الحصان – قصّة قصيرة
.jpg)
لم تكن الساعة قد تجاوزت الرابعة إلا قليلا، ومع ذلك فان الشمس قد لمّت ذيولها، واختبأت وراء الأبنية المرتفعة إلى الغرب من ساحة العباسيين، دون أن تخلّف أيَّ أثر للدفء أو النور.
كانت النسمات الباردة التي تضطرب أحيانا، تسوط الوجه وترميه برذاذ خفيف، كان ذلك يدفع الإنسان ليحاول أن يجمع ما أمكن من جسده في حيّز أصغر ليتحاشى تعرُّضَ أوسعِ مساحة ممكنة منه للبرد.
كان السائق الذي ينادي: حمص راكب واحد يكذب، فعندما سمعته للمرة الأولى واقتربت من السيارة الصغيرة، لم يكن فيها أو جانبها أحد، ومع ذلك فقد رد على سؤالي (الآن سنمشي).
ركبت السيارة، ثم نزلت، وجاء ثان، وثالث، ورابع، وخامس، وهاهي حمولة السيارة الصغيرة تكتمل.
واحد من الأربعة كان يرتدي معطفا، ويلبس قفازات، كما كان قد خبَّأ جزءاً من رأسه في شال من الصوف، كانت نظراته التي يرسلها للبعيد تحمل شيئا من الشاعرية، محملة بهموم يبدو أثرها من خلال زفراته التي تحمل ضبابا دخانيا يغطي جزءاً من وجهه.
وحيث ركب اثنان بجانب السائق، فان صاحبنا قال: استأذنكم، فانا أحب أن أركب في الوسط ان لم يكن لديكم مانع، فقلت له:
الواحد لا يستأذن كي يركب في الوسط، بل يلزم الآخرين الركوب في الوسط ليكون الى جانب النافذة، على كل، أنا من جهتي لا أمانع، وهذا ما كان.
اتجهت السيارة غربا، ثم شمالا، توقفت على اشارة، ثم على ثانية، ركبت طريق حمص، والصّمت لايزال يطبق على أفواه الجميع، وما من حركة تسمعها في السيارة، الا ما حاوله كل واحد من الركاب، كي يأخذ الوضع المريح.
كان الظلام يتعمّق، وكان رذاذ المطر يتكاثف على الزجاج، وعندما تحاول المساحة إزالته كان يخلف وراءه ضبابا، يطلي الزجاج، مما يجعل الرؤية صعبة، لذلك فان الركاب كانوا يتسلُّون بمراقبة أضواء السيارات التي تنفذ من خلال هذا الضباب، على شكل خيوط حمراء ضعيفة.
حاول صاحبي أن يكسر جدار الصّمت الذي يخيّم على الجميع قائلا: الحقيقة أنني أحب أن أركب في الوسط، أشعر بالدفء أكثر، فان نسمات الهواء التي تخرق السيارة من هنا وهناك تلسع الانسان؛ توقّف فجأة وكأنه لم ينه حديثه، بدا أنه قد فشل في كسر جدار الصمت، فلم يتفوّه أحد بحرف يمكن أن يشجّعه على الاستمرار.
نظرت إليه بطرف عيني، فبدا مبتسما، وكأن عنده شيئا يريد أن يقوله، لكنَّ ابتسامتي لم تشجّعه على الحديث، فقد بدت السيارة التي كانت تنهب الأضواء التي تلتقي بها وتخلفها وراءها، صندوق أمتعة لا حياة فيها.
أشعل بعض الركاب سجائرهم، وبدؤوا يتسلّون بِعَبِّ دخانِها، وبمراقبة الدخان الذي لا يجد مكاناً فسيحاً ينتشر فيه، فيتلوّى على نفسه ويتداخل ثم يتلاشى مخلّفاً جوّاً خانقا.
حاولتُ جاهداً أن أمتنع عن التدخين، فالبرد القارس منعنا من فتح النوافذ لتغيير هذا الجو المثقل بالدخان والبخار، ومع ذلك عندما أحسستُ أنه لم يبق لي صبرٌ، قلت لجاري: أستأذنك من أجل إشعال لفافة، وقد شعرت بالخجل، فحاولت أن أصطنع نكتة، فقلت: سأمجُّ من هذه السوسة مجّتين فقط.
قال جاري الذي انتظر قليلا ليستمع الى شيء آخر أقوله، وعندما لم أقل شيئا، أجاب بصوت مسموع: خذ راحتك.
لم يعد هنالك ما يؤسَف عليه، حتى صحة الإنسان التي كان يعمل الكثير للحفاظ عليها، أصبحت لا تهمُّه، صَمَتُّ قليلا، أشعلتُ لفافة التبغ، أحسستُ وأنا أدخّن أنني لستُ ضعيفا تجاه عادة فقط، وإنما تافه أيضا، لذلك سرعان ما أطفأت اللّفافة مكتفيا بما ينالني من الدخان المتكاثف في السيارة.
نظر جاري إلي بعتاب قائلا: دخّن يا رجل، لم يبق من العمر ما يستحقُّ الالتزام بشيء، فقد قُطفت سنوات عمرنا الجميلة قبل الأوان.
نظرتُ اليه مندهشاً، أمعنتُ النظر في وجهه الذي بدا في الظلام المخيم على السيارة غامضاً، وقلت في نفسي، ما سرّ هذا الرجل، كانت الأفكار لاتزال تتزاحم في ذهني عندما أكمل وكأنه خاف أن نعود الى الصمت ثانية:
- انظر، انظر، لقد بدأت تمطر ثانية، ما أجمل الخير الذي يأتي من السماء، ما أجمل المطر.
عندما تهطل الأمطار، لا أستطيع أن أجلس في الغرفة، أخرج الى البرندة (الشرفة) وأراقب، أحب أن أرى كل قطرة ماء تهطل، لا أحب أن يضيع علي هذا المنظر الجميل.
والحقيقة أن الرذاذ أصبح مطرا.
كانت قطرات الماء ترتمي على نافذة السيارة الأمامية، مشكلة سيولاً صغيرة، تسارع المساحة الى لمّها، حيث تتشكل السيول الصغيرة، ثم تزيلها المساحات، كان المنظر مسليا، وكان الجميع يراقبونه كل على طريقته، غير أن المطر لم يلبث أن توقّف.
لفَّ الظلامُ السيارة أكثر فأكثر، وأخذتُ أتسلّى بالخيوط الضوئية الحمراء التي تنبعث عن السيارات التي تأتي من الاتجاه المعاكس ولكن تساؤلاتي عن جاري، لا تدعني أفكر بأي شيء آخر.
لم يَطُلْ صمتُ جاري، فلديه كلامٌ يريد أن يقوله، كان كمن يحمل بصّة من الجمر في فمه، فقال:
- ان أجرة هذه السيارة تشكّل عبئاً كبيرا علي، ولكني لم أستطع أن أركب الباص في مثل هذه الساعة وهذا البرد، فآلام المفاصل لا ترحم، لولا ذلك كنا اشترينا بالفارق بين الأجرتين بعض الفواكه للبنات، فقد أصبحت غير قادر على شراء الكثير من الحاجات الضرورية بعد هذا الغلاء الفاحش.
نظرتُ اليه مبتسماً، فتحول الى دورق ماء، مما شجعه على المتابعة وبدأ يسكب ما امتلأ به.
- "لقد رزقني الله ستَّ بنات، لم تكن تلك رغبتي، ولكن الظروف هي التي غلبتنا.
أنجبنا البنت الأولى، فالثانية، فالثالثة، كنا في كل مرة ننتظر صبيا؛ هكذا نحن في الشرق، فالصبي فقط هو الخلف.. هو الاستمرار، وكأن لدينا ثروة نريد أن نورثها، لكن لذكورنا.
لم تكن الأوضاع بهذا الشكل، كنا نأكل ونلبس ونستمتع بشكل ما، ومع ذلك قلت لامرأتي: يكفي يا امرأة، دعينا نربي هؤلاء الفتيات بشكل جيد، فالفتاة بحاجة الى مصروف كبير، ولكنها ترفض وتقول: هذه المرة فقط، أنا اشعر هذه المرة أننا سننجب ولدا.
فأنجبتْ البنت الرابعة، كانت كل فتاة تأتي أجملَ من أخواتها، وأَحَبَّ الى نفسي من سابقاتها، فأحمد الله أن ما أنجبت كان بنتا.
أصرّت زوجتي على إنجاب صبيٍّ، فهو سَنَدُها في أوقات عجزها، قالت: البنت ضلع قاصر، والصهر ابن حرام، وسيركلها بقدمه إن احتاجته في المستقبل، الولد يفتح بيت أبيه ويحفظ اسمه.
قلت لها: حرام يا امرأة، دعينا من هذه الأوهام، لن نحتاج أحدا، واذا متُّ فلك راتبي التقاعدي.
لكني أرى بعد فترة بطنها وقد انتفخ، تضعني تحت الأمر الواقع، حرام قتل النفس البريئة، وعسى أن يكون هذه المرة صبيا.
أتت الخامسة والسادسة، ولم يرزقنا الله ولدا، فقلت لها: يكفي، لا يمكن أن أسمح بولادة جديدة.
كانت الحياة مستورة، بدأت الفتيات يكبرن، وبدأت همومهن تزداد، كنت أنظر الى كل واحدة فأراها وردة، ولكن عندما يجتمعن، وتبدأ الطلبات التي لا تنتهي تنهار أعصابي.
الحقيقة أن البنت جميلة وأنيسة، ولكن عبئها كبيرٌ ويكبر مع الزمن أكثر فأكثر كلما كبرت.
كل واحدة بحاجة الى زوج، من أين تشتري لها زوجا، يكون أبا وصديقا وابنا؛ من كل مائة رجل، لا تجد عشرة رجال يُقدّرون المرأة ودورها.
سامحكِ الله يا امرأة، ولكنها تجيب: من يظن أن الحياة ستصبح هكذا، توكّلْ على الله يا رجل، الله هو الرزاق.
بدأت اليد تقصر أكثر فأكثر، أصبحت أنظر حولي، فأجد الهموم تكبر، الطلبات تزداد، وأنا غير قادر على تلبيتها.
أقول: يا لطيف، ما هذا؟؟ ألا يستطيع الإنسان أن يعيش بكماله وكفايته هنا إلا الحرامي والمرتشي والمهرّب الوصولي الفاسد بشكل عام".
كان رائحة القهر والحنان والخوف تفوح من كلماته، عندما يتحدّث عن الحاضر؛ تحسب أن القهر ينبعث مع كلماته كمن يضرب حجارة على رأسك، وعندما يتحدث عن المستقبل، لا تحسب أنه يتحدث عن عالم مجهول، وانما عن عالم واضح المعالم، عالم ظالم، لا تجرؤ على مدّ أصابعك لتلمسه، تخشاه قبل حدوثه، لكن كلماته عن بناته، تصلك أشبه بتيار من الحنان، يتدفق بهدوء، حيث تشعر أن عاطفة العالم قد تجمعت فيه.
عادت السماء ترسل زخاتها الهادئة، وعاد صاحبنا لتأملها، ما أجمل الخيرات، التي تنزل من السماء، قالها مرة ثانية، الخيرات التي تنزل لتعمّ الوطن، آه الوطن، شيء كبير يا صاحبي، تفرح عندما ترى الخير يغمره، ولكن ماذا يعطي الوطن هذه الأيام ، انه ظالم في توزيع خيراته، لا أحب أن أجرح وطني بكلمة، بغمزة، ولكن مع الأسف لا يستطيع الانسان الشريف أن يعيش في هذا البلد، ان حياة الكفاف فلتت من بين يديه.
كان الركاب قد انكمشوا على أنفسهم، واستمرّ صاحبنا يتكلّم وهو يغوص في مقعده، تخرج الكلمات من فمه متّجهة الى الأعلى كمن يتحدّث من بئر، بدا شاعريا أكثر فأكثر كلما طال حديثه.
- "الظلم صعب، يعطل ملكات الانسان، ينسى الانسان قضاياه الرئيسية، كنا نتكلم عن الوطن والأرض والوحدة، أما الآن فنحن نتحدث عن كيس البطاطا وأسطوانة الغاز.
تصور أن انتفاضة أبطال غزة والضفة الغربية رغم عظمتها، لا تحرك مشاعرنا الا بصعوبة، ان الأمل الذي تبعثه في نفوسنا يبدو وهما، اننا نعيش عصر الإحباط.
الآن بماذا نفكر فقط ماذا سنأكل غدا!
كنت جامحا كحصان، لم تكن هذه الامور الصغيرة تشغلني، ولكن ها أنا ذا مهدل كما تراني، القهر يروض الانسان، سأحكي لك هذه القصة
كان يوجه كلامه لي، كنت ألتفتُ اليه بين الآونة والأخرى، أحاول قراءته أكثر من خلال وجهه، أما الآخرون فبعضهم نام، وآخرون لا يظهر لهم أي وجود.
يقولون كان لدى أحد إقطاعيي قرى حمص حصانٌ جامح، لم يستطع أحد أن يروّضه، أعيا زلم الاقطاعي، كان وكأن أمه قد زنت مع نمر فأنجبته.
أخيرا، قال الاقطاعي:
خذوه الى الحراثة وخففوا طعامه.
بعد شهر، أصبح هذا الحصان كديشا، نعم ، كديشا، هدلت أذناه، انسدل ذيله، وانفرجت ركبتاه، وقتم لونه، أصبح الطفل الصغير يقوده.
وهذا حال الكثيرين منا، لقد أرسلنا الاقطاعي الى الحراثة، فأصبحنا كدشا.
طال الحديث وطال، والطريق طويلة، كان يكرر كلامه أحيانا، تحدث عن الغلاء، وعن ملابس البالة، المدارس، الطعام، اللحم، وعن أشياء كثيرة، كان يصمت أحيانا وهو يراقب الأمطار التي تهطل بين حين وآخر، ويتكلم أحيانا، كان يزداد صوته عمقا، وعاطفته انسيابا.
عندما وصلنا الى حمص، قال السائق منتصرا: الحمد لله على السلامة، شباب.
التفتَ إليّ مُحدّثي وهمس:
- "أنا مفيد عبد الجبلي، أجلس مع شلّة من الأصدقاء، كل يوم اثنين في مقهى الروضة، تجدني في ذلك اليوم بعد الساعة الرابعة، نلعب الطاولة ونثرثر، لا تنسَ الساعة الرابعة، كل يوم اثنين في مقهى الروضة، ومشى كل منا في طريقه".
لم يغب عن بالي أبدا، وقد عقدتُ العزم على زيارته في المقهى، تأخّرت قليلا، ولكني كنت أقرّر زيارته الأسبوع الذي يليه، وهذا ما حدث.
ذهبت الى مقهى الروضة، اسأل عنه، فلا أجده، مرة ثانية وثالثة، أصبح هذا الأمر هاجساً، لكن النادل يقول "غير موجود".
آخر مرة ذهبت لرؤيته، فقال نادل المقهى بأنه غير موجود، سألته: هل هو مريض، قال: تقريبا، ثم جرّني بيدي الى رجل، ظهر أنه يعرف عمّن أبحث، سار معي الرجل خارج المقهى، وقال: من أين تعرف مفيد؟ قلت له: الحقيقة انني لم أره سوى مرة واحدة، وحكيت له كيف رافقته سفرة واحدة.
أليس صديقك؟ قال الرجل؛
قلت: يمكنك أن تعتبر أنه أصبح صديقي، فقد أحببته كثيرا.
قال لي الرجل: أنا صديقه، لم يأت الى المقهى منذ أكثر من شهرين، وهمس مخافة أن أسمع، لا تسأل عنه ثانية.
عدتُ من المقهى أترنّح مستندا على ركبتين فقدتا القدرة على المسير، لم أستطع أن أقول شيئا أو أن أفعل شيئا (إن زمان القول والفعل انتهى)، كنت وأنا أستعرض رحلتنا المعهودة قد تذكرت شيئا غاب عن بالي، (فلت من ذاكرتي)، فعندما تركنا السيارة كل باتجاه بيته، سار الراكب الذي كان في المقعد الأمامي، والذي لم يظهر له وجود ونحن في السيارة الى جانبه، وقال له:
أتسمح يا أستاذ؟ دقيقة من فضلك، وسارا معا، عقد لساني وماتت أحاسيسي غير أني لم أستطع منع دمعة يتيمة حفرت ثلماً عميقاً وحارّاً وهي تسيل على خدي.
أصبحت بعدها أمرُّ أحيانا على مقهى الروضة، أنظر الى الطاولة التي أتصوّره جالساً اليها، صحيح أنني لم أره مرة واحدة هناك، ولكنني كنت أتصوّره جالسا مع رفاقه، يتحدث عن بناته بعذوبة.
كنت أراه في العشرين من عمره جامحاً كحصان.