نمر سعدي يدخل حلبة الشعر حصاناً جامحاً

سهيل كيوان قرأها 5
  

في عملي كمحرر أدبي تصلني كثير من" الدواوين" الشعرية فأبحث فيها برغبة صادقة عن الشعر لأقتبس شطرة شعرية واحدة للأشارة الى أجواء الكتاب او ما يسمى الديوان فلا أعثر، هذا يذكّرني في طفولتي عندما كنا نبحث في تلة الدريس الهائلة على البيدر عن حبة حمّص واحدة فنجدها بعد لأي أو لا نجدها ! في ديوانيّ نمرسعدي من قرية (بسمة طبعون) الأولين وجدت كومة من الحب يشوبها القليل من القش! فكل قصائد الديوانين تمنحك الإحساس بأنها شعر وطبعاً بتفاوت في جودتها ولكن جميعها فوق المستوى العام الذي نراه في شعرنا المحلي وتؤكد للقارئ أن ما يراه هو لون الحبر الذي لا تفرزه الا قريحة شاعر، أنها الكلمات المخبوزة بنار الشعر والثقافة، وليس استعراضاً سطحياً لبعض علامات الشعر بل هو تواشج وانصهار الفكرة الخاصة بالموروث الثقافي العام العربي والعالمي. في شعر نمر سعدي نلمس وجعاً روحياً حقيقياً.

لا أعرف نمر سعدي ولم أسمع به من قبل، لكنه ترك رقم هاتفه على طاولة مكتبي، بعد مرور سريع على بعض القصائد هاتفتُه كي أهنئه وليطمئن قلبي، ويبدو أنني استكثرت هذه الثقافة على اسمٍ محليٍّ أسمع به لأول مرة، أصغيت لمحدثي فعزَّز ما سمعته منه ما كنت قد قرأته!

سألته : لماذا لم تجمع ديوانَيك بديوان واحد؟ لأن كل واحد منهما يقع في حوالي 75 صفحة من الحجم المتوسط ! فقال إن لكل ديوان مستواه وأجواءه، اذاً فليس الطمع بالكمّ هو ما أغرى الشاعر لإصدار ديوانين. وبالفعل عندما قرأتهما بتأنٍّ لاحظتُ أن ديوان "عذابات وضاح آخر" يختلف عن ديوان "أوتوبيا أنثى الملاك". فالأول هو عبارة عن قصائد قصيرة كل واحدة في أقل من صفحة ! بينما في الثاني قصائد أطول وهي تنسج على منوال واحد أستطيع القول انها تظاهرة المثقف! حيث نجد التربة الشعرية التي تنمو منها قصائده، يقول "قال لي شاعر القصيدة أنثى تراودني في العشيات عن نفسها ولكنني سأقول القصيدة غيبية الروح حسية في تشكلنا أحرقت نفسها قبلة قبلة في مهب الصدى القصيدة خلق المجرد في ذاتنا .. سرّ معنى نبيل لعشق الحياة سدى والقصيدة عشب جريح على هامة الأبدية ينزف أحزاننا والندى قال لي آخري ..

نجد لديه مصافحات ومعانقات شعرية مع كثير من الشعراء العرب والعالميين، عندما سألتُه بماذا يشتغل كأنما شعر بالخجل حاول التهرب من السؤال! وعندما ألححتُ عليه قال أنه عامل دهان وترميمات! لم يفاجئني بهذه الحقيقة التي أصبحت معروفة ! فنار الشعر لا تنمو تحت أسقف مضاءة بالفلوريسنت! لأنها تحتاج الى الشمس الحارقة والعواصف والصواعق والسهوب!

تبادلت معه الحديث عن قراءاته، فكشفت قارئاً ممتازاً! فهو يقرأ لمعظم الشعراء والروائيين الكبار العرب والعالميين! وهو يكتب الشعر منذ 1995 ولكن وضعه المادي حرمه من إصدار ديوان شعري، الآن فقط يصدر ديوانَيه الأولين بطبعة متواضعة جداً وهو في الثامنة والعشرين من عمره! نمر قال لي بمرارة إنه أرسل قصائده لقسم الثقافة العربي في وزارة المعارف الإسرائيلية التي تصدر سنوياً عشرات الكتب ولكنها أهملت كتابه لثلاث سنوات رغم انها أصدرت الكثير مما لا يستحق ان نطلق عليه اسم ديوان شعر او كتاب! نعم أوافق واشهد أن معظمها لا يرقى الى مستوى شعر نمر! ولكن منذ متى تصنع الوزارات واللجان المنبثقة عنها الشعراء الحقيقيين! صدقني قد يكون في قرار اللجنة بعدم نشر شعرك نعمة وخير لا تتوقعه! فالكتابة الجيدة وان كانت على ورق عادي وبسيط ستجد طريقها الى قلب القارئ! ها قد بدأت طريقك وثق انك اذا واصلت طريقك هذا سيكون لك شأن شعري، وما عليك سوى ان تقفز تلك القفزة الأولى والمخيفة كالمظليّ من الطائرة الى الفضاء الرحب وستكتشف جمال الحرية وضرورتها لروح الشعر والأدب! أما اذا دجّنوك أو دجّنت نفسك بنفسك كما تفعل الأكثرية فستكون نسمة صيف جميلة ولكنها عابرة! وسوف تغيض شاعريتك كما غاضت شاعرية كثيرين بدأوا كخيول جامحة ثم قعدوا يجترّون في حظائر التدجين المكيّفة ومنهم كتاب وشعراء كادوا يصيرون كباراً.

نمر يعد بديوان قادم تحت عنوان "نقوش على جناح نورسة زرقاء".

مبروك لقرية بسمة طبعون، بالأمكان القول أنها أنجبت شاعراً، وأريد أن أصلّي بأن لا يضيع شاعرٌ آخر من الجيل الشاب على الطريق كما ضاع كثيرون من قبله على منعطفات الوظائف والجوائز الخطرة !