تخوف من وقوع لبنان في فتنة طائفية

د. صالح بكر الطيار قرأها 1,271

يسود في لبنان تخوُّفٌ كبيرٌ من احتمال حصول نزاع مذهبي خاصة وأن هناك على ما يبدو قوىً خارجية توظف كل طاقاتها وإمكانياتها من أجل خلق أجواء فتنة ستكون في حال نشوبها أشدَّ ضراوة من الحرب الأهلية التي عانى منها لبنان في السابق نحو 15 سنة. والملاحظ ان الأجواء باتت ملائمة وأن كل الأطراف تتحضّر لها، وأن كل طرف ينتظر ان يكون الطرف الآخر هو البادىء لكي يتحمّل وحده تبعات ما ستؤول اليه الأوضاع التي لن تبقى محصورة في لبنان بل ستنتقل الى المنطقة بأكملها. وكانت بوادر هذه الفتنة قد بدأت في باكستان ومن ثم انتقلت الى العراق حيث لا يمر يوم دون حصول تفجيرات وعمليات انتحارية ذات طابع مذهبي من السنة والشيعة على السواء. ومع نشوب الأزمة السورية قبل نحو السنتين بدأت بعض جوانب الصراع تأخذ طابعاً مذهبياً وطائفياً تارة بين مسلمين ومسيحيين وتارة أخرى بين أهل السنة والعلويين والدروز والشيعة الى حد لا يمكن إنكار وقوع مجازر في عدة محافظات سورية بحق أبرياء لا ذنب لهم إلا انهم تواجدوا جغرافياً في مناطق ذات أغلبية أصبحت مناهضة اليوم. ورغم ان لبنان الرسمي اتّخذ قراراً يقضي بضرورة "النأي بالنفس" عما يجري في سوريا إلا ان لبنان الشعبي كان له توجه آخر حيث ناصر فريق من اللبنانيين نظام الرئيس بشار الأسد وفريق آخر ناصر المعارضة. فزاد ذلك من حجم الشرخ بين اللبنانيين الذين كانوا أصلاً منقسمين إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 ما بين حلف اُطلق عليه تسمية "8 آذار" وحلف أُطلق عليه تسمية "14 آذار". والمفارقة ان الانقسام ما بين 8 و 14 اذار كان انقساماً سياسياً لأن كل طرف يضمُّ مزيجاً من كل الطوائف، فيما الآن فإن الخلاف العائم على السطح هو في عمقه مذهبي وله أبعاد اقليمية ودولية، كما ان بيد كلِّ طرفٍ ما يكفي من السلاح لخوض "حرب المائة عام". والمؤسف انه حتى الأجهزة الأمنية في لبنان تتأثر بألوان طائفية ومذهبية باستثناء الجيش اللبناني الذي، رغم تماسكه والتزامه الوطني، فإنه متهم من قبل البعض بأنه فئوي وخاضع لتأثيرات سياسية ومذهبية الى حد وكأن المطلوب ضرب هذه المؤسسة وتمزيقها لإفقاد البلاد قوتها الوحيدة القادرة على مواجهة أي فتنة وردع أي خلل أمني. كما المؤسف ايضاً ان المسؤولين الرسميين في لبنان، وكذلك زعماء الأحزاب والتنظيمات السياسية، ورغم إدراكهم خطورة الوضع، فإنهم يتجاهلون هذه التحديات لأن جميعهم منشغلون بملف الانتخابات البرلمانية التي تستحق يوم 9/6/2013 والتي من غير المؤكد انها ستجري، لأن أي انفجار أمني سيطيح بها كما بالبلاد برمتها. وحتى الهيئات والفعاليات الدينية غائبة عن أداء أي دور رغم ان الوقت لا زال متاحاً أمامها من أجل محاولة إعادة لمّ الشمل ووأد الفتنة في مهدها.

رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي