الاشتراك في الثقافة
ثمة ظاهرة سيراها كل من يتابع النشاطات الثقافية والفكرية في بلادنا، هي ظاهرة عزوف الناس، ومنهم المثقفون، عن حضور تلك النشاطات والمشاركة في الفعاليات المتنوعة التي تحتضنها المراكز الثقافية ومكاتب اتحاد الكتاب العرب والمنتديات والصالونات الثقافية وغيرها من المنابر المعنية بالفكر والثقافة.
ولا يشذ عن ذلك إلا بعض الفعاليات الموسمية، كالمهرجانات الثقافية والفكرية، لكنه شذوذ نسبي، فالحضور فيها هو أكثر من المعتاد غير أنه لا يجعل المتابع قادراً على القول إن النشاطات الثقافية تجاوزت دائرة العزلة وغدت ذات امتداد شعبي.
هذه الظاهرة المشكلة تحتاج إلى دراسة وبحث، لمعرفة أسبابها، وسبل الوصول إلى تحقيق تواصل بين النشاطات الثقافية والناس. ولا يكفي القول إن الثقافة هي بطبيعتها نخبوية، لتفسير هذه الظاهرة، فنخبوية الثقافة لا تعني عزلتها، ولا يجوز أن تتجلى بقطيعة أو شبه قطيعة بين الثقافة والناس، فلا يُعقل أن يقدم أديب، أو مجموعة من الأدباء، إبداعاً معلناً عنه، قبل حدوثه بأسبوعين على الأقل، أمام جمهور لا يتجاوز عشرين أو ثلاثين شخصاً، قسم منهم هم أقرباء الأدباء، أو أصدقاؤهم الشخصيون، وذلك في مدينة فيها ألوف المثقفين وفيها نشاط حزبي وسياسي عريق، ومنظمات حزبية يفترض أن تكون الثقافة أحد هواجسها المهمة، والتأثير في الحركة الثقافية أحد أهدافها، ورفع مستوى أعضائها المعرفي والفكري وسيلتها الأولى للتأثير في الناس.
لا يعقل أن تجري نشاطات ثقافية متنوعة في العاصمة دمشق، أو في المدن السورية الكبيرة والصغيرة، ولا تجد بين الحاضرين أحداً من أعضاء الأحزاب السياسية، ولا تسمع صوتاً لمثقف منهم يناقش المحاضر أو المبدع أو يدلي برأي أو يوجه سؤالاً.
لا يعقل أن تجد هيئات مسؤولة عن قيادة الأحزاب المختلفة في هذه المحافظة أو تلك، لا تسعى لمعرفة النشاطات الثقافية والفكرية المتنوعة التي ستجري في محافظتها، أو مدينتها، ولا تهتم بتشجيع أعضائها على حضور تلك النشاطات والتواصل معها.
قد يقول قائل: إن طبيعة النشاطات الثقافية التي تحتضنها المنابر المختلفة هي طبيعة نخبوية، والأحزاب لا علاقة لها بهذه النشاطات، لأن معظمها هو نشاط أدبي من شعر وقصة ونقد وغير ذلك، وأن الأدباء لا يقدّمون ما يهم الناس ويجتذبهم. وقد يقول قائل آخر إن السعي إلى الثقافة فعل فردي، شخصي جداً، والشاب يندفع إليه اندفاعاً ذاتياً أو يحجم عنه لأسباب ذاتية أيضاً، ولا دور للمؤسسات الحزبية والمشرفين عليها في ذلك، لا سلباً ولا إيجاباً.
ومع تقديرنا لما في هذه الأقوال من جوانب صحة أحياناً، فإن إعفاء الحركات السياسية من مسؤولية تردّي الصلة بين أعضائها وأصدقائها، ومنهم المثقفون، والحركة الثقافية، هو أمر غير ممكن.
ولعل البحث في هذا الأمر يقود الباحث إلى استنتاج أن ثمة قطيعة أو شبه قطيعة بين أعضاء الهيئات الحزبية المسؤولة، أو غالبيتهم العظمى، والثقافة، كما يدفع إلى التخمين بأن هذه القطيعة تتصل بنوعية هؤلاء الأعضاء، الذين لم ينشؤوا نشأة ثقافية، ولم يكونوا، قبل أن يصبحوا مسؤولين في أحزابهم، على صلة بالحياة الثقافية، ولم يجدوا في أحزابهم مناخاً يشجّعهم على التوجه إلى عالم الثقافة والفكر للتسلح بالمعرفة المتنوعة التي ترفع مستواهم وقدرتهم على الإسهام في حياة المجتمع.
وقد يجد الباحث في هذا الأمر أيضاً، مفارقة خطيرة، وهي أن اهتمام الحركات السياسية بالثقافة، وبتكوين أعضائها الثقافي والفكري، يتناسب عكساً مع عراقتها، كما يتناسب عكساً مع اتساع دائرة التعليم والمتعلمين في المجتمع.
ففي عقود ماضية، كانت الأحزاب السياسية ذات بصمات واضحة على الحياة الثقافية والفكرية في البلاد، وكانت بين الحركتين الثقافية والسياسية أواصر وثيقة، وكان مثقفو الأحزاب أعلاماً في المجتمع، وكان للتواصل بين أعضاء الأحزاب والنشاط الثقافي أثر كبير في تنشيط الحركتين السياسية والثقافية، اللتين لا يمكن أن تتطور أي منهما تطوّراً مهماً بمعزل عن الأخرى.
لا أريد أن يستنتج أحدٌ من كلامي هذا أن تتطابق السياسة والثقافة، وأن يضع المثقف أمام عينيه هدف خدمة السياسة وإرضاء السياسيين، كما لا أريد أن يستنتج أحد أنني أدعو إلى تسييس الثقافة أو جعلها ثقافة حزبية، فهذا غير ممكن، وهو ضار جداً لكل من الثقافة والسياسة، وضار للمجتمع والوطن. ما أريده هو أن تقوم الحركات السياسية بالتواصل مع النشاطات الثقافية، وأن تشجع الثقافة والمثقفين، وتدفع أعضاءها إلى الالتصاق بالحركة الثقافية والفكرية في المجتمع، لأن هذا أحد أهم طرق توسيع آفاق أعضاء الأحزاب والسياسيين، ولأنه ينشئ الجسور بين السياسيين المتواصلين مع الثقافة من مختلف الأحزاب والتيارات ولا سيما الأحزاب الداعية إلى العدالة والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
أما التسليم بالأمر الواقع، والقبول بهذه القطيعة بين الأحزاب والفعاليات الثقافية، فهو يعني الإسهام بتقليص جمهور الثقافة من جهة، وتكوين حزبيين مفصولين عن المعرفة والثقافة من جهة أخرى.
وقد نجد بين القادة والمسؤولين الحزبيين، من يفضلون هذه الحال، لأن تفتُّح أعضاء الحزب وامتلاكهم الوعي والمعرفة وتحسين مستواهم الثقافي والفكري، سيخرجهم من دائرة التسليم بما يقوله القادة وما تقرّه القيادات تسليماً إيمانياً، ويدخلهم في دائرة البحث عن قناعة واعية تقوم على الشك والمناقشة والنقد.
لعل المسؤولين في الأحزاب السياسية في المحافظات والمدن، يبحثون ذلك، ويقومون بالمطلوب منهم لتنشيط الحركة الثقافية في دوائرهم، وتشجيع أعضاء أحزابهم على الانغماس في الحياة الثقافية قدر ما يستطيعون، فهذا أحد أهم الطرق للانغماس في حياة المجتمع والتأثير فيها.