واسيني الأعرج وروايته الفائزة بجائزة الشيخ زايد
تحتفي رواية واسيني الأعرج الفائزة بجائزة الشيخ زايد للكتاب،
بشخصية الأمير عبدالقادر الجزائري
بقلم: شوقي بدر يوسف *
وفاء لوعد قطعه على نفسه للشاعرة نور قحطانى، تنازل الروائي الجزائري واسيني الأعرج عن حقوقه المادية في روايتى "شرفات بحر الشمال" و"كتاب الأمير .. مسالك أبواب الحديد" الصادرتين عن دار الآداب عامي 2001، 2005 لجمعيات الأطفال المرضى بالسرطان.
ولا شك أن هذه النزعة الإنسانية الصادرة عن هذا الروائي الكبير قد أضافت إلى رصيده الأدبي رصيداً إنسانياً مفعماً بالحميمية والدفء الإنسانى الخاص.
ولا شك أيضا أن واسيني الأعرج الذى يقول عن نفسه "إنه حفيد أولئك المورسيكيين الذين قدموا من الأندلس عشية سقوطها سنة 1492. وإن انتماءه "إلى هذا التاريخ الوسيط قد شكل له عمقا ثقافيا، وبعداً إنسانياً متميزاً انعكست ظلاله على عالمه الروائي".
هذا العالم المستمد من رؤية وتجربة سردية بدأت في دمشق بظهور العديد من الأعمال القصصية والروائية.
بعد ذلك توالت أعماله الروائية لتضيف إلى رصيد الكاتب وبلده الجزائر مبدعاً متميزاً استند في عالمه الإبداعى إلى الإنسان المعاصر في الجزائر بحالته التى هي عليه الآن، ثم الإنسان العربي في كل مكان.
لذلك فإن واسيني الأعرج هاجسه الذاتي الأساس في كل إبداعه السردي هو وطنه الجزائر الذي عصفت به تيارات معاكسة.
وفي ذلك يقول "أنا مريض بوطني".
وعليه فإن مجمل أعماله الإبداعية تكمن في هذا الوطن الحائر بكل ما يحويه من هموم، وتاريخ، وبشر، وقضايا، وإشكاليات.
ويعد واسيني الأعرج من المبدعين القلائل الذين نجحوا في أن يتجاوزوا حدود الوطن، وأن يفرضوا إنتاجهم الروائي المتميز الغزير على مستوى العالم العربي والعالم الآخر في الوقت نفسه.
وقد لفت واسيني الأعرج الأنظار في أواخر سبعينيات القرن العشرين إثر نشره بعض قصصه القصيرة في مجلة "الموقف الأدبي" السورية.
ولد واسيني الأعرج في الثامن من أغسطس/آب عام 1954 بمنطقة سيدى بوجنان بمدينة تلمسان مسقط رأس محمد ديب. ثم تابع دراسته في الجزائر، ثم في دمشق، حيث مكث فيها قرابة عشر سنوات حاز في نهايتها على درجتى الماجستير ودكتوراه الدولة ببحث عن "الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية والعربية". ثم عاد إلى الجزائر في سنة 1985 والتحق بجامعة الجزائر المركزية كأستاذ للمناهج والأدب الحديث.
درّس في جامعات عربية وأجنبية عدة، وأشرف على فرق البحث العلمي أهمها فرقة الرواية /المجتمع والأشكال. كما أشرف على إصدارات أدبية عديدة.
غادر الجزائر عام 1994 باتجاه باريس بدعوة من المدرسة العليا للأساتذة وجامعة السربون، وهو يعمل حاليا أستاذاً ومحاضراً زائراً بين الجامعة المركزية بالجزائرة وجامعة باريس الثامنة.
بدأت أعمال واسيني الأعرج في الظهور عام 1974 حين صدرت له رواية 'جغرافية الأجساد' عن مجلة آمال بالجزائر.
ثم صدرت له 'وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر' وهي رواية في جزئين صدرت عن وزارة الثقافة بدمشق عام 1981 ثم صدرت 'وقائع الأحذية الخشنة' عن دار الحداثة في بيروت عام 1981، و'نوار اللوز' عام 1983، و'مصرع أحلام مريم الوديعة' عام 1984، و'ما تبقى من سيرة لخضر حموش' عام 1982، و'الليلة السابعة بعد الألف .. رمل الماية' عام 1989. بالإضافة إلى 'سيدة المقام' عن دار الجمل عام 1995، و'ضمير الغائب' عام 1995 عن اتحاد الكتاب بدمشق، و'شرفات بحر الشمال' عن دار الآداب عام 2001. وصدر له بالفرنسية 'حارسة الظلال .. دون كيشوت في الجزائر'، عن دار مارسا، بباريس سنة 1996، و'مرايا الضرير' وصدرت أيضا بالفرنسية عن دار غولياس بفرنسا 1998. كما صدر له الجزء الثالث من ثلاثية 'الليلة السابعة بعد الألف .. المخطوطة الشرقية' عن دار المدى بدمشق عام 2002.
وعالم واسيني الأعرج الروائي بحكم التجربة والرؤية توجد به ثمة خصوصية نادرة في علاقة الكاتب بالمكان، فالجزائر مفتوحة على مصراعيها في معظم رواياته. كما تتميز رواياته بالحفر العميقة التي حفرها في بنية الإبداع الروائي العربي بحيث أصبح عالمه الروائي صاحب بصمة قوية وعلامة متميزة في صدر الساحة السردية العربية على إطلاقها. ففي رواية "ما تبقى من سيرة لخضر حمروش" يواكب واسيني الأعرج لحظات من زمن شخصية "عيسى القط" موظفاً جانباً مهماً من تاريخ الثورة الجزائرية ضد المحتل الفرنسي.
ومن خلال اللحظات الفاصلة في حياة الوطن تبدأ الرواية من لحظة انفضاض اجتماع الفلاحين برئيس البلدية لمناقشة قرار إعادة الأرض لمالكيها ونزعها من الفلاحين استناداً إلى فتوى دينية مصدرها إمام مسجد القرية. مؤدى هذه الفتوى أنه (لا تجوز الصلاة على الأرض المؤممة). ومن خلال هذه المؤامرة الضالع فيها رئيس البلدية وإمام مسجد القرية يرفض الفلاحون الإنصياع للفتوى. ومن خلال شخصية عيسى القط تتواصل الأحداث وتتقاطع حيث جرى تكليفه بتصفية أحد العناصر الضارة بالوطن والدين الإسلامي الحنيف والشعب (على حد قول السلطة الآمرة. لقد وصفه عيسى القط الذى كان زميل الكفاح والنضال بأنه شيوعيُّ ملحد يتوجب إهدار دمه. وأخيرا تتمخض الأحداث عن اكتشاف عيسى القط أنه مغرَّرٌ به شأنه شأن الكثير من المخدوعين.
وتتميز رواية "ما تبقى من سيرة لخضر حموش" باحتفائها البالغ بالمردودات والمأثورات الشعبية في الجزائر، خاصة ما يقترن بها من أجواء الاحتفاليات مثل الأغاني ووشوشات المتسامرين وإنشادات الأعراس والمواسم.
وفي رواية "ضمير الغائب: اغتيال مدن البحر" يجسد الكاتب إعادة البناء العربي، وهي دعوة إلى قراءة جديدة لأوراق المستتب من أفكار وأحوال وضرورة الكشف عن الحقيقة في معطيات حياتنا المعاصرة بقضاياها وهمومها الخاصة والعامة، وذلك من خلال بطل الرواية، وهو صحفي يرغب في تقديم تحقيق حول ملابسات موت والده إبان الثورة الجزائرية، ولكن رئيس تحرير الجريدة التي يعمل بها يرفض ذلك بتأثير من نسق من أنساق المدينة. وعلى الرغم من أن الرواية تنطلق من واقع ذاتى يبحث عن توضيح إلا أن هذا المنطلق ما هو إلا شرارة لبحث جماعى في بنية الواقع وصيغة السائد.
وتعد رواية "سيدة المقام" من النصوص التي كتبها واسيني الأعرج وحدَّد من خلالها تجليات تجربة الهاجس السياسى في أعماله السردية. يبدأ النص بهذه الرصاصة التي تستقر في رأس مريم يوم الجمعة اليتيمة، وتتداعى الأحداث بعد ذلك من خلال الراوي، وهو الأستاذ الجامعي الذى يحمل من إيطاليا درجة الدكتوراه في علم الجمال. إن الراوي يأمل لدى خروجه إلى شارع المجتمع الجزائري أن يتخلص من آلام الاغتراب والمعاناة، ولكن محاولاته تنتهى بالفشل ويعود إلى سجنه الداخلي بعد أن يأس تماماً من عالمه الخارجي، المليء بالدم والمآسي الإنسانية غير المتخيلة.
وتعتبر رواية "سيدة المقام" نبؤة لزخم ما يحدث الآن في الجزائر ومعايشة دقيقة لواقع المجتمع.
إن الفضاء الجزائري داخل النص يتفجر بالأحياء والأموات من خلال قضايا تعلن عن نفسها ويتحاور خلالها الجميع، كل من خلال رؤيته وتجربته الخاصة.
كما تبني رواية "الليلة السابعة بعد الألف .. رمل الماية"، وهي جزء من ثلاثية روائية استلهمها الكاتب من سردية ألف ليلة وليلة، استقطابها على أساس التمييز بين الوراقين والقوالين.
فمن بين المؤرخين الذين يجدون أنفسهم تابعين للخطاب السائد بمؤسساته ومراكزه الآمرة وبين الحكواتي الذي يجوب الأسواق والحارات ليسرد من خلال رويه رؤى الحقيقة التى يجب أن تسود.
إن الكاتب يوظف تجربة "أهل ألكهف" من خلال البشير الموريسكي حيث تتماهى صورته وقصته مع النفر الذين قبعوا هناك في لحظة تجمد وانقطاع داخلي.
وفي رواية "حارسة الظلال" أو "دون كيشوت في الجزائر" يتحدث الكاتب عن مغامرة حسيسن الغريبة التي احتفظ بالجزء المهم منها لنفسه حتى لا يثير الأحاسيس المرهفة وغضب الآخرين، أو بكل بساطة، لأنه خاف من عملية اختطاف مدبرة.
كما يروى قصة وصول دون كيشوت (فاكسيس دى سرفانتيس دالميريا) إلى الأراضي التي زارها جده الأول ميجيل سرفانتيس قبل أن يندثر هذا الأخير ويتحول إلى تربة.
الرواية مستمدة من الموروث السردي الأول للرواية العالمية، ومن شخصية الواهم الكبير دون كيشوت، مصارع طواحين الهواء في تجلياته الإنسانية الواهمة والممثلة للإنسان في كل زمان ومكان.
أما رواية "كتاب الأمير .. مسالك أبواب الحديد"، وهي الرواية التي فاز بها الكاتب بجائزة الشيخ زايد في الآداب عن العام الحالى 2007، فهي في مجملها تحتفي بشخصية المناضل الجزائري الأمير عبدالقادر بن محيى الدين الجزائري.
إنه الأمير المناضل الذي حاول إيقاظ القومية الجزائرية من خلال بناء جيش جزائري وطني يستطيع به محاربة المستعمر الفرنسي، ومن ثم تأسيس الدولة الجزائرية الوطنية الحرة. كما يحتفي النص أيضاً بشخصية موازية هي شخصية قس الجزائر الأول "مونسينيور ديبوشي" الذي ظل يدافع عن الأمير عبدالقادر الجزائري باستماتة شديدة وكرّس حياته كلها لمحاولة تبرئة ساحة الأمير ومحاولة إخراجه من سجنه بقصر "أمبواز" بفرنسا.
ويمثل هذا النص، الذي ترجمه عن الفرنسية مارسيل بوا بالتعاون مع الكاتب، درساً في حوار الحضارات خاصة بين حضارتي الإسلام والمسيحية، بين الأمير من جهة والقس مونسينينور ديبوشي من جهة أخرى الذي يقول في صدر الرواية:
"أعتقد أنه صار اليوم من واجبي الإنشاني أن اجتهد باستماتة في نصرة الحق تجاه هذا الرجل وتبرئته من تهم خطيرة ألصقت به زورا وربما التسريع بإزالة الغموض وانقشاع الدكنة التي غلّفت وجه الحقيقة مدة طويلة".
وقد اختار الكاتب أن يتطرق إلى علاقة الصداقة التي توطدت عبر الزمن بين القس ديبوشي الذي عُين في منصبه سنة 1838 وبقي بالجزائر حتى استقالته سنة 1846.
إن رواية "كتاب الأمير .. مسالك أبواب الحديد" تحمل دلالات القيد التي كانت ترزح تحته الجزائر مدة طويلة من خلال الأمير عبد القادر الجزائري الذي حاول مواجهة الاستعمار الفرنسي في بداياته الأولى.
إن التاريخ في النص ليس هو هاجس الرواية الأول، كما أن الرواية لا تتقصى الأحداث والوقائع التاريخية، إنما هي تستند فقط إلى المادة التاريخية وتستدعي الفكرة فقط من التاريخ وتدفع بها إلى نسيج النص.
إن المتلقي يشعر بخطوات القس مونسينيور ديبوشي، وهو يركض باستماتة بين غرفة الشعب بباريس وبيته للدفاع عن السجين ومحاولة تبرئة ساحته.
لا شك أن هذا العالم السردي المكثف في رؤيته، والخصب في تجربته الحياتية والإنسانية قد وضع واسيني الأعرج على خارطة الرواية العربية المتميزة مما شكل كما يقول هو إنه "ضمير الأوراس".
لقد كتب واسيني الأعرج مغامراً بأدوات الأسطورة والوقائع الغريبة والتجربة الجزائرية وحالتها المحيرة والمثيرة للجدل.
إنه ابن جيل وضع يده على مفاتيح النهوض بأمته من خلال أعماله الروائية وإبداعه الذي شكل خصوصية للرواية الجزائرية المعاصرة.
شوقي بدر يوسف لـِ "ميدل ايست اونلاين"