"الفن المزيف كثير البهرجة فيما الفن الحقيقي متواضع"
نيتشه
في الطرف الجنوبي من مدينة درعا، قريباً من المقبرة، يستوقفك كوخ من صفائح التنك والطوب، يذكرك بكوخ الحُطيئة في الجنة، الذي ذكره المعري في (رسالة الغفران)، أو بكوخ العم توم للروائية الأمريكية الشهيرة هنرييت ستاو.
إنه مشغل الفنان النحات المبدع إبراهيم أبا زيد. يستقبلك ببشاشة وحفاوة. وهناك تلحظ في عينيه مرارة لا تخفيها ابتسامة لطيفة ترتسم على شفتيه.
إبراهيم إنسان متواضع وعفوي. تلحظ ذلك في حديثه وفي إجابته عن أسئلتك. لم تفتنه الشهرة. فقد تحدثت عنه وصوّرت منحوتاته أكثر من أربعمئة محطة تلفزيونية، وزاره صحفيون وفنانون من بلدان عربية وأوربية. وعرض عليه السفير الإيطالي في دمشق أن يأخذه إلى روما ليدرس هناك أصول النحت على يد أكاديميين. فشكره قائلاً: "إنني لا أتقيد بأصول، ولا ألتزم بمدرسة فنية معينة، بل أنحت ما تمليه علي مخيلتي". وأضاف مازحاً: "لو أن مايكل أنجلو دخل مدرسة لما أبدع، عندما أنحت الحجر أشعر بنغمات الإزميل الموسيقية".
هذا الفنان العبقري، يمارس النحت في أوقات فراغه. عمله الأصلي الذي يعيش منه هو تصليح السيارات والتراكتورات. زرناه في كوخه الرائع ببساطته وبدائيته، فاستقبلنا بالترحاب. جلسنا أمام الكومبيوتر نشاهد منحوتته الرائعة (قصة الخلق) وكيف جسدها على صخرة بازلتية يزيد وزنها على ستة أطنان.
يبدو أن المتعة الفنية التي تتصل بأعمال النحت لا تأتي فقط من المشاهدة، وإنما عن طريق اللّمس. وهذا ما فعلناه عندما أخذنا إلى المكان الذي وضعها فيه. ومن هناك كان لنا رحلة قصيرة في عالم هذا الفنان، إذ سرد لنا ببساطة وتلقائية متفردة مشواره مع النحت مذ كان تلميذاً في المرحلة الابتدائية.
س. كيف تروي لنا ملامح بداياتك مع النحت؟
ج. أذكر أنني حين كنت في المدرسة خرجت من الصف السادس ولم أحبذ الدراسة يوماً، كان عندنا حصة أنشطة، أتذكر ذلك اليوم أن أستاذي طردني من الصف لأني برأيه لا أعرف كيف أرسم، يمكن أن يكون هذا سبباً من الأسباب الذي جعلني أبدع بالنحت وأثابر عليه. وحين ذاك بدأت النحت بالصابون والحوَّار الكلسي (الطبشور)، وفي الصف السادس أصبح الحجر البازلتي الأسود مادتي الأساسية في تكوين عوالمي.
س. ولكن أليس الحجر البازلتي قاسٍ لطفل مثلك؟
ج. الحجارة أكثر صعوبة من الطين الذي يمكن تشكيله وصبه بسهولة إلا أنها أكثر بقاءً وتتميز بالقوة والصلابة وتتجاوب مع التكوين، ومثال على ذلك التماثيل والمعابد في الحضارة الفرعونية القديمة. كما أنني بالفطرة أشعر كما لو أن شيئاً ما في داخلي يدفعني للإبداع.
وأنا أمشي تجدني أنحت في الباص وفي الشارع. وكنت دائماً وأنا صغير أضع قطعة الصابون في جيبي. أمي كانت دائماً (تزعل مني) حين تجدني أخذت لوح الصابون وبدأت أقولب به الملامح التي تحتفظ بها ذاكرتي وتعود لترضى عني حين تراني أعدته لها (برشاً صالحاً للغسيل).
س. هل لديك صورة أو تخيل عن العمل الذي سوف تنحته؟
ج. أحياناً تتولد بداخلي فكرة معينة. أبحث عن الحجر وعندما أجده قد أدرس الفكرة مرة أخرى، فتكوين الحجر والشكل الذي بداخله يساعدني أحياناً في التكوين الذي أستولده، وأبقى أنحت وأدق بالإزميل حتى تقول لي الصخرة كفى، عندئذ أتوقف، لتعلن لي عن بداية خلق جديد. فالحجر (يحكي هون يقول لي خلص قف هون).
س. الجهد المبذول في هذه المنحوتة الرائعة قد ينبئ بتضافر جهود كثيرة لتحقيق هذا الإنجاز، إلا أن الحقيقة المدهشة أنه جهد شخص واحد فقط هو أنت، فهل لك أن تخبرنا كم لك وأنت تمسك المطرقة والإزميل لتوائمهما مع الحجر، ولتخلق هذه الحضارة؟
ج. منذ نحو السنتين. وفي هاتين السنتين عملت جاهداً في البحث المستمر والتقصي الشخصي والتنقل لتظهر هذه الفكرة إلى التطبيق. كما أني أخلق العمل بداخلي قبل خلقه بيدي، ولذلك أعرف الآن ما لدي وما أملك. فقد بحثت كثيراً وثابرت وعملت ساعات وساعات حتى يخرج هذا العمل إلى النور.
س. هل قرأت عن تاريخ الحضارات حين نحتَّ هذا العمل كي تملك مخيلة تساعدك على تصور منحوتتك، وما قصة هذه المنحوتة؟
ج. التاريخ موجود وآخذه من مصادر كثيرة. الفراعنة كان عندهم حضارة. من تاريخ سيدنا آدم حتى سيدنا محمد. الحضارات وحدها هي من يتكلم ويصنع. والمنحوتة هي قصة (الخلق) منذ سيدنا آدم حتى سفينة نوح والعودة إلى الكعبة المشرفة وحجر سيدنا إسماعيل ومزراب الرحمة ومقام سيدنا إبراهيم والحجر الأسود، ثم قصة قوم ثمود ومدائن سيدنا صالح والمسجد الأقصى.
س. العمل الجديد الذي تعمل عليه (البانوراما ـ حضارات العالم) ماذا يحتوي، وهل لديك اطلاع على هذه الحضارات؟
ج. كل الكرة الأرضية. ومن كل قارة سآخذ شيئاً. وعندي اطلاع من آدم إلى الصراط المستقيم ـ نهاية العالم.
س. كم من الوقت سيستغرق هذا العمل؟
ج. قد يستغرق سنة أو سنتين أو ثلاثة الله أعلم. (حوار الحضارات) استغرق سنتين بمعدل 6 ساعات دق بالإزميل يومياً، نحو 20 مليون دقة إزميل تساوي عدد سكان سورية تقريباً.
س. هل لديك طقس ما أو خصوصية مع الصخرة أو العمل الذي تنحته؟
ج. أجل أتعايش معها وأرى ما بداخلها، وأستطيع أن أجعل المكفوف يتصورها باللمس. وعلى سبيل المثال فإن بعض المكفوفين بدؤوا يتلمسونها ويعرفون ما هي مدائن صالح، ما هو المسجد الأقصى؟ كانوا يسمعون بها لكن لا يعرفون كيف كان شكلها، وأنا بهذا العمل جسدت لهم شكلها، فبدؤوا يرونها ببصيرتهم لا بأبصارهم.
س. هل تساعد القراءة والدراسة برأيك على تحسين إبداعك؟
ج. (مايكل أنجلو ما قرأ، ولو قرأ ما طلع معو شيء). الفن غريزة وإبداع. الفن فريد من نوعه وبرأيي أن الذي يقلد لا يفعل شيئاً جديداً، فهو فن مستنسخ وليس إبداعاً. كالذي يطلب منك أن ترسمي له سقراط مثلاً. الجميع يرسمونه، ولكن واحداً فقط هو من يبدع في اللوحة. كما تتحدد الأعمال المتميزة في أنها لا تكون مكرّرة ومستنسخة إضافة إلى الإبداع في إنجازها وظهورها بأشكال متميزة تدل على قدرة الفنان على الابتكار.
س. ماذا تعني لك (قصة الخلق)، وماذا أكسبتك؟
ج. تعني لي الكثير. وأكسبتني جرأة التجريب واتساع الرؤى وتفرداً إبداعياً وخصوصية دفعتني أكثر للبحث عن الأفضل من حيث الفكرة والروح، والتحرر من القيود والابتعاد عن روتين التعقيد.
س. ماذا تطمح أن تقدم لك؟
ج. حين ينتهي العمل أضعه جانباً، ولم أكن أفكر ببيع منحوتاتي ولكن الظروف المادية تجبرني على ذلك. فأنا بحاجة إلى سيولة مادية لكي أستمر وأتابع العمل.
س. ما هو إحساسك عندما شاهدك العالم على الفضائيات؟
ج. فرحت وكبرت أكثر، كما غمرني شعور بالانتماء أكثر لهذا العمل حيث تُقرأ أفكارك وتمتزج مع الخطوط الحجرية والنتوءات لتكوّن صياغات خطية تجيد الحديث وتترجم لغة الحوار مع كل العالم. .
س. دعنا نخرج من نمطية الأسئلة، بوصفك فناناً مبدعاً وموهوباً، أولاً وبوصفك إبراهيم أبا زيد ثانياً، هل أخذتَ حقك في إعلامنا المحلي (المسموع، المقروء، المرئي)؟.
ج. حين أتكلم عن الإعلام لا أعلم ماذا أقول. بكل صراحة المركز الإذاعي والتلفزيوني بدرعا فعل ما عليه، إلا أنني أطلب من الإعلام عموماً أن يهتم أكثر بفن النحت وتسليط الضوء أكثر على هذا الفن. فأنا أرى مثلاً بعض الفنانين ـ يصبح مشروعهم تسويق وإعلان لهم ـ وما أطلبه أن يعرفنا بلدنا أكثر ويسلط الضوء علينا أكثر كي نستطيع إيصال أفكارنا على المدى الطويل. فدرجة تقدم الأمم تقاس من خلال نتاجها الفني (النحت ـ الرسم ـ السينما ـ المسرح...إلخ). لذا أتساءل ولا أعلم لمَ همّش موضوعنا هكذا حيث طرقنا عدة أبواب للإعلام ورُفضنا بحجج واهية منها الروتين. فلا بد أن هناك خطأً أو سوء فهم لأهمية الفنون عموماً، وهذا شيء يسبب لنا الإحباط. فأنا وغيري من الشباب الناشطين في هذا المضمار من الإبداع لا يجدون من يحفزهم أو يثني عليهم. يجب على الدولة أن تشجع المواهب الشابة لا أن تحبطها، وذلك بإقامة معارض وتأمين دخل مادي لكي نستطيع أن نتفرغ للإبداع.
س. ولكن هل هو تقصير منك أم من المسوؤلين عن النشاط الفني؟
ج. سأضرب لك مثلاً: طلبنا من مدير مهرجان حلب الاشتراك في هذا المهرجان كون حلب عاصمة للثقافة الإسلامية ورفض الطلب، وكالعادة لأسباب لم تحدد. وأضاعوا الموضوع بحجة روتين المعاملات. فالصخرة التي ترينها الآن وهي الثانية التي سأباشر العمل عليها عملي الثاني (بانوراما ـ حضارات العالم) كلفني وجودها أمامي ثمانية أشهر حتى وصلت إلى هنا بين روتين ومعاملات من الحكومة.. إلخ، ولو لم يساعدوني في نقلها لكنت سأرجع إلى عصر الفراعنة وأربطها بحبال وأجرّها.