي