"أبو سيمون" - هلوسات أبو معد (2)
كانت أمامي ساعتان من الزمن حتى يحين موعد العرض السينمائي في السادسة والربع مساءً حين قادني التسكع الذي هو أحد هواياتي إلى ساحة المرجة.
لفت نظري طفلٌ في حوالي العاشرة من العمر كان يتربع على الرصيف، كانت أمامه قطعة قماش يضع عليها أمشاطاً بألوان مختلفة وينادي بعشرة قروش المشط، فجأة بدأ يصرخ بصوت مرتفع وحاد: (العمى ما عاد حدا بدو يتمشّط، ما حدا إلو شعر) وأخذ يبكي ويكسر الأمشاط.
تجمّعنا بضعةٌ من الناس حوله، لمَّ أحدهم بسطة القماش وعليها ما تبقى من الأمشاط، هدأ الصبيُّ قليلا، لكنه استمر في بكاء صامت، تقدم رجل وسيم في حوالي الأربعين من عمره، أخذ الأمشاط عدّها وحاول إعطاءه ثمنها، رفض الطفل استلام النقود بإباء رغم محاولة الجميع إقناعه.
فاجأنا تصرُّف الصّبي واتّسعت اللمة حوله، بعد جدال طال بعض الوقت، اشترى كلٌّ منا مشطاً واحداً ودفع ثمنه عشرة قروش فقط كما اشترط الصبي، أصرّ الرجل الوسيم على دفع ثمن الأمشاط المكسرة لكن الطفل استمر على رفضه.
اتجهت نحو السنجقدار بعد أن مسّدت شعري قليلاً في المشط الجديد، أيامها كان لي شعر، كنت أصفّفه مرّة إلى اليمين ومرّة إلى اليسار وأحياناً أوزعه على الجانبين بالتساوي، سرت قليلاً باتجاه السنجقدار تفحّصت واجهات المحلات جيداً كما أفعل دائماً، فاجأني بين المحلات مدخلٌ إلى اليمين لم يكن قد استرعى انتباهي سابقاً، كان المدخل يؤدي إلى فسحة تتحلّقها عدة محلات وما يشبه مخفراً للشرطة وفي مواجهتي صالة، وبنوع من حبِّ الاطلاع دخلت الصالة.
داخل المستدار الخشبي كان يقف رجلٌ أحمرُ الوجه والشعر، تتحرك عيناه بقلق مستمر فتبدو مثل كرات الروليت، من الخلف كان يقف بضعة رجال يرتدون ثياباً يمكن أن نقول إنها تشبه ملابس العمل، وقفت بجانب أحدهم وبدأت أتفحّص المكان جيداً، كان أمام كل واحد منهم كأسٌ من العرق وصحنٌ لم أتبيّن جيداً بقايا محتوياته، ويتوزّع هنا وهناك عدة صحون من مخلّل اللفت والخيار والملفوف الذي كان سائداً وقتها.
أخذ الرجل الذي وقفت بجانبه يتفحّصني جيداً، أومأتُ للرجل الأحمر فأحضر لي كأساً اختار مزجه بهواه ثم وضع فيه قطعة ثلج عشوائية الشكل دون أن يسأل عن مزاجي، وما لبث أن أحضر صحنيَ الخاصَّ وقرّب منّي صحنَ المخلل الكبير، كان في الصحن عدةُ حبات من القضامة، تحسّستها بيدي بغية امتصاص ارتباكي فبدت قاسية جداً، وجدت نفسي في مكان غير معتاد بالنسبة لي، فأخذت أعدُّ حبات بذر اليقطين البيضاء فوجدتها سبعاً، فيما أخذ رجلٌ قاسي الملامح، كنت قد وقفت جانبه، يتأملني، فأخذت أُحصي حبات صغيرة الحجم مما كان يسمى بذر العشاق.
تعرفت على بذر العشاق من الإنسان الغزال، الذي كان يتنقل من مكان إلى آخر في مدينة دمشق، لكنّ المرجةَ كانت المكانَ المفضل لديه، كان يجفل كلما سمع صوت جرس الترومواي وهي تجتاز المرجة قادمة من آخر خط المهاجرين إلى دوما، كان يحاول أن يختبئ في جسده يلمّ أطرافه على بعضها فيبدو صغيراً مثل طفل، كان العملَ الوحيدَ الذي أتقنه أكلُ هذا النوع من البذر، كان يخرج اللبَّ من البذرة بمنتهى البراعة، ولذلك كنت ترى بجانبه كومةً من القشر أنّى جلس، أما أنا فقد اعتدت أكل هذا النوع من البذر مع قشره.
الإنسان الغزال طفلٌ لا يعرف أحدٌ كيف انضم إلى قطعان الغزلان، فاكتسب عاداتها لاسيما الجري السريع ولذلك (كما قيل لنا) قطعوا بعضاً من أعصابه حتى يهدأ فأخذ يمشي كالأعرج.
كان الرجلُ ذو الملامح القاسيةً لا يزال يتأملني. قال صامتاً ودون أن يصدر عنه أيّ صوت: ما الذي أتى بهذا الولد إلى هنا، أرفق ذلك بنظرة فيها كثير من الاستغراب، قلت له صامتاً وبدون صوت مسموع أيضاً: أنا أستاذ، فقد كنت وقتها طالباً في دار المعلمين ألبس نظاراتٍ طبيةً وأحمل في يدي جريدة لزوم التدرج في العمل السياسي، يظهر أنّ كلامي لم يعجبه فألحّ في تفحّصي وقال بلا صوت أيضاً: ومع ذلك ما الذي أتى بك إلى هنا، فقلت: أنا أستاذ قديم عندما انتقلت للدراسة في ثانوية القلمون وفي الصف السادس أخذ كلّ سكان الحارة بل القرية ينادونني (أستاذ)، وحيث أنني كنت في القسم الداخلي ولا أعود إلى القرية إلاّ في أوقات متباعدة كان الناس عندما يروني ألبس بنطالاً يقولون أتى الأستاذ.
كان لا يزال ينظر إليّ بتأمّل لا يمكن تفسيره إلاّ من خلال ملابسي وسنّي الصغير، ولذلك كان ردّه عملياً وسريعاً: أمسك كأسه فجأة بكافة يده وردّ محتوياته في جوفه دفعة واحدة، كان الثلج قد تلاشى من كأسي، أمسكته بهدوء وبثقة مفتعلة بالنفس ورددت كأسي مثله ونظرت إليه بجرأة لأول مرة، كان كل شيء فيه ينبع قساوة، تفحّصته بدقة مثلما فعل معي، في هذه اللحظة التي طالت كثيراً كان الأحمر قد ملأ كأسي وكأس جاري، كانت قطعة الثلج أصغر من الأولى فتلاشت من الكأس بسرعة، مرةً ثانية ردّ كأسه بغضب، أمسكت الكأس الثاني ورددته بأسرع مما فعل.
نظر الرجل ذو الملامح القاسية إلى الرجل الأحمر وقال بنبرة فيها بعض الغضب: آرام بسرعة هات كرسي للأستاذ (بعد شوي ما بتعود تحملو رجليه).
أجبت بعد لحظة طالت قليلاً وبصوت هادئ: (أنا ما بجلس إذا كنت عم بشرب عرق).
نهض بكتفيه قليلا وقال بحمق صب آرام! فسارع آرام الذي كان يراقب ما يحدث بعد أن تطور قلقه إلى فزع وصب لكلينا.
شفّ الرجل ذو الملامح القاسية من كأسه شفّة واحدة، حملت كأسي بهدوء وشربت منه شفّة واحدة، تلمّظت وقلت كما اعتدت دوماً أح! في هذه المرة نظر إليّ الرجل ذو الملامح القاسية بشكل عادي ابتسم بالقدر الذي يستطيعه وقال: وحياة عرضي معلم.
ساد هدوء حذر على الصالة إن صحّت التسمية، وشارك الآخرون بالحديث لملمتُ نظاراتي وجريدتي وهممت بالذهاب ومددت يدي إلى جيبي كي أحاسب، نظر إليّ جاري بكلِّ جسمه الضخم وقال: عيب الحساب واصل (كمان نحنا معلمين).
لم أحاول ثنيه عن عزيمته، مددت يدي صافحته وقلت (أحمد حسن) شكراً، شدّ على يدي وقال: (أبو سيمون)، وأضاف بصوتٍ وديٍّ وهادئ (لا تنسانا خلينا نشوفك أستاذ)، صحيح آرام بخيل، بس شي مرة (بيبحبح المخللات وبيغلط في عد الزيتونات).
ذهبت إلى السينما لم أجد محلات في سينما الدنيا حيث كانت تعرض فيلما كوميدياً لجيري لويس ودين مارتين، فذهبت إلى سينما دمشق بناءً على اقتراحٍ من أحد زملائي، كانت تعرض فيلماً مصرياً اسمه وفاء من بطولة عماد حمدي وقد نسيت اسم بطلة الفلم.
كنا مجموعة من طلبة القسم الداخلي في دار المعلمين قد التقينا كعادتنا في بوابة الصالحية، كان الوقت قد تأخر فأبواب القسم الداخلي تغلق التاسعة مساء، ركبنا عربة سوداء واتجهنا إلى دار المعلمين، في الطريق أوقفتنا مفرزة عسكرية قبل أن نمرّ بجانب ما كان يسمّى قصر الضيافة في أسفل شارع أبو رمانة وحولتنا باتجاه شارع بيروت.
في اليوم التالي عرفنا أنّ ما جرى أمس كان انقلاباً عسكرياً ضد أديب الشيشكلي في أواخر شباط 1954، كانت الحصة الأولى ليوسف خليفة مدرس اللغة الإنكليزية وهو واحد من عدة مدرسين مصريين كانوا لامعين، وأغلب ما كان يميزهم العلاقة الطيبة والصراحة غير المعتادة مع الطلبة الذين كانوا في طريقهم لممارسة مهنة التعليم، لم يشأ كما يبدو الدخول في نقاش حول الانقلاب الذي لم تكن قد ظهرت معالمه فسأل ما رأيكم بأفلام الأسبوع؟ ونظر إليّ حيث كنت أمامه وقال: إيه يا شيخ أحمد! قلت أنا شاهدت فيلماً مصريّا اسمه وفاء، حدّق فيَّ بما يشبه التعجب مع الاشمئزاز وقال إيه! قلت: أعرف أنّه لا يعجبك، لكنّك متحامل على السينما المصرية، لماذا لا تراه ثم تحكم عليه؟ وبسرعة بديهته المعهودة قال: وقتي أثمن من أن أضيِّعَه في سخافات كهذه، إلى سينما العباسية يا ابني تعرض فيلم (بْرِزنر أف زندا، prisoner of zenda سجين زندا) فيما بعد شاهدنا هذا الفيلم في سينما الفردوس كان من بطولة وإخراج أورسون ويلز، وكان فيلماً رائعا.
كنا من عشاق سينما الخمسينات وكان شغفنا هذا بتشجيع من بعض أساتذتنا ومنهم الأستاذ زكي الأرسوزي الذي كانت الحصة الثانية من نصيبه، دخل الصف واستعرض وجوهنا كعادته وبدون أن ينتظر سؤالاً من أحدنا عن رأيه في الانقلاب، دخل في الموضوع فوراً وشكّك في الانقلاب من المخطّطين إلى المنفّذين إلى الذين سيتسلمون مقاليد الحكم، ولم ينس التشكيك بأديب الشيشكلي وبالعهد السابق.
كان أديب الشيشكلي قد قام بانقلابه الأول نهاية عام 1949 السنة التي شهدت ثلاثة انقلابات، أولها كان انقلاب حسني الزعيم وهو الانقلاب الأول ضدَّ حكم دستوري لم يكن قد رسّخ أقدامه، بقي الشيشكلي حاكماً من وراء الآخرين حتى عام 1953 حيث أسّس حزباً سمّاه حركة التحرير، وأجرى انتخاباتٍ نيابيةً واستفتاءً على إعلانه رئيساً للجمهورية، واستفرد بالحكم بشكل صريح تميز بالاستبداد وملاحقة الأحزاب التي عارضت إجراءاته.
الاستاذ الأرسوزي كان أحد أبناء لواء اسكندرون الذي كنّا نسميه حينها مسلوباً ومن الذين غادروه عام 1939، كان مدرس الفلسفة وعلم النفس ومع ذلك كان يدرسنا كلّ شيء ويناقش معنا كافة المسائل ماعدا مادة الفلسفة وعلم النفس الذي يفترض أن يدرسها، وكان أكثر ما يميِّزه ضلوعه في فلسفة اللغة العربية من حيث نشأتها ومحاكاتها الطبيعة وأصواتها والتي كان يفرد لها وقتاً في كلِّ حصة وكتب فيها عدة كراسات.
علمنا زكي الأرسوزي كثيرا، وكان يجيب عن أسئلتنا كيفما كانت، وأطلعنا على كثير من الأمور السياسية والاجتماعية، وأكثر ما نجح فيه أنه أدخل في أذهاننا عقلية المؤامرة التي لا تزال تسيطر على العقل العربي حتّى الآن، والتي تُعدُّ من وجهة نظري السببَ الرئيسي في انتكاساتنا حيث تحجبنا عن فهم الواقع بشكل صحيح.
بعد التخرج ولفترة طالت أصبحت من مريدي الأستاذ الأرسوزي، أتردد عليه في مقهى الهافانا، عرفني على كثير من الأدباء والمثقفين الذين كانوا يتردّدون على المقهى، ومن خلاله تعرفت على ما يسمى اتحاد الكتاب السوريين أو العرب أو اسم قريب من ذلك لم أعد أذكر.
قبل الانقلاب عشنا فترة مظاهرات مع غيرنا من طلاب المدارس الثانوية، على إثر ذلك علَّقتْ وزارةُ المعارف الدروسَ في دار المعلمين مدة واحدٍ وعشرين يوماً، وقد سرنا ذلك كثيرا وكان أكثر ما سرنا في إغلاق المدرسة أنّهم أعطونا راتباً كاملا عن تلك الفترة لأننا لم نأكل ونبيت في المدرسة.
عدنا إلى الدوام ولم تلبث المظاهرات ضد الشيشكلي وحكمه أن استؤنفت لم نكن قد ابتعدنا كثيراً عن دار المعلمين التي كانت في منطقة بساتين أصبحت فيما بعد تسمّى حيَّ المالكي كأرقى سكن في دمشق عندما اعترضتنا الشرطة، بدأت مناوشاتنا مع الشرطة بين فرٍّ وفرٍّ وكرّ، أعادونا إلى محيط دار المعلمين، اشتبكنا في البساتين المحيطة بالأيدي دون عنف يذكر، كان الجوّ بارداً وكانت الحجارة المبللة بالطين كتلاً من الجليد لذلك كانت أسلحتنا أضعف، وقف أحد الطلبة وكان اسمه على ما أذكر كمال خولي صعد على أحد الجدران وأخذ يصرخ "يسقط الدكتاتور أديب الشيشكلي" فلم تكن كلمة طاغية قد شاعت، لم أعد أذكر بالضبط كيف هدأ الحال.
في اليوم التالي أتى شخصان من المخابرات وطلبا من مدير دار المعلمين مقابلة الطالب خولي، استدعاه وقال له: يا ابني هؤلاء من المخابرات يريدون مقابلتك، الخيار يعود لك أن تقابلهم منفرداً، أو تقابلهم بحضوري، وإن شئت ألاّ تقابلهم فهذا شأنك! اختار الطالب الخيار الثالث.
سقا الله تلك الأيام، كان راتب الحسامي من حزب الشعب وكان يعرف أن كمالَ الخولي شيوعيٌّ.
بعد حوالي أسبوع من الانقلاب لم نعد نرى الأستاذ راتب الحسامي مدير دار المعلمين، حيث حلّ مكانه المؤرخ والأديب شاكر مصطفى، وقد علِمْنا أنّ الأستاذ الحسامي عاد إلى المجلس النيابي كعضو منتخب فيه عن حزب الشعب عام 1950.
كنا نتقاضى في القسم الداخلي خمساً وعشرين ليرة ومن كان في القسم الخارجي يتقاضى خمساً وسبعين ليرة، كان هذا المبلغ المتواضع يعادل من حيث قيمته الشرائية ما مقداره الآن أعلى راتب في وقتنا الحاضر بدون أية مبالغة.
كان الأستاذ شاكر مصطفى يهتم بهندامه كثيراً، ولذلك كان أول ما قام به هو تفصيل طقمين جيدين من أجواخ دياب عند خيّاطه الخاص الذي كان في أسفل شارع النصر، وأذكر أنّ كنيته كانت زيتونة الذي وافق على الدفع بالتقسيط وبمبلغ خمس ليرات شهريّاً، وأخذنا قبل أن نتخرّج ونصبح معلمين نرتدي طقماً وربطة عنق.
قبل أن أذهب إلى الخان ذهبت إلى الحلاق وقصصت شعري، يومها (كما ذكرت سابقاً) كان لي على رأسي شعرٌ، وقفت أمام المرآة أرتِّب هندامي فيما كان صبي الحلاق يحوم حولي بالفرشاة، ويحاول مساعدتي بشكل مبتذل، أعطيت الصبيَّ عشرة قروش فرافقني إلى الباب شاكرا، قارنت بينه وبين صبيّ الأمشاط فبدا الفرق شاسعاً، الآن وأنا أتذكّر الحادثة وقد ازدادت معارفي عرفت لماذا يرفض أهالي الصين دفن الحلاّقين في مدافنهم العامة.
دخلت الخان لم يكن (أبو سيمون) قد وصل، كنت قد التقيت معه عدة مرات فتوثّقت العلاقة فيما بيننا، وأخذنا نتحدّث بشؤون العمل والعمال، نختلف ونتّفق كانت الفترة بين عاميّ 1954 و 1958 فترة ازدهار الديموقراطية للمرة الأولى والأخيرة في تاريخ سوريّا، وفي خريف 1954 جرت انتخابات حرة ونزيهة أشرف عليها القاضي اسماعيل قولي، ودخل المجلسَ النيابي اليسارُ السوري من شيوعيّين وبعثيّين ومستقلين علمانيّين، قال أبو سيمون:
المثقفون يتسَلَّون في قضايا العمال ويتعربشون على أكتافهم قلت له: الطبقة الوسطى هي القادرة على قيادة المجتمع وقيادة الطبقة العاملة، قال أبوسيمون: أنت تدافع عن نفسك وعن حزبك وأنا أكره الأحزاب قلت له بدون أحزاب لا يقوم المجتمع ولا تجد من يتبنّى حقوق العمال والمجتمع، ضحك أبو سيمون وازدرد شفّة عرق.
تخرجتُ معلماً وعيّنت في جبل الدروز في بلدة عرمان، ومارست العمل السياسي كمسؤول ميدانيّ، واختلطت مع أفراد مختلفة المعارف والثقافة والديانات من معلمين ومعلمات وأهالي، وكوّنت مع أحمد الأشرم وحسن خليل (الذي كان من أوائل القتلى على يد التطرف الديني) بينما مات الأول أو قُتل أيضاً على يد أطباء جهلة فوق سرير العملية الجراحية.
كنّا مجموعة متميزة من المعلمين والمعلمات الوافدين إلى القرية، كان بعضنا يمارس السياسة وكلّنا يمارس النقاش والمطالعة، كنّا نختلف غالباً ونتّفق أحيانا، وأهم ما اتّفقنا عليه كان ممارسة التحرر، كان بين مدرستي الذكور والإناث تلةٌ صغيرة تلمُّنا أثناء الفرص فنتابع نقاشنا ونقرأ قصائدنا، كان في مدرستنا معلمٌ متخلّف أكثر مما يمكن، كان همُّه الوحيد مراقبتنا بكثير من الحسد واللؤم، لذلك يقول عندما يرانا على التلّة صعدوا على المزبلة، وأكثر ما كان يؤلمه رحلاتنا أيام الجمعة إلى صلخد مشياً على الأقدام.
أصبحت أنزل إلى دمشق في أوقات متباعدة، ذهبت إلى الخان في وقت توقّعت أن يكون فيه أبو سيمون فوجدته، استقبلني بشفّة عرق من كأسه وقبل أن آخذ نفساً سألني ما حكاية صاحبك؟ سألت وعن أيّ صاحب تتحدّث! وضحكت، كانت قصيدة نزار قباني (خبز وحشيش وقمر) قد شغلت الصحافة والأحزاب حتى الأوساط الشعبية والمجلس النيابيّ أيضاً، وقد طالب النائب عبد الرؤوف أبو طوق عضو الكتلة الإسلامية بإعدامه، لكنّ ما حدث هو أنّ المجلس النيابي والصحافة والناس الذين كانوا فرحين وهم يتنفّسون طلائع الديموقراطية، رفضوا حتى معاقبته مسلكيّا كقنصل في السلك الدبلوماسي، أخذتْ القصيدةُ تنتشر والناس يردّدون مقاطع منها في سهراتهم، وأخذ الطلب يزداد على مجلة الآداب التي نشرت القصيدة، كما قامت كثيرٌ من الصحف المحلية والعربية بنشر مقاطع منها، كان ما حدث قد شكّل صفعة للاتجاه الديني المتزمّت والذي كان محدوداً وضعيفاً في تلك الفترة.
قلت لأبو سيمون شو رأيك؟ هزّ كتفيه وضمّ فمه وسكت، شربنا وتحدثنا طويلاً عن القصيدة وعن المجلس النيابي الذي كنّا نعتبره رجعيّا، وحتى نخرج من الموضوع قلت له: هل تذهب إلى السينما؟ فوافق.
كان الفيلم (dance in the rain الرقص تحت المطر) كان الفيلم من تمثيل وإخراج جين كيلي مع الجميلة ديبي رينولدز، لا يمكن لشيء أن يكون ممتعاً أكثر مما رأيناه، كان جين كيلي (الذي يحمل اسم بنت) يرقص على أنغام حركة رجليه، بينما تطير ديبي رينولدز وتحوم حوله كفراشة تبحث عن نار تحرقها، سألت أبو سيمون: هل تجيد الرقص؟ أجاب بدون تفكير: طبعاً ولكن ليس كما يفعل هذا الممثل! ولكن لو كانت أمامي فتاة مثل هذه الممثلة لتفوقت عليه.
Gene Kelly and Debbie Reynolds
ذهبت إلى عرمان وابتكرت لنفسي مهنة جديدة، أخذت أنجِّم في فنجان القهوة للمعلمات، فاتّسعت الدائرة وأخذت المعلمات الوافدات تأتين من كل أنحاء الجبل، لم أكن أجد أيّ تناقض بين حياتنا الخاصة وعملنا السياسي، بخلاف كثير من الناس المتزمتين.
الآن وأنا أكتب هذه الهلوسات‘ وبعد خمسين عاماً من خدمتي الإلزامية، أذكر أنّي أخذت أمارس لعبة البردج في إزرع مع الضباط المصريين، ناداني الصديق الشاعر علي الجندي (الذي كان منفتحاً أكثر من اللزوم والذي مضى على وفاته اليوم سنة كاملة بالضبط والذي كان يخدم الإلزامية في نفس المكان) حيث نقل لي رسالة من رفاقنا المتزمّتين وبلّغني استياءهم من سلوكي (مع أنّ حزب البعث كان قد حُلّ اعتباراً من 22 شباط 1958) امتثلتُ لأمر الرفاق مع أنّ هذا الأمر سبب لي مشاكل مع قائد سريّتي المصري العبقري حامد الخولي.
مجموعة كبيرة من المعلمين والمعلمات اتّجهت من عرمان إلى صلخد. كان ذلك أواخر عام 1957، تسابقنا في الجري ولعبنا الكرة، صفّقنا ورقص من يستطيع ذلك، أكلنا ونجّمت للبعض في الفنجان، كنت أدغدغ عواطف الفتيات بجمل معسولة عن حبٍّ لا يزال في طيّ الغيب، ولم نكن نعرف ماذا ينتظرنا، كانت عرمان قد أخذت تلوك الخبر من لسان إلى لسان ومن بيت إلى بيت.
بعد يومين استدعينا ثلاثتنا إلى السويداء لمقابلة مدير التربية، قال أحمد الأشرم الذي كان مديراً: أنا أذهب وحدي ولا يمكن أن نعطّل الدراسة، عندما عاد وكان قد قابل الشاعر والأديب سلامة عبيد مدير التربية في حينه بدا ضاحكاً، قال لقد أقنعت المدير الذي كان عضواً هاماً في حزب البعث أننا نستفيد من هذه التجمّعات والرحلات في النشاط السياسي وكان ثلاثتنا في حزب البعث.
كنت أمين شعبة أو فرقة حزب البعث العربي الاشتراكي في عرمان لم أعد أذكر التسمية بالضبط، عندما أعلنت الوحدة، ألقيت قصيدة أمام جمهور كبير من عرمان ومن القرى المجاورة أذكر مطلعها:
هتف الإله فضجّت الأرجــاء وتعــــالت الأصوات والأنبــــاء
البعث هلّ وهذه أصــــــــداؤه ملء الدّنـــى أنــواره الوضـــــاء
كانت قصيدة من الشعر الوطني المهترئ تهتم بالقافية وباستجرار حماس الجماهير لمزيد من التصفيق والهتاف.
حُلَّ حزب البعث كغيره من الأحزاب، أما على مستوى القواعد فقد بقي الحزب لفترة ما قائماً، واستمرت الاجتماعات الدورية كأنّ شيئاً لم يحدث، ولأننا شركاءٌ في إقامة الوحدة اعتبرنا كقواعد أنّ اجتماعاتنا مشروعة وأنّنا من أهل البيت.
اليوم وبعد أكثر من خمسين عاماً أعتقد أنّ الوحدةَ قامت كهروب من ديموقراطية فتيّة لم نكن أهلاً لممارستها فكيف إذا كانت بحاجة إلى تنمية وتطوير، وعلى الأغلب لسنا جديرين بأمر كهذا حتى الآن.
جرى استفتاء على الدستور ورئيس الجمهورية على ورقة واحدة فكحّلنا الدائرتين بنعم، كان الاستفتاء ديموقراطيا حراً وعلى قدر المسؤولية التي حملنا إيّاها القَسَمُ الذي أدّيناه كأعضاء في لجنة الانتخابات، ولذلك انتخبنا عن الأحياء الحاضرين والغائبين، وعن المهاجرين إلى فنزويلا، وعن بعض الأموات ممّن واتاهم الحظ وساهموا في نجاح الاستفتاء وقيام الوحدة.
الأمر الهام الذي لازلت فخوراً به حتى الآن، أنني كنت أعتبر نفسي في حينه صاحب قضية! وأنني شريك كغيري في القرار، تركت حزب البعث إلى الاشتراكيين العرب ومن ثم الماركسيين العرب ثم الحزب الشيوعي، وبقي نفس الشعور يلازمني، الآن لا أدري لماذا أشعر بأنّي لا دخل لي في قضية ولا في قرار، حتى الأخبار المحلية أسمعها بحيادية تامة.
كان الربيع قد بدأ يدنو فارتأيت أن أذهب إلى دمشق، وصلت حوالي الساعة التاسعة، أسرعت في الذهاب إلى السينما، صادفت عازف البزق المشهور محمد عبد الكريم، الذي كان من مدمني السينما ومقهى الهافانا.
كان اسم الفيلم كما ترجم: "لـِـيلي في الحب المزيف"، وكان بطلا الفيلم: ميل فرِّير ولسلي كارون، أدى ميل فرّير دور محرك دمى يشبه كراكوز وعيواظ، كان يحرك الدُّمى ويتكلم من وراء الستار، وكانت لـِـيلي (لسلي كارون) تصدق اللعبة وتعتبرها حقيقية، لذلك كانت تتحاور مع الدمى بمنتهى التلقائية، تتألّم لأحزانها وتفرح معها بابتسامتها البريئة تغنّي وترقص معها على أنها كائنات لها حياتها الخاصة.
كانت صداقة تجمع بين بطلي الفيلم، وبعد كل عرض كانت الصداقة تنمو بينهما، وليلي لا تعرف ماذا يجري خلف الستارة، اكتشفت ليلي بعد فترة اللعبة فصُدمت واعتبرت ما كان يجري خداعاً لها وللأطفال، قاطعت صديقها الذي كان يوضح لها كنه الموضوع لكن دون جدوى، وأخيراً وحتى يلمَّ الله الشمل سامحته وشاركته في العمل وانطلقا في الشارع يرقصان في وصلة من أجمل ما شاهدت من رقصات، كان ميل فيرير يجري راقصا ويمسكها بيده ثم يدور في مكانه وتدور حوله مثل حمامة، يرفعها فتطير كفراشة ويجريان معاً كالنسيم الهادئ فيما كان الأطفال الذين يتابعون العرض يجرون وراءهم راقصين.
ذهبت إلى فندق عابدين في السنجقدار، كان فندقاً متواضعا ومقبولا أجْرُه في الليلة ليرتان ونصف، في الصباح طلبت فنجان قهوة، شربته وذهبت كي أحاسب فلم أجد في جيبي فراطة مع أنّني عندما ذهبت مساء أمس إلى السينما أعطيته خمسين ليرة ولابد أن يكون قد أعاد لي الباقي، قلت ربما تكون قد فُقدتْ مع أني ذهبت فوراً إلى الفندق.
ذهبت إلى نفس السينما لعرض الساعة العاشرة والنصف صباحاً، وقفت في الصف وعندما جاء دوري أخبرته بما ظننت أنه حدث، قال لي أمس لم أكن في حفلة الساعة التاسعة، ولأن الأستاذ الأرسوزي علّمنا الشكّ قلتُ في ذهني "يريد أن يبلع البقية"، سألته: وهل تعرف من كان أمس؟ قال: نعم وعنده تلفون. بِلا طلب مني أمسك السماعة وطلب رقماً، حكى له القصة، فأخذ يعد النقود وأعطاني تسعاً وأربعين ليرة وربع، وهو يقول "إنّ زميله عدّ الغلّة فزاد معه هذا المبلغ، ولو لم تكن أنت صاحبه لما عرفت ذلك"، من هذه الحادثة تعلمت أنّ للأمانة قيمةً كبيرة.
ذهبت إلى الخان في الوقت الذي يمكن أن يكون فيه أبو سيمون، قام آرام بالخدمة المطلوبة منه ووجهه يقطر سمّا، شربت كأساً من العرق ووجه آرام يزداد تجهُّماً وينظر إلي خلسة، انفجر آرام في البكاء نظر إليّ وقال: أبو سيمون خلاص حبيبي ماعاد في أبو سيمون أبو سيمون مات، قال ذلك كطالب يُسمِّع درس محفوظات، كنت لا أزال ساهماً وآرام يتحدث بعد أن استردَّ شيئا من هدوئه وأنا لا أعي شيئا، شربت كثيراً وأخذت بطحة عرق بعد أن عرفت منه مكان المقبرة والقبر.
نظرت إلى داخل القبر كان أبو سيمون قد تعرى من لحمه، تمعّنت فيه فرأيته ازداد طولا، وبدت أصابعه المبعثرة تشبه المذراة، شربت شفّة من البطحة وصببت لأبو سيمون شفة على رأسه، تصورت أبو سيمون يقف على صبّة القمح وهو يذري بأصابعه فضحكت، صببت له شفّة أخرى فبدأت أصابعه تتحرك وبدأ ينبت على جلدي ما يشبه المسامير، أخذت أشرب شفّة وأصب له شفّة فبدأ اللحم يكسي عظامه، كنت كلما صببت له شفّة تظهر ملامحه أكثر، رفع رأسه وبدأ القبر يتفكك وقد خرج أبو سيمون من القبر، نقزت من غفوتي مرعوباً فلم أعد أرى أبو سيمون كانت بطحة العرق قد فرغت، وبالكاد استطعت الوقوف، أحسست بشيء ما يلمس كتفي فجفلت مرة ثانية، نظرت إلى الخلف كان آرام يقف وقد أسند يده على كتفي، ودمعة حارّة سالت من عيوننا في وقت واحد.