"لطيفة" برسم القبول

وداد قباني قرأها 6
  

عجيبةتلك المرأة العجوز..! دائماَ تشدني إلى مدارات عشقها المجنون للحياة.. فكلماداهمني يباس القهر ليرميني على حواف اليأس، تخرج هذه المرأة من بين ركام العمرالموغل في الزمن..‏

مدَّتالحرب ألسنة نارها تلتهم الناس والحجر والشجر في لبنان، وكأن حرارة تموز لم تكنكافية لإنضاج مواسم التين والعنب.. الناس مسمَّرة أمام شاشات الفضائيات تراقب أحداثالحرب، وترتقب النصر المرجو الذي وعدوا به.‏

"النصرآت.. آت.. آت.. إن شاء الله"، هكذا قالت لي وهي تشدّني من يدي لترغمني على الجلوس بجانبها والاستماع إليها.. وأردفت: قبل أن أنام مساء أقرأ إذا جاء نصر الله مئةمرة على نية النصر للمقاومة..‏

وهمستْ: "هل يسقط عني حقّ الجهاد يا ابنتي ؟‏".

أدهشني استعمالها لكلمة حقّ بدل واجب..‏

بهذهالروح العالية استطردتْ في حديثها وهي تتحدث عن أحداث الحرب العدوانية الأخيرة التي شنتها إسرائيل على لبنان الشقيق وحزب الله المقاوم.. خرافة تلك المرأة أو شبهأسطورة.. لعلها جزء من حكايات ألف ليلة وليلة، تروي حكايتها بدفق عاطفة لا زالتمتوهجة.. فتقول: "في أوائل القرن العشرين وفي بلدة ريفية صغيرة من قرى سورية ولدتُولا أعرف سنة ميلادي الحقيقية"..

لا زالت على قيد الحياة حتى هذه الساعة، شاهدة حقوعدل على قرن من الزمان.. اسمها لطيفة وهي لطيفة جداَ، وأكثر مما يتوقع البعض رغمأعباء العجز والمرض.. أتعبتها السنون التي بدأت عدها العكسي، مئة عام أو أقل وربماأكثر، تاريخ حافل بإحداث عجاب ترويها لك إن شئت وتجعلك شغوفاَ بتفاصيلها.. أرختْعليها الليالي بكلكلها فأفقدتها نور عينيها، الليل والنهار لديها سيان، حرائقالعمر اشتعلتْ في رأسها فحوّلت الأسود إلى رمادي أميَل إلى البياض، كقمّة جبل الشيخصار.. وهَنَ العظم في جسدها فانكمش، ووجهت إليها الأيام ضربات موجعة فقوَّست ساقيها، وتحالفت ضدها الليالي الموحشة فأحنَتْ ظهرها.. أما المرض فقد صوَّب نحوها موجات منالألم الحاد والمزمن ورغم ذلك لا تراها شاكية أو باكية.. هي أشبه بشبح يتنقلمرتجفاَ في رحاب بيتها ومع ذلك فمازال عقلها يقظاً وإحساسها بالعالم الخارجيكبيراً جداً، وإدراكها ومحاكمتها للأشياء يبدوان في أحسن حال، مثقفة، فالراديوالصغير لا يفارقها أبداً، تلاحق الإذاعات وتسمع الأخبار السياسية وتعرف أسماءرؤساء الدول العربية والأجنبية ورغم رطانتها بنطق بعض الكلمات إلا أنها تعرف تحركاتالسياسيين وآراءهم وتحلل مواقفهم تجاه القضايا العربية والدولية وبالتالي فهي تحبهذا السياسي أو تكره ذاك وإن عجزت عن استقراء موقف أحدهم تسأل أول زائر لها، وتناقشوتجادل حتى تقف على صحة الموقف الذي تراه مناسباً من وجهة نظرها..‏

تبدأحكايتها من الحرب العالمية الأولى حين كانت طفلة لا تذكر من أحداثها إلا ذهاب ابنعمها إلى "السفر برلك" وحين عودته زُفَّتْ إليه عروساً، وفي الحرب العالمية الثانيةذاقت طعم الجوع وذلّ القهر مع زوجها وأطفالها، وناضلت في صفوف المقاومة ضد الاحتلالالفرنسي، واشتركت في المظاهرات مندِّدة ثائرة مطالبة بتخفيض ثمن الخبز، أيَّدتالثورات السورية وساعدت رجالها وحفظت سيرة حياتهم ورَوَتْ بعض أقوالهم واجتمعتبعائلاتهم وزارت أطفالهم وحملت إليهم المساعدات.. تروي لك حكايات لم تكتب في الكتبعن ثورة الشيخ صالح العلي وسلطان باشا الأطرش وإبراهيم هنانو وحسن الخراط وإذا ذكرتيوسف العظمة فتسبق الاسم بـ"البطل"..‏

تسيلدموعها عندما تذكر قصف البرلمان قبل خروج الفرنسيين من سورية بحرارة وكأنه البارحة، وتروي بإسهاب كيف نجا أخوها بإعجوبة وكان من قوى الأمن الداخلي حينذاك.. خرج جريحاً زاحفاً من البرلمان باتجاه سوق ساروجة إلى سوق الحميدية، ثم إلى حيّ "النوفرة"خلف الجامع الأموي وحين وصل إلى بيتها طرق الباب وسقط أمامه مضرجاً بدمائه.. وكانالناجي الوحيد من هذه المذبحة المروّعة لم تخْف تعاطفها مع أهل فلسطين الذين هجِّروا قسراً إبان النكبة، حين لجؤوا إلى سورية.. كانت تساعدهم وتعقد الصداقات مع نسائهموأطفالهم، تذكر العدوان الثلاثي على مصر وتروي بحماسة كيف تطوعت مع جاراتها في لجانالمقاومة الشعبية والدفاع المدني لنصرة بلادهم إن اضطر الأمر..‏

فرحتها بالوحدة بين مصر وسورية لا تعادلها فرحة، هكذا تقول.. فقدفتحت الراديو لتستمع إلى خطاب الرئيس جمال عبد الناصر رغم كونها في أيام الحداد علىزوجها.. لكن حزنها يوم الانفصال أخمد كل فرحة في قلبها.. وحين استشهد ولدها الوحيدفي حرب حزيران لم تقم له أي عزاء لاعتقادها أن الشهداء أحياء لا يموتون...‏

لازالت تتذكر بوضوح صفارات الإنذار عند ساعة الإفطار في حرب رمضان وسقوط عشرات الطائرات الإسرائيلية بالصواريخ السورية، والناس البسطاء يقفون على أسطحة منازلهمليشاهدوا سقوطها بأم العين، والأٍسرى الإسرائيليين أذلة بين أيدي المواطنين قبلتسليمهم للسلطات..‏

فيالثمانين كانت حين اجتاحت إسرائيل لبنان وعاصمتها بيروت، ورغم ذلك أيدت المقاومة في فلسطين ولبنان بما تيسر لها من مال جمعته ليوم عسر وقالت ليتني كنت شابة لأساعدهؤلاء الشبان، وسألتها حين ذاك بماذا تساعدينهم؟ قالت: أطبخ طعامهم.. أغسل ثيابهم.. أي عمل يوكلوه إليَّ..‏

"أياميكلها سوداء" هكذا تردد ولذا قررت أن ترتدي ثوباً أسوداً منذ حرب الخليج الأولىوأقسمت أن اللون الأسود سيرافقها حتى القبر وسألت لماذا يحارب صدام حسين إيران وهيدولة مسلمة ولا يحارب إسرائيل؟؟ !! وفي الثانية قالت بلهجتها الشعبية: عيب واللهعيب.. الأعداء تنهش بنا ونحن العرب في خلاف دائم.. لكنها آثرت الصمت حين سقطتبغداد، كانت تكتفي بالبكاء الصامت وهي تدعو بالموت على رجل الحرب بوش.. وقالت: "ولدتُصفحةً بيضاء ظلت الأحداث تلطّخها بالسواد حتى أصبحت مثل هذا الثوب..".‏

رأفةبها قلت لها: "يا أمي لقد سقط عنك واجب الجهاد". قالت بنبرة قوية: "الجهاد حق يا ابنتيولا يسقط إلا بالشهادة.. وكل حسب طاقته"..‏

بتلكالروح العالية تابعتْ: قدرتي اليوم أن أقرآ القرآن على نية النصر وأتوسل لله عز وجلفي صلاتي أن يحمي شباب المقاومة فهل يقبل مني؟..‏

ملائكة الليل بكت، والعجوز ساجدة راكعة بينما الطائرات الإسرائيليةتدمر قرى الجنوب بالقنابل الحارقة والعنقودية، وأشلاء الضحايا تتمزق في العراء،وسواعد الرجال الذين صدقوا الله ما وعدوا تقاوم الشر والنار..‏

سالتدموع الملائكة أمطاراً صيفية في آب تغسل جثث الشهداء وأجساد الأطفال الممزقةالمنتشرة على الطرقات، وتطفئ الحرائق التي اشتعلت في البيوت والمزارع..‏

وحملتالملائكة توسلات العجوز إلى السماء وقالت: ومنا برسم القبول من رب العالمين..‏

فأجابها صدى الحق مجلجلاً في السماء والأرض:‏

النصرآت..‏

آت..‏

آت..‏

الأسبوع الأدبي