ثلاثة مؤتمرات وثلاث عِبر، ج. ٢
العبرية في عروس البلطيق
في تاريخ ٢٣-٢٥ من أيار ١٩٩٤عقد المؤتمر العبري العلمي الحادي عشر في أوروبا في عاصمة فنلندا. اشترك في هذا اللقاء العلمي ٣٠ - ٤٠ شخصا وألقى عشرون محاضراً وباحثا محاضراتِهم التي تناولت مواضيعَ متعلقة باللغة العبرية وآدابها على مرّ العصور. من هذه المواضيع نذكر: ترجمة الكاليڤالا1 إلى العبرية؛ أحاد هعام (אשר גינצברג, ١٨٥٦-١٩٢٧) وإحياء اللغة العبرية؛ تدريس لغة العهد القديم (התנ"ך) في سانت بطرسبورغ؛ بين الشخصية والشعار - التعبير عن النزاع اليهودي العربي في الأدب الاسرائيلي في السنوات الأخيرة؛ مشاكل الترجمة من الأدب العبري الحديث إلى الألمانية؛ الفولكلور اليهودي ودوره في نشر العبرية في روسيا؛ تعليم العبرية كلغة ثانية ومكانة تدريس قواعدها خارج إسرائيل؛ أوزان الفعل في عبرية المشناة؛ اللغة العبرية في كتابي2 ابراهام فيركوڤتش القرائي (١٧٨٧-١٨٧٤)؛ العنصر العبري في اللغة العربية المحكية لدى يهود شمال افريقيا؛ العبرية على أرض بولندا في القرن الثامن عشر. ينتمي المحاضرون إلى دول أوروبية عديدة مثل ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإسبانيا وروسيا وهنغاريا والنمسا وفنلندا ومن دولتين في الشرق الأوسط هما جمهورية مصر العربية واسرائيل.
الوثاق (الاتحاد، العروة) العبري العالمي يقوم بتنظيم مثل هذه المؤتمرات مرّة كل سنتين في جامعة أوروبية فيها أستاذية للغة العبرية أو للدراسات اليهودية. مركز هذا الاتحاد في القدس وهو عضو في الكونغرس اليهودي العالمي ومرتبط بالنقابة الصهيونية العالمية والمنظمة العالمية للنساء الصهيونيات WIZO, Women's) (International Zionist Organization. تأسّست العروة عام ١٩٣١ في برلين حيث اجتمعت نخبة من المفكّرين اليهود للتباحث في موضوع نشر معرفة اللغة العبرية في التجمّعات اليهودية في أوروبا وترأسها آنذاك الشاعر القومي حاييم نحمان بيالك (١٨٧٣- ١٩٣٤). ترى هذه العروة، التي عقدت مؤتمرها الأول في سويسرا عام ١٩٧٤، أن مستقبل الشعب اليهودي منوط بالحفاظ على صلة وطيدة بين الشعب واللغة والأرض. الهدف الأساسي لهذا الاتحاد، كما أشرنا إليه سابقاً، هو أن يتكلم كل يهودي في أوروبا اللغة العبرية كلغته الثانية أي بعد لغة البلاد التي يسكن فيها. بعبارة أخرى، أن تكون اللغة العبرية حيّة محكية خارج إسرائيل أيضا. والجدير بالذكر أن اللغة العبرية أصبحت لغة محكية في العصر الحديث منذ أواخر القرن التاسع عشر وذلك إثر جهود إليعزر بن يهودا (١٨٥٧-١٩٢٢) وآخرين3. قبل ذلك وخلال حقبة زمنية طويلة، حوالي سبعة عشر قرناً، اقتصر استعمال العبرية على الكتابة. شعار المنظمة: أيها اليهودي تكلّمِ العبريةَ! فالعبرية همزة الوصل بين الانسان اليهودي وماضيه وهي بمثابة الجسر لنهضة اسرائيل.
لا شك أن الهدف الذي وضعته هذه الحركة التطوعية نصب أعينها صعب المنال وهي تسعى جادة لتحقيق بعض النجاح في طريقها الطويل والشائك. بالاضافة إلى تنظيم المؤتمرات تقوم هذه الحركة بفعاليات عديدة منها إقامة النادي العبري وهو اليد اليمنى للحركة في كل مدينة أوروبية فيها جالية يهود ية. يعمل هذا النادي كنواة تستقطب حولها كل المعنيين باللغة العبرية والمحافظة عليها حية محكية. تزوّد العروةُ النادي بالصحف والمجلات والكتب الدراسية اللازمة ووسائل تعليمية مختلفة وأشرطة ڤيديو. كما وتلقى محاضرات في النادي ومن الممكن ممارسة ألعاب اجتماعية جمّة والاشتراك في الغناء والرقص الشعبي وكل ذلك من أجل خلق تجمّع اجتماعي وثيق تحت كنف اللغة العبرية. تُصدر العروة أعمال مؤتمراتها العلمية ضمن سلسلة "شعب وكتاب" وكذلك نشرة دورية تعنى بأخبارها.
في هلسنكي أقيم النادي العبري رسمياً في مقر الجالية اليهودية أثناء انعقاد المؤتمر في الجامعة في عمارة پورتانيا. بالإضافة إلى النادي، هناك في وسط المدينة الكنيس الذي أقيم عام ١٩٠٦وروضة أطفال ومدرسة ابتدائية يهودية تدرّس العبرية والثقافة اليهودية أيضا. كما وهناك دار للمسنين ومستشفى صغير منذ الستينات وجوقة ومكتبة تضم بضعة آلاف من المجلدات حول الدراسات اليهودية باللغات، الإنجليزية والألمانية والسويدية والفنلندية والإيدش.
وأخيراً لا بدّ من التنويه بأمرين هامين. أولهما، بلغت ميزانية الحركة التطوعية من أجل إعلاء شأن اللغة العبرية المحكية لدى الجاليات اليهودية في أوروبا في عام ١٩٩٤ثمانين ألف دولار أمريكي حصلت عليها من النقابة الصهيونية ومن التبرّعات. ثانيهما، يتحتّم على جميع المشاركين في أعمال مؤتمرات هذه الحركة إلقاء محاضراتهم وطرح الأسئلة وإبداء الملاحظات والتحفظات الخ باللغة العبرية فقط.
العماليق والدعوة في كوبنهاچن
في تاريخ ١٤-١٨ من آب ١٩٩٤عقدت الرابطة الأوروبية للدراسات اليهودية EAJS,) (European Association for Jewish Studies مؤتمرَها الخامس تحت العنوان "الدراسات اليهودية في أوروبا الجديدة" في عاصمة الدانمارك. تأسست الرابطة عام ١٩٨١ في جامعة أكسفورد حيث أقيم فيها المؤتمران الأول والثاني ثم في برلين وباريس. شارك في المؤتمر زهاء مائة وخمسين شخصاً من مختلف أنحاء العالم وألقيت أكثر من مائة وعشرين محاضرة تناولت مواضيع ذات علاقة بأحد ميادين المعرفة التالية:
١) فن وعلم آثار
٢) أرشيفات ومكتبات ومتاحف
٣) تاريخ اليهود
٤) كتاب العهد القديم وعلم التفسير
٥) التلمود والمشناة
٦) فلسفة وتصوّف
٧) لغات يهودية
٨) الأدب العبري
٩) علوم اجتماعية
في مثل هذه اللقاءات العلمية الكبيرة لا مندوحة للمشارك من تفحّص البرنامج واختيار مسبق للمحاضرات التي يود الاستماع إليها. لا نضيف شيئا جديدا اذا ذكرنا بأن الفهم الكامل والدقيق للمحاضرات يتمّ بعد نشرها كاملة وقراءتها بتمعّن وتروّ. في هذه العجالة نود التنويه بمحاضرة عالجت موضوع وصية العماليق في اليهودية. توصّل المحاضر السويدي في بحثه المسهب هذا بأن في بعض التيارات الفكرية اليهودية يمكن أن نجد فريضة العماليق، أي يحقّ لليهودي قتل غير اليهودي (الچوي). وقد قرأنا في جريدة هآرتس الإسرائيلية اليومية (٧ شباط ١٩٩٥) مقالا يتعلّق بنفس الموضوع. الوصية "لا تقتل" الواردة في سفر الخروج ٢٠: ١٣ بناء على اجتهاد بعض الفقهاء اليهود تعني لا تقتل يهوديا! كما وورد في الصحيفة بأن العديد من كبار الحاخامين اليهود في إسرائيل لا يرون أي مسوّغ لتقديم من يرى أن قتل غير اليهودي أمر محلل للمحاكمة.
أثارت المحاضرة المذكورة حفيظة أستاذ إسرائيلي بشكل واضح وقال إن بيت القصيد خطير جدا، لدى كل يهودي طاقة كامنة للقتل. وهكذا توجّه الاستاذ إلى منظِّمي الكونغرس وطالب بعقد اجتماع عاجل وعامّ، علني واستثنائي لبحث الموضوع. تمّ الاجتماع الاستثنائي ولا يخفى على القارىء النجيب اللبيب بأنه لا يمكن تحقيق الكثير في مثل هذه الاجتماعات العامة فكل شخص في أغلب الأحيان لا يتزحزح قيد أنملة عن موقفه ورأيه. وهكذا انفضّ الاجتماع دون أن يتراجع المحاضر عمّا ورد في محاضرته.
خرج المحاضرون من القاعة زرافاتٍ ووحدانا ليعودوا إلى فنادقهم إثر نهار طويل ومضن. وحدث لكاتب هذه السطور أن صادف زميله الأستاذ الإسرائيلي. بادر الأستاذ قائلاً: هيا بنا إلى اللقاء! أتنوي المجيء؟ فوجئتُ وأجبته مستفسراً، أي لقاء تقصد؟ أجاب مندهشا، اللقاء بالسفير، ثم أضاف ألم تتلق دعوة من السفارة الإسرائيلية في كوبنهاچن لحفلة استقبال وتعارف في دار السفير؟ وعندما أجبته بالنفي احتدّ الأستاذ المحترم والغيور على حقوق الانسان ثانية وقال: أنا أدعوك فجميع المشاركين الاسرائيليين في المؤتمر مدعوون هذا المساء إلى اللقاء المذكور. عقّبت على هذا الخبر باقتضاب وقلت: معذرة لا يُعقل الانضمام دون دعوة كسائر الناس. ثم أردفت قائلاً الحق أقول لك إنني غير مندهش من عدم تسلّم دعوة فهكذا اعتدت والدهشة ستكون لو وصلتني مثل هذه الدعوة.
ودّعتُ الاستاذَ متمنياً له وقتاً طيباً في حفلة الاستقبال وقفلتُ عائدا إلى الفندق. في الطريق التقيت بسيدة يهودية أمريكية مشاركة في المؤتمر ودار بيننا حديث طويل وودّي، في الظاهر على الأقلّ، عما جرى في الاجتماع الاستثنائي وقضايا كثيرة أخرى. عندما علمت تلك السيدة بعض التفاصيل الشخصية عني، مثلاً انني أحمل الجنسية الاسرائيلية، سألتني: لماذا لم تلب دعوة التعارف لهذا المساء؟ أجبتها مستفسراً ولماذا لم تلبي أنت دعوة السفير؟ قالت: أنا يهودية أمريكية ولست إسرائيلية والدعوات أرسلت للإسرائيليين أينما كانوا. تلك السيدة أقنعتني بأنه لا ينبغي السكوت على ذلك ولا بدّ من استجلاء الأمر. في تلك الأثناء تذكرت سؤالاً كان قد طرحه عليّ قبل يوم محاضر يهودي إسرائيلي أعرفه نزل في نفس الفندق. سؤاله كان: هل ما زلتَ محتفظاً بجواز السفر الإسرائيلي؟ أجبته نعم وأضفت لماذا تسأل؟ قال סתם (هيك) ثم أفصح إثر تدخّل زوجته وقال: هناك دعوة للمشاركين الذين يحملون جوازات سفر إسرائيلية وجّهها إليهم السفير الإسرائيلي لدى الدانمارك.
قبل مغادرتي كوبنهاچن عائداً إلى هلسنكي أرسلت رسالة قصيرة للسيد السفير الاسرائيلي ورد فيها ما ترجمتُه:
"علمت بأن سعادة السفير قد دعا البارحة الإسرائىليين المشاركين في أعمال المؤتمر لحفلة تعارف واستقبال. للأسف لم يتسن لي لقاء سعادته والتحدث إليه كباقي الإسرائيليين".
وصلني رد السفير بعد حوالي أسبوعين قال فيه:
"أسفت عند سماعي عن الحادثة المؤسفة لعدم ورود اسمك في قائمة المحاضرين الذين دعوا لحفلة تعارف واستقبال في منزلي. لسوء الطالع لم تكن قائمة المشتركين الإسرائيليين في المؤتمر في متناول يدي، بل أرسلها منظِّمو الكونغرس إلى السفارة. لذلك لم يعلم العاملون في السفارة شيئاً عن اشتراكك في المؤتمر ومن هنا نشأت <الفشلة>. آسف على الامتعاض وكلي ثقة بأنك تعي أن ما حدث جاء نتيجة سهو مؤسف. فيما يتعلق بالمستقبل فيسرّني أن ألقاك في كل وقت تتواجد فيه في كوبنهاچن".
هوامش:
1 ملحمة الشعب الفنلندي تضم خمسين نشيدا ذات ٥٩٧ ,٢٢ بيتا جمعها "الأب الثاني" للغة الفنلندية الياس لونروت (١٨٢٠-١٨٨٤) المثقف، الشاعر، الطبيب، الصحفي وباحث الفولكلور خلال السنين ١٨٢٨-١٨٤٤. صدرت الطبعة الأولى سنة ١٨٣٥ والثانية الموسعة عام ١٨٤٩. هذه الملحمة مترجمة للغتين العربية والعبرية: الكاليڤالا "ملحمة الشعب الفنلندي" ترجمة: سحبان أحمد مروة، مراجعة يوسي آرو وكاي أورنبري. دار دانا للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ١٩٩١؛ هناك ترجمتان للعبرية غير كاملتين وليستا من اللغة الأصلية (الفنلندية). الأولى بقلم شاؤول تشارنيحوڤسكي (١٨٧٥-١٩٤٣) وقد صدرت في برلين سنة ١٩٣٠ (مج ٤، يشمل ٢٩ نشيدا) ثم عن دار النشر "عام عوڤيد" سنة ١٩٩٢ (مج ٥، ص. ٣-٢٦٤، ٣٢ نشيدا)؛ والثانية: קַלֶוָלָה (פינלנדיה) ארץ הגיבורים, תרגמה ועבדה שׂרה טוביה. זמורה בית מודן - הוצאה לאור, בשיתוף עם ידידי פינלנד בישׂראל. תל-אביב 1978 (٤٠ نشيدا).
2 ספר אבני זכרון המאסף רשימות המצבות על קברי בני ישראל בחצי האי קרים, אשר אסף ורשם החכם הכולל החוקר קדמוניות המורה הראש לכל בני מקרא כמהר"ר אברהם פירקאוויץ ירו' נר''ו. ווילנא תרל''ב (1827; ספר מסה ומריבה חבורו של כמהר''ר אברהם ירושלמי פרכוויץ נר''ו. נדפס בגוזלווא בשנת תקצ''ח (1838).
3 أنظر مثلاً: אליעזר בן-יהודה, החלום ושברו מבחר כתבים בענייני לשון, ההדיר וצירף מבוא והערות ראובן סיוון. ספריית 'דורות' הוצאת מוסד ביאליק ירושלים, 1978 ר' סיוון, תחיית הלשון העברית. ירושלים 1980; שלמה הרמתי, שלושה שקדמו לבן-יהודה. הוצאת יד יצחק בן-צבי, ירושלים תשל"ח; ב' הרשב, מסה על תחיית הלשון העברית. אלפים 2 (1990) 9-45; Jack Fellman, The Revival of a Classical Tongue. Eliezer Ben Yehuda and the Modern Hebrew Language The Hague and Paris 1973; Jack Fellman, The Hebrew Revival: A Myth? Orbis 2(1974) 350-354; Chaim Rabin, The Revival of the Hebrew Language. Ariel 25 (1969) 25-34, D. Shaffer, The Hebrew Revival Myth. Orbis 21 (1972) 315-326.
جامعة هلسنكي