يوم في حياتي
اسكندر نجّار *
أستيقظ كل صباح متسائلاً: "لماذا أستيقظ؟".
نعم، لماذا يستيقظ المرء في بلدٍ قُضي على أحلام أبنائه وفي عالم يسوده الحقد والعنف.
أنهض وأسارع إلى تقبيل ولديَّ قبل ذهابهما إلى المدرسة. بعدها أقرأ الصحف، أستحمّ، أرتدي ملابسي ثم أخرج من المنزل متوجِّهاً إلى قصر العدل في بيروت حيث أحضر جلسات المحاكمة أو أجول في أقلام المحاكم للاستفسار عن مصير بعض الملفّات العالقة في زمن أصبح فيه المتقاضي يحلم بأن تنتهي قضيته وهو لا يزال على قيد الحياة. ثم أزور بعض الزبائن للتداول في قضاياهم ومشكلاتهم. بعد الظهر، تتتالى المواعيد في مكتب المحاماة الذي تدرّجتُ فيه والذي أديره اليوم بعدما أصيب والدي بوعكة صحيّة أجبرتْه على ملازمة المنزل. أغوص في هموم الناس، أصغي إليهم متذكّراً ما كان يقوله والدي: "إياك أن تعطي الزبون آمالاً خاطئة". ثم أنكبُّ على صوغ العقود واللوائح والاستشارات. أحيانا، أزور وزارة الثقافة حيث أتداول مع المسؤولين فيها في بعض الملفات المتعلّقة بالكتّاب والفرنكوفونية، فأشعر بالحسرة على ما كان يمكننا أن نفعل لو توافرت لدينا الإمكانات البشرية والمالية، وعلى ما وصلتْ إليه البلدان العربية فيما نحن نراوح مكاننا بسبب وضعنا المتردّي. بعدها، أعقد اجتماعات مع زملائي في المكتب فأطّلع منهم على مجريات الأمور وعلى كيفية سير الدعاوى وأوقّع بريدي. يسألني البعض: كيف توفّق بين عملك كمحامٍ وشغفك بالكتابة؟ الجواب هو أني لا أخلط بينهما فأخصّص وقتي في المكتب للحقوق ووقتي في المنزل للكتابة. أعشق المحاماة لأن المحامي رجل فعل يكافح الظلم ويصون حقوق الناس، فيما الكاتب رجل فكر وتأمّل. قاسِمُهما المشترك خدمة الحريّة وسلاحهما الكلمة في سبيل العدالة والحقيقة.
عند حلول الليل، أستقلّ سيارتي وأعود إلى منزلي مستمعاً إلى نشرات الأخبار. فور دخولي البيت، أقبّل ولديَّ في فراشهما. "ما هي مشاريعنا لعطلة نهاية الأسبوع؟"، يسألني الصغير. "سنذهب إلى جبيل فنزور القلعة ونركب زورقاً"، أجيبه مقبّلاً جبينه. فيبادر شقيقه إلى السؤال: "وأنا؟ أي فيلم سأشاهد معك؟". إبني الأكبر يعشق السينما الى درجة أني أصبحت، بفضله، خبيراً في الأفلام الخاصة بالأطفال. أعلم علم اليقين أن الزمن يمرّ بسرعة وأن العمل يسرق منّي أجمل اللحظات التي يمكنني أن أمضيها برفقة من أحب. ولكن، ما في اليد حيلة! بعدها أتصل بوالدتي لأطمئن عليها وعلى صحّة والدي، ثم أتناول العشاء أمام شاشة التلفزيون. بعدها، أدخل مكتبي حيث بات من الصعب الدخول بسبب تراكم الكتب على الأرض. أين أضعها؟ ضاق بي المكان ولم يعد مكتبي يستوعب المزيد! أبدأ بقراءة الرسائل الإلكترونية المرسلة إليّ من القرّاء والأصدقاء في مختلف أنحاء العالم، فأجيب وأنا أحمد الله على هذا الإختراع الذي أحيا لدى الناس حبّ المراسلة بعدما افتقدوه تدريجياً بسبب الهاتف، فأعاد التوازن بين الكتابة والكلام. ثم أطالع المقالات المرسلة إليَّ من أجل نشرها في الملحق الأدبي الشهري "لوريان ليتيرير" الذي يصدر في أوّل خميس من كل شهر مع جريدة "لوريان لو جور" وقد كان لي شرف المساهمة في إحيائه. بعدها أبدأ بالكتابة حتى ساعات الصباح الأولى، أحاول أن أنهي فصلاً من روايتي المقبلة بخطّ اليد، ثم أقوم بطبعه على الحاسوب مصحّحاً بعض العبارات وحاذفاً المقاطع التي لا تعجبني. أطبع الفصل على الورق وأقرأه من جديد مصوّباً ما يقتضي تصويبه. لعلّ أصعب مرحلة من مراحل الكتابة هي المرحلة التي يقوم فيها المؤلّف بتصحيح نصوصه إذ يستلزم ذلك نظرة موضوعية وصبراً وجرأة. بيد أن الكتابة ليست مرهقة بالنسبة إليَّ إذ أعتبرها نزهة في عالم الخيال، فأجد نفسي سعيداً برفقة قلمي أمام الورقة البيضاء وكأن التعب المتراكم خلال يوم العمل الذي أمضيته زال بأعجوبة عن كاهلي. قبل بـزوغ الفجر، أنظر إلى الساعة بقلق، فأنهض وأدخل الفراش، أغفو فوراً من شدّة النعاس. قبل أن أنـام، أقول لنفسي: "بلى، أعرف لمـاذا سأستيقظ!".
* كاتب لبناني