ملامح وظلال / جوزف أبي ضاهر
ورقة في جيبي يسمّونها هويّة. تتكلّم عنّي، تقول للنّاس اسمي، تصف لوني عيني، ولون شعري، وفي أي يوم ولدت، الى أي عائلة أنتمي، الى أي وطن، الى أي دين. وإذا كنت متعلماً، أو جاهلاً، متزوجاً أو عازباً، ومن اخترت زوجة لي... ورقة تكاد تأخذ كل حضوري، بل تأخذه. وبدونها يُلقى القبض علي بتهمة تقمّص شكل ما، في وطن ما، في حياة ما... ما كنت أتمنى أن يكون وجودي فيها مرتبطًا بورقة .
الحقيقة عارية؟ لا تستروها ان مسّكم حياء. *** الحقيقة ليست دائمًا جميلة. مرّات كثيرة بشعة، قاسية، نافرة، جارحة. ـ لماذا؟ لأنها حقيقة. *** الحقيقة متّهمة: ـ لا تحقّق الرغبات! *** تقف الحقيقة وحيدة في المحاكم. ولا مَن يدافع عنها. ترتاح عند مَن لم يُطلب منهم أن…
في قديم الحكايات، أن حاكم مدينةٍ تَبعَ هواه في الباطل من الأعمال. أنفق ما جُمِعَ من مالٍ في الخزينة على رغبات وشهوات، حتّى إذا فَرَغتِ الخزينة قامر برهْن إهراءاتِ قمح كانت تموّن مدينته والمدن المجاورة... وخسر كلّ شيء. مَدَّ الجوع رأسه إلى أبواب البيوت. كُشِفَت…
رأيت وجهي بين كلمات كتبتها. خفت عليه ينكشف أمام من لا يقرأ. قد يغتاله. قد يرشق ملامحه بأشدّ النعوت سفاهة، وأكثرها حدّة. ما كان عليه أن يظهر بهذا الوضوح. لو أرخى بينه وبين النظر خمارًا، ظلاً يكتم التفاصيل فلا تعود صريحة إلى حدّ الحقيقة. يتبعني وجهي، ولا أعرف…
ما كلّ الدروب توصل إلى الطاحون. وما كلّ وصول إلى الطاحون نهايته سعيدة. الطاحون يطحن كل شيء مع القمح. يطحن الأحلام والآمال... ويطحن الهواء، أي هواء يقترب منه. كلّ الدروب لكلّ الناس، وليست كلّها للطاحون. بعض الدروب يأخذ شكل الطاحون. ويطحن الوقت والأزمنة، وحركة…
كانت الأيام، وما زالت. نوزعها بين بعيدة رَحَلت، وحاضرة حَلّت، وآتية على صهوة الأحلام. هل سنتفق مرّة أنّها ذاتها، نُسقط عليها من عمرنا ما يحلو لنا، أو ما وقعنا فيه فنرميه في وجهها ـ إذا اتفقنا أن للايام وجهًا ـ ونلومها؟ الأيام الماضية كانت غامضة حين حلّت، وما…
تجسّدت الكلمة، تأنسنت، وتحرّكت في نسغها الروح، لتُبعث رسولة كاملة التجلّيات والأوصاف والمعاني. تجسّدت الكلمة، تأنسنت لتجايل البشريّة في دورات الأزمنة، مرتاحةً إلى امتلاءٍ، عاصفةً حين التعبير يستنجد بها، وليّنة لحظة اللطائف ترنو إليها. ... وتكوكبت مع رفيقات…
دغوش العمر سَرّبت. ع السَّكت سَرّبت، وما انسمع صوت دعساتها. قنديل الحكي شحّ زيتو. تكوّمت الذكريات بـ كلّ المطارح. صارت صور. أيّا صوره بينقّيها العقل بـ الأوّل؟ ... ونقّى آخر صوره: الوجّ هوّي ذاتو. مش العينين اللي قالو. القلب قال. شافوه بـ اللحظه اللي انزاحت…
وَضع يده على كلمة، كانت تعاند في الخروج إلى النور. صارت تعاند في الخروج منه، أو الابتعاد عنه. هي كلمة، دائمًا واحدة... ووحيدة. للنور بريق الشهرة، بريق الرغبة، بريق الاشتهاء. الشوق لا يتعب من الاشتهاء، ولا يملّ، ولا يرضى بديلاً. كلّما زاد الاشتهاء حضورًا، زاد…
أسمعُ لهاثي وليس لصوته صدى. كأنه العبث المجّاني في ركن من الجسد، ويقيم فيه من دون جسد. أحسّه يرتفع بي ثم يهبط، فأهبط مكاني. لا أشعر بثقله، ولا أشعر بضعفه. وجوده معي يُشعرني ببعضِ ضيق، ببعضِ تردُّدٍ وببعضِ انكفاء. أركض ليزيد من صراخه بي. أهدأ لأحسّه يتلاشى في…
القلم الذي أكتب به خبَّأ ظلّه عنّي، خدعني. ظننت أنه الشمس في عزّ النهار. لن تمرّ غيمة به، مخافة أن تحترق. وظنت أن الأقلام لا تموت، لأن الشمس لا تموت. تغيب... وتعود بألق أقوى. نَعدّ عمرنا بإشراقةٍ منها، وبغياب. لا نحسب كم كلمة كتبنا في وهجها، وكم كلمة أخفينا في…
أنا الواقفُ أدناه... في أوّل الكلام، في منتصف الكلام وفي آخر الكلام. أنا الواقفُ في شمس كلّ هذا الكلام. ما وقفتُ مرّةً في ظلّ. الظلُّ بدء موتٍ، الظلُّ هروبٌ إلى اللاكلام، إلى الغبش الخادع، المراوغ، المناور، الساعي إلى إخفاء ضعفٍ بشريّ، هو فينا جميعًا، في…
تَغرقُ حدائق الشتاء بأحلام المطر. في كتاب المطر لون أخضر، وما يليه من ألوان قوس الغمام. ... وفيه ريش عصافير، ثغاء براعم تتحضّر لتصير زهرًا، ورقًا ووعودًا بشهيّات الشفاه. تنظر الريح شذرًا. تقلّب صفحات الكتاب. لا تُدرك ما لا يُرى، وما لا لم يُلمس. تدير وجهها…
يسبقُ الصمتُ الكلام. يتحضّر برهبةٍ لصوت ينقله من العدم إلى الحياة مجاهرةً، في رتيب نبرةٍ، أو في نبضٍ يرتفعُ، أو يخفتُ حتّى المهامسة، وفي الأخيرة من الأصل الصامت بعض خفرٍ. يتيحُ الصمتُ لصاحبه ما لا يتيحه له الكلام. الصمت مساحة للتفكير، للتحليل، وللخيال مجنّحًا،…
فلشت العتمة بساطها أمام باب البيت. ولم تدخله. خارج البيت أرحب من داخله. في الداخل أناس يستثقلون مَن ليس منهم. ولو مرّ بهم للسؤال وإلقاء التحيّة. العتمة تعرف أنهم لا يرغبون بها. ولو لإخفاء سرّ في جيب فستانها. يخشون إن نهضت ونفضت عن فستانها نعاس الليل، أن يقع…
ظلّي صار ظلالاً، وتتبعني مجتمعة. حين تختلف على موقعٍ، يقف بعض منها بعيدًا، يكاد لا يُرى، وبعض آخر يتخفّى بأشكالٍ وصفاتٍ. ـ تمويهًا؟ ربما. وأما الباقي الملتصق بي فلا يبدي اعتراضًا. يراقبني أرفع صوتي محتجًّا. أصرخ، أطالب بما سُلب منّي، ومنه، وأُعطى مكانةً ليست…
«ولدت» تفاحةً في أعلى شجرة. وحيدةً ولدت في الرأس. الرأس عقل، العقل هامة معرفة. تحتها نبت «سربُ» تفاحٍ له أجنحة. كلُّ جَناحٍ خدٌّ تلوّن، تغاوى، فلحقت به العيون اشتهاءً، وتهالك فمٌ شفةٌ فوق أختها، رغبةً في عضٍّ وقضمٍ ومضغ. وأما الأيدي فسباق إلى سرقةٍ في قطفِ…
رَميتُ حصاةً في ساقيةٍ. اضطربت، وأكملت سيرها. ضَحِكتُ ملءَ طفولتي، وتأمّلت يدي. إحدى أصابعها غزّارة، كانت قبل ولادتي على طَرَفِ الساقية. لاعبتها المياه وهي راكضة إلى حياة جديدة. أيقظت فيها عشقًا وتمتّعًا بسفرٍ دائم إلى المجهول. «المجهول»، رَبِيَ في كفِّ يدي.…
نهضت المطرةُ من سرير البحر خرجت إلى الشّمس متّحدةً بذاتها حتّى السماء. ـ فوق؟ وقفت، ترفع الصوت ابتهالاً، تصفّق بالنّور وللنّور: «قدّوس سرّ الأسرار» انحنت خاشعة، ونزلت هاتفة بالأرض: مباركة ثمرة بطنك في ملكوتك ولِدتُ وإلى ملكوتك أعود راضية مرضيّة. *** مَسَحتِ…
مداخلة حول كتاب «وجوه في حديقة المبدعين» للشاعر جوزف أبي ضاهر في جامعة AUST الحديقةُ، بمعناها العمليِّ، مطرحٌ للزَّرعِ؛ والزَّرعُ، كذلكَ، ممارسةٌ للإنماءِ الذي يُرجى منه العطاءً وتالياً الاستمرار؛ وهذا ما قد يختصِرُ حكايةَ "وجوهٌ في حديقة المبدعين"! إنَّها…
أتكئ على قلبي وأبقى وحيدًا. عقلي لا يواجه عاطفتي لصدقها، ولا يقبلها لصدقها. تبقى الوليمة ناقصة كرسيًّا وإذا أُحضرت الكرسي، فمن يجلس عليها؟ الحيرة تجلس مكان العقل والقلب ولا تكسر رغيف كلمة ولا تسكب خمرة. تُطبقُ شفة على أختها. يدخل الوقت في السكون موعودًا…
إلى حفيدي «أودن» في اليوم الأول لدخوله المدرسة 3/10/2013 صباح أمس ذهبت إلى المدرسة. لأوّل مرّة أذهب إلى المدرسة. لم يكن اسمي مكتوبًا في دفتر الدخول. كان اسمي حفيدي «أودن» مسجّلاً، فدخلت معه مختبئًا به. دخلت إلى عالم جديد لم أعرفه. غرف المدرسة فارغة حتّى من…
يسكن الجمال فسطان حرير، ولا يغادره إلاّ سرًّا. ـ خيانة! *** ـ لماذا لا تمطر السماء خبزًا؟ ... وتَدَثَّر الصغير بقميص ممزّق وهو ينظر إلى فوق. *** السماء هبة الإيمان، وأمّا رحمتها فصلاة. *** حطّت فراشة على وردة في محل لبيع الزهر. أقفل البائع بابه الزجاجي وكتب…
عندهم... وعندنا يقول بلزاك: «السعادة غاية من المفترض أن تقترحها جميع المجتمعات». ... وعندنا؟ «أصحاب السعادة» اقترحوها لأنفسهم. ـ ألا يكفي؟ *** «بوتان» إمارة صغيرة بين الهند والصين. اعتمدت حكومتها في رأس اهتماماتها توفير السعادة لسكّانها (لا يتجاوز عددهم…
بحيرة الذكريات ذاكرةُ الفرد أقوى من ذاكرة الجماعة. الخاص يبقى وشمًا ووجعًا، ونُتَفَ بريقٍ من لحظة هناءة تُسمَّى: فرحًا، سعادةً، نشوةً، غبطةً... لا فرق، مجرَّد لحظة. مسام ذاكرة الأفراد ضيّقة، والنتوءات فيها كثيرة، تُوجع حين تُحَكُّ من جرحٍ. وأما ذاكرة…