كان جالسا في مضيفة الطابق الأول من بيته الريفي وقد أراح رأسه على المسند الخلفي بعد أن نام الأولاد وخيم الهدوء. تناهت إليه أصوات غريبة مدغومة كموجة من ظلمة. نهض. خرج بالجلباب إلى الشرفة المفتوحة على الحديقة. كانت السحب تغطي وجه القمر والليل شديد القتامة. مال…
نقرات الطبلة المشدودة وإيقاعها المتّقد بدأ بعد ساعتين من تجمع شباب الصحفيين، الذين احتشدوا عند الرصيف أمام نقابتهم في الحادية عشرة صباحا. وقفوا يلوحون بالقبضات. يؤرجحون عاليا لافتات الاحتجاج. يهتفون تحت شمس مايو الحارة: "إرفْع صوتَك، قُلْها مَعانا.. حبْس…
ما إن قبض على الغنيمة بيده حتى فرّ بها مندفعا إلى الأمام كالريح. تناهت إليه من الخلف أصوات الراكضين وراءه، يصرخون، يحاولون اللحاق به، يصيحون: " توقف. لا تخف. سنتكلم معك فقط. توقف". انفلت من الشارع الواسع المزدحم إلى ميدان والحشود تتضاعف من خلفه، يسمع خطوها…
فجأة فهمتُ، الآن فهمتُ. نعم . فجأة كأن سيفا باغتني وشقّني ورماني إلى الذهول. فهمتُ، بعدما انحنيتُ لأفتح باب السيارة. تطلعتُ وأنا واقف في الشارع إلى جانب وجه ابنتي. كانت تنظر أمامها عبر الزجاج الأمامي ويداها على المقود سارحة بخواطرها. أفتحُ الباب. أجلسُ…
وقف عند الرصيف الآخر مقابل العمارة يتطلع إلى شرفة الطابق الثالث. هنا يسكن شهاب الشاب الذي التقى به في المستشفى منذ خمس سنوات. ظهر ذات مساء بين حارسين يطوّقانه. وقف بينهما ببلوفر رمادي قديم وقميص وبنطلون باهتين، بعظمتين بارزتين في جانبي وجهه، يرتجف وعيناه لا…
كنت جالسا على مقعد عريض مائلا بصدري للأمام. بيدي اليمنى سماعة الهاتف ملصقة بإذني. على أريكة عن يساري رقدت عمتي بجلباب منزلي واسع وقد فردت ساقيها أمامها. في مواجهتها جلس ابن اختي على كرسي يحدق بي من دون سبب واضح. راحت عمتي تصف له امرأة ما من أقاربنا بأنها…
ظهرت "آليونا" للمرة الأولى عصر يوم شتوي. لم يكن ليظن أو يخمن أن ثمت آليونا صغيرة كهذه، قد تظهر، وتختفي، وتبقى للأبد في مكان ما حية غير مرئية. كانت نحو السادسة مساء حين دق جرس الباب. سمع الرنين وهو مرتكز بمرفقيه إلى سطح منضدة في الصالة يراقب من نافذة عن يمينه…
تقدمتُ نحوك هذا الصباح وصافحتك. مجدَّدا ذكّرتكِ بنفسي. ملّيتُ عيني منك بأمل وصمت. رميتني بنظرة استنكار أو استفهام أو تعجب، كأنما أذكرك بشخص ما أو حدث ما وقع في زمن بعيد. تطلّعتِ إلى لحظة ثم رقتْ عيناك بدهشة خفيفة كأنما تعرفتِ إلي. لكنك لم تتذكريني. في المساء…
تقطعتْ أنفاسه وهو يعدو في الضباب. يجري تنحل الطرق وتذوب جوانبها أمام عينيه وتعلو وتميل. يواصل العدْو، ولا شيء سوى صرخات صغيرة من حوله، وفوقه تهرس أذنيه برنين أبيض قاطع. لَمَح بصيص نور في آخر زقاق عن يمينه. انطلق نحوه وقبل أن يصل إليه تفجر النور أمامه حريقًا…
خرجت من العمل ظهرا وأنا أشعر بالجوع. كنا في أغسطس ولا رغبة لي في السير في الحر بحثا عن مطعم. قصدت أول عربة فول صادفتني عند ناصية الشارع. كان المعلم واقفا بجلباب تتدلى من وسطه فوطة متّسخة وهو يحشو أنصاف أرغفة مفتوحة أمامه بالفول. طلبت منه رغيف فول. حرك قدرة…
صباح مشمس هادئ أواخر الربيع. زهور حمراء من بونسيانا تلامس مضمومة زجاج نافذة وتتهادى متفارقة للوراء. من على أحد الأغصان هبط عصفور صغير إلي حبل منشر ملابس. تأرجح به الحبل أمام النافذة العريضة بالطابق الثالث. تلفّت برأسه الرمادي الدقيق. ضرب الهواء بمنقاره يمينا…
كنتُ أقف في بهو فندق "بتش هوتيل" مع كاتب سوري حين أقبل علينا رجل في نحو الستين قصير القامة بجاكيت أبيض وكاسكيت على رأسه. قدمه السوري إليَّ: "إياس تاشفين. شاعر مغربي". حيّاني إياس بهزّة رأس وهو يتفحّصني بنظرة تلمع بفضول عابث ضاحك، وأخذ يستفسر عن جلسات…
حدث ذلك صباح يوم مشمس منذ قرون طويلة تحت ظلال قلعة ضخمة حين راح عصفورٌ صغيرٌ يتواثب بين أقدام جنود ونساء وسقائين وباعة يدفعون عربات يدوية وهو يضرب بمنقاره بينهم ليفسح لنفسه مجالا. صبي كان يمشي يده بيد أمه لمح العصفور فصاح مدهوشا: "عصفور على الأرض"! جذبته أمه…
نجلس أنا وأنتِ إلى المنضدة التي تجمعنا كل يوم، صامتين، كعادتنا منذ سنوات. نستعد للإفطار. أنا وأنتِ. تمدّين بصرك إلى الجدار الأزرق الفاتح خلف ظهري. أتملّى وجهك بعمق وحب ويأس. أروح وأجيء أجلب أطباق الطعام من المطبخ. يجلد قلبي أمل لا يموت. أجلس أمامك. أنا…
جلس ساهماً، رأسُه محنيٌّ، قبضتاه في حجره وساقاه مفرودتان على الحصيرة. تمتم: "الله يرحمك ياسعد". ربتتْ عطيات الواقفة بجواره على كتفه. زفرت شاخصة إلى الفراغ ثم اتجهت إلى داخل الدار حيث الحجرة الوحيدة المسقوفة بعروق الخشب قائلة: "وما تنساش الجلابية". برزت…
"رحمة" اسم الرواية التي قلبت حياتنا نحن الخمسة، ووضعت رقبة واحد منا في حبل المشنقة، وساقت ثلاثة إلي السجن، وأجبرتني طويلا على التخفي والعيش مطارداً. مازلت أذكر كيف بدا الكتاب في تلك الليلة على الضوء الضعيف بالمقهى وبين دخن النرجيلة، مجرد كتاب من القطع المتوسط،…
في الثامنة من عمره. توفي والده فانكسرت زهرة الحنان من أمه. ينام على سرير ضيق ووجهه إلى الحائط يكلم الظلال على الجدار حتى يغمره النعاس. يذهب إلى المدرسة. يلعب على سطح البيت أو في الشارع. يفكر في الطابق الرابع. النزهة الوحيدة في حياته الصعود إلى شقة الجيران،…
ضغطت القبضتان جناحيه بقوة إلى جنبيه، فأحالته إلى كتلة مدمجة لا يتحرك منها شيء ماعدا الرأس بعرفه الأحمر ومنقاره يضرب يميناً ويساراً بجنون. اجتهد ليتملّص من القبضتين مهتاجاً بحبِّ البقاء. حثّ جناحيه على الرفرفة دون جدوى. لحظة، هوت بعدها السكين على عنقه بضربة…
القصة مهداة إلى أخوتي الأقباط الذين سالت دماؤهم في ماسبيرو في شقة صغيرة بالطابق الأول من عمارة في حي الظاهر سكن الأستاذ موريس المحاسب في أحد البنوك مع زوجته مدام جانيت التي تعمل في مدرسة تعليم لغات أجنبية. الإثنان تجاوزا سن الإنجاب دون أن ينجبا، لكنهما…
ذهبت مبكراً قليلاً عن موعدي. قصدت نصبة شاي أم السعد، واسترحت في ظل تكعيبة العنب الذي يغطي بقعة صغيرة. جلست على حجر أشرب الشاي وأرقب بطرف عيني موقف السيارات القادمة من غزة. المفروض أن تكون ريم هنا بعد نصف الساعة على الأكثر. الجو حار لم يكسره هواء بحر رفح الذي…
حـيـرة قصة قصيرة د. أحمد الخميسي كان د. فخري الفيومي ينظر لمن يحدثه نظرة شك عميق، كمن يقلب ببصره بضاعة مريبة، أحياناً نادرة كان يجازف سائلاً بصوته المهذب الخفيض: - حضرتك نظام جديد؟ فيجيبه الآخر بحيرة: - نظام جديد؟! ماذا تعني؟ فينكس د. فخري عينيه على نظرة باسمة…