نحن بخير طمئنونا عنكم

أكرم الكريم قرأها 493

( 1 )

لهفة

ما كنت أحسب يا عزيزي خريسان! أن الهاتف، هذه الوسيلة العصرية الأكثر اختصاراً للجهد والوقت والمال، والأكثر استدعاء لراحة البال، يمكن أن تكون سبباً للحسرة والألم.

اليومَ استيقظت باكراً. بالنسبة لي ينقسم اليوم إلى قسمين؛ ما قبل مغيب الشمس وما بعده. يمر الوقت قبل المغيب بطيئاً جداً، أما ما بعد المغيب فيمر سريعاً سريعاً حتى إنني أشعر بحاجتي إلى عشرة أمثاله. وللحالتين سيئاتهما وحسناتهما؛ مثلاً قبل المغيب أبقى متوتراً وحائراً فيما يجب عمله وعاجزاً في نفس الوقت. وهذه مصيبة حقيقية لو تعلم، لكن من حسناتها أنني بسبب بطء سير الزمن، أو لنقل أنني بسبب قلة الحركة والنشاط الذهني يعمل خيالي وذاكرتي أكثر. اليوم مثلاً تذكرت خريسان: أنت تعرف أن الحديث معه كان طموح كل من يرغب في اقتحام الصعاب، لكنّ الحديث معه، كاقتحام الصعاب، له رهبته أيضاً؛ فكم هو محرج أن لا يرد عليك من تخاطبه؟! الأمر شبيه بأن تمد يدك إلى شخص مصافحاً فلا يمد يده، فتبقى يدك معلقة في الهواء، لا أنت قادر على سحبها دون لمسة من الآخر، ولا جدوى من بقائها معلقة هكذا، فيقع عقلك وعصبك في حَيصَ بَيصَ. وهي حالة أدعى للشفقة، ومن الخير للمرء أن يعجل بسحب يده في محاولة للتخفف من الحيصان، أو لإخفاء الورطة أو لجعل المنتبهين لها أقل ما يمكن. لكن من أين تأتي بالعقل في مثل هذه الحالة؟!

أنا شخصياً، في وقت ما، كان طموحي على قدي، وهو أن يتبادل خريسان الحديث معي دون غيري من الناس، هو الذي سكت مرة واحدة وإلى الأبد حسب زعمه. ولماذا أقول: "كان على قدي" فأقلل من أهمية الأمر؟! الآن، وأنا في هذا العمر، لو عاد إلى الحياة وتبادل معي الحديث دون غيري لاعتبرت الحدث إنجازاً كبيراً، وما زلت إلى الآن أعتقد أن جميع الناس آنذاك كانوا مثلي يحلمون بتفردهم بالحديث معه... كلا، ليس في هذا مبالغة فأنا ما زلت أذكر كيف شغل صمته الناس.

وإذا كانت هذه هي الحال فتصور مدى سعادتي عندما دخلت إليه مرة بحضور رجل لم أعد أذكر من هو، وأخذ بعد خروج الرجل يقول شيئاً من قبيل:" شو هيدا يا عمي! فعلاً في ناس ما بتفهم! قلتلّو هيك قام قلّي هيك!"، لا أذكر بالضبط، المهم أنني اعتقدت أنه يوجه الكلام إلي، فقلت لنفسي: جاءت فرصتك يا أبا الكرم، فأخذت نفساً ونتعت صدري إلى الأمام وسألته عن مشكلة الرجل أو أي شيء من هذا القبيل، لكنه لم يجب وتابع حديثه، فاعتقدت أنه لم يسمع سؤالي فأعدته عليه، ولم يجب أيضاً، فقلت ربما لا يريد أن يشرح لي أمراً خاصاً وانطلقت في الحديث عن عجائب الله في خلقه، وعن وجوب الصبر مع بعض الناس الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب، هؤلاء الذين لا يجدي معهم عقل ولا جنون، لكنه تابع حديثه الذي بدأه مع نفسه، ولك أن تتصور حالتي.. تكورت وغرزت ذقني في نحري وقد احمر وجهي. أفترض أن وجهي قد احمر لأن هذا ما يحدث عادة، لكن ليس بالضرورة أن يخجل ويحمر المرء في مثل هذا الموقف، فقد يكون شعوره مختلفاً تماما كأن يصاب بشيء من الحرقة والأسى، كأن تكون اعتدت على عدم التواصل مع عزيز بسبب البعد عنه، ثم تتوفر وسائل اتصال سهلة ويبادر هذا العزيز إلى الاتصال بك، فيفتح شهيتك وتتمنى لو أن ما في داخلك موجود في وعاء لتدلقه دفعة واحدة، فإذا بهذا العزيز ينقطع عن الاتصال.

هذه الرغبة في الكلام، حتى لو تغاضينا عن بعد المسافة أو الفراق طويل الأمد، تصبح في مثل سننا أقرب إلى الطبع أو الحاجة الطبيعية، فحتى عزيزنا موسى، وهو الكتوم البخيل بالكلام، أصبح، ما شاء الله، عندما نجلس معاً، مثل البلبل في فترة التعشيش. وإذا كان موسى قد تحول هذا التحول فلا بد أنها سنة من سنن الطبيعة.

أنت أيضاً على ما أعتقد لا بد أن تميل إلى فتح صندوق الدنيا الذي خبأته في داخلك كل هذه السنين. لا محيص عن هذا الأمر، كأنما بسبب صدأ يبدأ ما في الصندوق بالتسرب. ولقد اعتقدت بعد مراقبة هذا التحول في عزيزنا موسى أن هذا التسرب قد بدأ عندك أيضاً. وجاء اتصالك الوحيد بي بعد كل هذا الانقطاع فعزز لدي هذا الاعتقاد، لكنني اليوم صباحاً، بعد كل هذا الوقت الذي مضى على اتصالك ذاك، وفيما أنا أفكر فيك، تذكرت قصتي مع خريسان، وآلمني أن اليد قصيرة عن الإمساك بسماعة الهاتف.وفيما أنا غارق في هذه الحسرة، وصلت إلى نتيجة، هي أن التواصل معك يصبح ضمن حدود طاقتي لو أنك ترسل لي ثمن كمبيوتر للاشتراك في الإنترنيت، أو ثمن بضعة بوريات لأفعل هذا الأمر بالتخاطر. لكن كيف يكون هذا وأنت لا تشعر بحاجة إلى الكلام، خريسان "لا راح ولا جاء"؟!

( 2 )

أيهما أفضل؟!

شكراً على المال على أمل أن نشكركم لموافاتنا بأخباركم. بفضلك أصبح عندي الآن إنترنيت أطلب منه أن يأخذني إليك، لكن لا تكن لك منة كبيرة علي لأني بهذا سأكون مراسلاً لك أخبرك عن أحوال البلد. ومن يدري؟! ربما كتبتَ "أخبار من البلد" كما فعل طيب الذكر الراحل الباقي حسيب كيالي، أي ربما أصبحتَ بفضل هذا المبلغ كاتباً شهيراً. ويا حبذا، لأنني في هذه الحال أنا من سيكون صاحب المنة. ليس هذا ببعيد ما دمتَ قارئاً جيداً للأدب وما دمتَ تتابعه بهذا الاهتمام. ليوفقنا الله، أنا وأنت، في هذا.

أما بعد، فلا تحتار يا أخانا العزيز؛ عن جد، أخوك اليوم حشاش مرتب. هذا هو خبري الجديد، إنما قصدت من إيراده بهذه الطريقة أن أتركك حائراً لبعض الوقت كي أشرّبك إياه على مهل وروية حتى لا تشعر بالمفاجأة.

حدث هذا بالصدفة: قصدت غرفة عبدو الحبيب ابن لوقا الحبيب كي أستأجره فوجدت عنده مجموعة من شباب البلد؛ منير الصباغ ابن سلوم الصباغ، وأخوه مراد، وجمال النعمان ابن حنا النعمان، وآخرون ليسوا من البلد؛ جيل لا تعرفه فقس بعد اغترابك. وجدتهم يشربون القهوة فاستقبلوني بـ"جيت بوقتك يا حبيب؛ هيدي القهوة محمصة عالدولاب وببور الكاز، ومطحونة بطاحونة الإيد كمان، يعني هي قهوة تراثية على كيفك". عبدو الحبيب يهوى جمع مثل هذه الأدوات البائدة ويعنُّ على باله استخدامها أحياناً، لأنه، على ما يبدو، هو الأسوأ حظاً في البلدة وفي المدينة، يعني هو مفلس من الحاضر ومن الأمل بالمستقبل فلا يبقى له إلا الماضي؛ الماضي الجميل دوماً عندنا لأنه ماضٍ ولأنه مضى. قلت: "صبوا" فصبوا وقالوا: "تفضل اشراب واسترجع أياام زماان!". فعلاً استرجعت أيام زمان، لكن من ذكرها وذكر قهوتها لا من هذه القهوة، لأن هذه القهوة لا تشبه تلك، لا بالنكهة ولا بالرائحة ولا باللون. قلت: "ولك عجيان هيدي القهوة مو قهوة أيام زمان بس فيها شي؛ إلا نكهة غير نكهة قهوة هالإيام، مو مغشوشة"، فقالوا: "اشراب ولا يكون على باالك!"، فشربت ولا على بالي شيء. ولم أفهم لما بدؤوا يكتّون شيئاً ما بأظافرهم، لكني فهمت عندما بدؤوا يفرغون سيكاراتهم ويحشون هذا الشيء المكتوت فيها فقلت لهم: "ولك عجيان عم تحششوا؟!"، مد جمال النعمان يده بسيكارة وقال: "خووود، كيييف!"، قلت لنفسي: "يا ولد جرب! هي مرّة!"، فصببت مرة وأخرى وحشوت في سيكارتي أيضاً عدة مرات. باختصار، صدف أن حضرت فجرّبت فعلقت. كأنما الكيف هو ما كنت أبحث عنه؛ كان الكيف بالنسبة لي كشيء أخذ مكانه طبقْ لزقْ. يا أخي! الكيف ليس ذلك الشر الذي يتصوره الناس، والله لو كنتَ في فرع أمن عربي وأدخلوا في طيزك عصا، تعتقد أنك سيارة وأنها مدخنتك وتسوق ولا على بالك. أيضاً هو يفتّح الذهن فتكتشف أشياء ما كنت لتكتشفها من دونه. تصور! كل عمري أعمل دوائر من دخان سكائري وأشرد معها في حالة من الكآبة، لكن مع دوائر دخان الكيف أمط رقبتي وأنهض لأتبعها برأسي كي أدخله فيها، يعني هنا يوجد لعب لا كآبة. هذه اللعبة كانت مثل الحقيقة؛ كانت قريبة مني تلكزني في أنفي ولم أكتشفها إلا مع دخان سيكارة الكيف.

لا يقتصر الأمر على دوائر أتأملها كئيباً حزيناً شارد الذهن، تتحول مع الكيف إلى لعبة مسلية مرحة، بل يتعداه إلى ما هو أهم؛ الكيف يحوّل واقع غي دي موباسان الكئيب مضروباً بمئة إلى واقع راقصٍ. تصور! أنا عندما طُمشت عيناي وقُيدت يداي وراء ظهري نشف ريقي وشعرت كأن الزبد غلف فمي ولساني، وبدأ لساني يلتف فاستعجلت في طلب الماء. ومن أول جرعة شعرت بالزبد ينكشط، تماماً كما لو أنك دلقت سطل ماء على أرض من رخام أملس مغطى بالقش والغبرة، يعني كدت أُصبح كان. لكن مع الكيف أصبح هذا التحقيق كان ليحل مكانه تحقيقات أخرى على كيفي، جميلة، بل هي بهيجة أحياناً. خذ هذا التحقيق الذي يشبه العرس وإن انتهى بمشكلة. وأين المشكلة في هذا؟! أعراسنا تنتهي عادة بمشكلة!... يسألني أحدهم: "انت شو بتريد؛ يعني بنفهم أنو ضيافتنا عجبيتك؟!".

لقد رأيت قرب الحواجز عبارات من قبيل "الرئيس أو لا أحد"، "الرئيس أو نحرق البلد" فقلت لنفسي أَقتحمهم من هذه المنطقة الرخوة وأزايد عليهم.

قلت: بدكم ياني جاوب متل ما أنا بفكِّر أَم متل ما بدكم ياني فكِّر؟!

قال: لأ، متل ما انت بتفكر.

قلت: يعني البساط أحمدي؟

قال اثنان آخران معاً:

الأول - شو رأيك تتربع كمان؟!

الثاني - شو رأيك تتمدمد وتتكي كمان؟!

حسمها البادئ، كبيرهم على ما يبدو: أحمدي، هات لنشوف.

قلت: أمان يعني؟

قال: أمان، تفضل.

أبتسم رغم أن القيد في يدي والطماشات على عيني كما في المرة الأولى وأقول بكل راحة بال: "رح قول شو بدي، بس لا تسجّلوا لي حكيي. هلّق، هون، بدي احكي حكي طائفي. مو هيدي هيّ الموضة اليوم؟! انتو، مو هيك بتحكو؟!...". ينهرني الأول مقاطعاً: "ولك، حيوان!!"، فيقول أبو بساط أحمدي؛ كبيرهم: "خليه يحكي". فأقول: "في قصة بتقول أنو تنتان اختلفوا عأمومة ولد قدام القاضي. فكر القاضي شوي وقال: "الحل انو نقسم الولد بالنص، وكل وحدة منكم بتاخد نص"، قامت الأم الحقيقية تخلت عن الولد للمدعية فحكم إلا القاضي بالولد لأنّا خافت عليه وما قبلت ينقسم.

قال الأول: إي!!

قلت: أنتو طائفتان، طايفة بتقول: "بيبقى الرئيس أو بنحرق البلد"، وطائفة بتقول: "بيرحل الرئيس أو بنحرق البلد". يعني أنتو كلكم مانكم تعبانين بدق ريحان هالولد، أحسن تتركوا بلدنا وترجعوا لمكة ترعوا الإبل.

 تصور! قلت هذا حرفياً، يعني قلت الإبل ولم أقل الجمال الدارجة على ألسنتنا بالعامية. أتقول أن الدور لبسني فرحت أتحدث معهم بدوياً مع بدويين من القرن السابع؟! ربما، لكن انتبه، هذا الطلب ليس شطحة من شطحات الحشاشين، إنما لا بد أن تقع على كنوز كهذا الكنز إذا ما كنت نبيهاً بحيث تستطيع مد الفكر الطائفي إلى نهايته. الطائفي منفصل عن الواقع، لذا لا يصعب عليه القفز فوق عدة آلاف من السنين، وعمل المخيلة لا يقتصر على التوليد بل هي تحذف أيضاً، وإلا قل لي كيف يصبح الناس فينيقيين وفراعنة وأمازيغ؟!. إذاً، قولي هذا ليس شطحة حشاش، إنما الحشيشة حررت مخيلة حشاش بحيث أصبحت قادرة على الغوص بعيداً في مخيلة الطائفي.

سأل: بلدكم؟! مين أنتو؟

-         نحنا المسيحيين.

-         وليش هيي بلدكم مو بلدنا؟!

-         نحنا كنا هون من الأول، انتو جيتوا من مكة.

قال الثاني: بينّا مسيحيين هون وبينن مسيحيين هُنيك!! يعني انتو كمان عم تحرقوا البلد؟!.

-         في قصة بتقول أنو طالب إنكليزي بْجامعة دمشق، قسم اللغة العربية، تعّب أساتذتو بتعلم اللغة، فشافوا انو ليزم ينوضع بالسكن الجامعي مع طالب بنفس الكلية. وبعد فترة اكتشفوا أنو الطالب العربي أتقن اللغة الإنكليزية تماماً بس الإنكليزي إسّاه عحالو؛ حمار باللغة العربية. والمسيحيين اللي بتحكوا عنّن متل الطالب العربي؛ بدل ما يعلموكم حب هالوطن تعلموا منكم الاستهتار فيه وليزم يرحلوا معكم، ابن البلد مو ليزم أنو يوالي الغريب اللي بيعلن أو بيعمل عحرق بلدو.

قال: طيب، المسلمين هون من كل الطوائف!! يعني نحنا مو طائفتان مثل ما عم تحكي، نحنا سلطة وخارجين عالقانون!!.

-         أنا ماني مإحكي حكيكم اللي بتحكوه مع بعضكم هون، أنا مإِحكي الحكي اللي بتحكوه لما بترجعوا عالبيت أو مع ولاد طائفتكم؛ بشرفكم، لا تجاوبوني هلّق، هيك بينكم وبين نفسكم، انتو مو هيك بتحكو كل واحد مع ولاد طائفتو؟! إذا كان حكيي صح، لا تحاسبوني عشي انتو بتعملوه، أنا طائفي متلكم، من شان هيك ما بنقبل بحرق البلد؛ نحنا ضدكم انتو التنان.

قال الأول: طيب، مين فوضك بالحديث عن المسيحيين؟!

-         ما دمت أنا اللي مَاِحكي هلّق، إذاً أنا المتحدث الشرعي باسمن، وعند ما بيحكي غيري بيكون هوّي المتحدث الشرعي، مو كل واحد منكم بيقول نحنا؟! مين فوضكم انتو؟!. أنا بدي قول نحنا كمان. ارجعوا لمكة.

-         قال: العمى! شو هالمصيبة هيدي؟! بتقولوا انو محشش؟!

لقد أفحمتهم جميعاً، مسيحيين ومسلمين من كل الطوائف؛ في النهاية من يلام على رفضه حرقَ بلده تحت أي ذريعة كانت؟! لذا حلت لحظة صمت كأني بهم كانوا خلالها يتبادلون النظرات فيما بينهم في لحظة صدق مع أنفسهم. لقد قدّرت هذا لإحساسي بالنشوة من مكانتي كقاضٍ ومن قوة حجتي. وفعلاً هذا ما كان، فمهما عتمت النفس فلا بد من بقعة ضوء ولو بحجم النقطة. عرفت أن هذا ما كان فعلاً لأن أبا بساط أحمدي قال: فك قيدو وانزاع الطماشات عن عينو.

دخل آخر على الخط لأول مرة وقال: سيدي!.

قال: متل ما قلتلّك.

فكوا قيدي ونزعوا الطماشات عن عيني وتقدم مني كبيرهم الذي أمر بهذا وقال: بتعرف تدبك دبكة الرجّة؟

قلت: إي، بعرف.

قال: هات إيدك.

أنت تعرف أن دبكة الرجة دبكة نشيطة بهيجة، فهل كان لديه انفعالات قوية تبحث عن وسيلة لتفريغها؟ الله أعلم! هو أيضاً إنسان له طاقة محدودة على احتمال مشاكل مهنته.

قال الأول: سيدي!!.

قال له: امسوك بإيدو التانية. فمسك وبدأنا بالدبكة ثلاثتنا، ثم انضم إلينا الثاني، أما البقية فأخذ بعضهم يدق على الطاولة وبعضهم على الخزانة وبعضهم الآخر أخذ يصفق. وما هي إلا لحظات حتى دخل علينا بعض عناصر الفرع ليشاركونا بهجتنا. أحدهم جاء وعصاه في يده فأخذ ينقر بها على شبك النافذة المعدني، يعني استعمل الشبك كمثلث. كنا من كل الطوائف والديانات ودبكنا على أغنية فيروز "الروزانا"، وعلى "لسة فاكر" لأم كلثوم، وعلى "إيمتى الزمان يسمح يا جميل"، وعلى ما لا حصر له من الأغاني، حتى أغنية مرسيل خليفة "يا علي نحن أهل الجنوب" لم تغب عن بالنا.. دبكنا حتى هدنا التعب وفي النهاية قال لي كبيرهم الذي كان وراء هذه البهجة: هي دبكة ودبّكناك، وهلق انقلع ولا تخليني شوف وجهك مرة تانية.

قلت: بس اسّه ما خلص حكيي.

قال: خلص، انقلع.

قلت: لأ، ما خلص وما رح انقلع. ما قلتوا لي إيمتى رح ترجعوا لمكة؛ ما رح تصير بلدنا متل الخلق والعالم إذا بقيتوا هون ما دام ب 1500 سنة ما تغير شي فيكم إلا لباسكم، نحنا لو كنا لحالنا بهالبلد كنا صرنا متل فرنسا وأمريكا؟!

على ما يبدو، رغم أن نشوتي من تعب الدبكة كانت كبيرة، كنت أحن إلى نشوتي الأولى؛ نشوتي بكوني قاضياً ومتكلماً ذا حجة. لكن، على ما يبدو، كان كبيرهم يحن إلى نشوته أيضاً. لذا قال: "قلت لك انقلع هاه وإلا حطّيتك حفيان ببرميل أطول منّك وشعّلت تحتو النار لتدبك وحدك هيدي المرة؛ دبكة ودبكناك، شو اسّه بدّك كمان؟!" ثم التفت إلى العنصر أبي عصا وقال له: "وصّلوا للباب قبل ما ارجع بكلامي وخليهم يجيبوا البرميل". هنا قال لي جليسي إلى جانبي: "هات"، فسحبت نفسين عميقين من سيكارتي، تأملت في دخانهما ثم ناولته إياها، ومع تحلل آخر دائرة قهقهت لفكرة البرميل العبقرية كأنما لست أنا من يدبك في البرميل بل سعدان، ومددت يدي باسطاً راحتي وقلت لصاحب الفكرة: "صبها"، فصبها، لكن، ورغم أنه صبها، بل صبها وابتسامة جميلة ترتسم على شفتيه، انقلعتُ وعدت صاحياً في نفس اللحظة، لأن أعصابي لم تستطع احتمال تخيل هذه الصورة الجهنمية. العمى! تصور! أنا حافي القدمين، في برميل طويل لا يمكنني الخروج منه، النار تشتعل تحته ويسخن ببطء، فآخذ بالانتقال من قدم إلى أخرى، ببطء في البداية، فأسرع فأسرع فأسرع، وبعدها؟!. العمى! من أين جاءته هذه الفكرة؟! صحوت وكأنني لم أعرف الكيف مطلقاً في حياتي كلها، فعدت أدرجها وأدخّن وأصحو، أدرجها وأدخن وأصحو، أدرجُ وأدحنُ، أدرج وأدخن، حتى انقطعت هذه الحكاية التي لا يجب أن تذكرها أمام أحد حتى لا يُفطن لهذه الوسيلة لا في شرق المتوسط ولا في جنوبه، ولا في جنوب شرقه القريب أو البعيد، حتى ولا في أي مكان في العالم كله.

الآن، قل لي، بربك، أي التحقيقين أجمل؟! لو سألت المسيحيين ممن اصطفوا مع الجهتين لأجمعوا على أن الثاني أجمل جداً جداً، يعني الوحدة والصراع في ال"نا"، ليس مثل تحالف الخصوم أو الأعداء، بل مثل خصومة المتشابهين، لكنني على يقين أنك ستصوت للأول؛ أنا أفهمك جيداً، أنت وطني... ومع هذا سترسل لي ثمن كمية لا بأس بها من الكيف كي لا أرجع إلى مثل التحقيق الأول، لأن الأخ الحي الحشاش أفضل من الأخ الكان ولو كان أفلاطون عصره. ما رأيك أليس هذا التحليل منطقياً؟! أأنتظر ولك الشكر؟.

( 3 )

هات غير هذا الحل

أخبرتني زوجي أنك اتصلت بالهاتف أثناء غيابي عن البيت، وأنك حائر في كيف تفهم رسائلي، الإيميل خاصة؛ أهي محاولات قصصية أم أن ما جاء فيها عن الكيف حقيقة؟ لذا أنت تريد الحديث معي مباشرة لتقف على حقيقة هذا الأمر. لقد تركها اتصالك في حيرة هي أيضاً؛ قالت لي: عن جد، صحيح، انت بتحشش؟! من شان هيك بتكون أحياناً غير شكل؟!. طبعاً لم يكن من مصلحتي أن تصل زوجي إلى يقين، لذا بقيتْ مثلك حائرة في أمري، أي أنها ستُقلق راحتي بالأخذ والرد حول الموضوع... أرجوك! لا تعد إلى مثل هذا الحديث مع زوجي، بل لا تتصل بالهاتف أبداً وخلِّ اتصالك يكون عن طريق الإيميل دوماً.

       أما بخصوص ما قلته عن شخصي "الكريم"، فليكن في علمك أنني لست كأي حشاش؛ أنا حشاش شريف لا ينفق على الكيف من لقمة أطفاله. يا أخي اعتبرني مثل "توما السكران" في البلدة؛ هو متعطل يرفض القيام بأي عمل، ومع هذا لا تراه إلا سكران دون أن يلومه أحد، بل تراهم يدفعون له عن طيب خاطر ويجالسونه على أتم انسجام، فاحمد ربك أن الله أنعم عليك بالمال وبأخٍ شريف يعمل ولا يمد يده لغريب، إنما يطلب منك لأنه لا يريد أن ينفق على ملذاته من لقمة أطفاله... أم أنك تريدني أن أكون مثل "توما السكران"؟!.

أما بعد، فأنت تقول لي أن هناك حلاً آخر هو أن أترك السياسة والكيف معاً، فلا يكون تحقيق أول ولا تحقيق ثانٍ. لا أعرف، كأني بك فهمت من كلامي أني هربت إلى التحقيق الثاني خوفاً من التحقيق الأول. أنا لم أقل هذا؛ أنا قلت أن الكيف يحول الأول إلى الثاني، أو يجعل الواقع القبيح واقعاً حسناً قابلاً للعيش فيه. ومع هذا لنفرض يا أخي أني فعلت وتركت السياسة بعد التحقيق الأول، أي أني عرفت حدي فوقفت عنده. هذا لا يكفي لأكون غير يائس من رحمة الله، فالمثل قاعدة لا شجرة خضراء يا أخي، يعني لن أستبعد في هذه الحال حدوث التحقيق الأول لأن القاعدة عندنا هي غياب القاعدة: أنت تعرف ابن بلدتنا النحات آيل بن ماجد النعمان، فهل عرفت أنه نال كل ما في اسمه من نصيب وآل إلى كان؟! ولماذا؟! لا لشيء، هكذا، ضربة حظ. هو لم يكن ناشطاً سياسياً قط، ولم يكن يتحدث بالسياسة قبل أن يؤول، ولم يكن يحب السياسة فلم يسمح بالحديث بها في محترفه، ولم يكن لديه مجال لأي نشاط من أي نوع لأنه يفتح محترفه من الصباح وحتى العاشرة ليلاً، لكن كل هذا لا يكفي إذا ما دخل محترفك بطل متفرد يغرد خارج سرب أبطال هذا الزمان في بلادك، وأخذ يستفزك ويستفزك ويستفزك إلى أن تنطق بعبارة تصلح مادة أولية لتقرير مرتب. هذا ما حدث فجاؤوا المحترف مسلحين وأخذوه مطمّشاً مقيداً حشكْ لبكْ، فلم يحتمل قلبه هذه المهانة، فآل إلى كان قبل أن يصل إلى الفرع. إذاً، تركُ السياسة ليس حلاً لمسألة التحقيق الأول ويتوجب عليك أن تأتينا بغير هذا الحل.

يا أخي! ليت الأمر يقف عند هذا التحقيق، فهو ليس إلا إبرة من قبح في كومة من القباحة، بل إن أي تحقيق يمكن لك أن تتخيله، حتى تحقيق البرميل فوق النار، أقل قبحاً من هذا الواقع الذي لا يمكن لك تخيل منتهى قباحته.

خذ هذه البلدة التي لعنها الله سبعاً وسبعين وما اكتفى فتركها تعشق ذاتها حتى رماها بالهبل التام، تماماً مثل قبيحة تآمر عليها من حولها وراحوا يتغنون بجمالها الأخاذ؛ لقد بدت لحظة وصول خبر موت الفنان بهذه الطريقة وكأنها دخلت سباقاً محموماً في تأليف الإشاعات، حتى ما عاد إنسان هذه البلدة، في نظري، حيواناً ناطقاً بل حيوان حامل إشاعة، إنه للإشاعة مثل العصا للعلم، قل هو إشاعة تمشي على قدمين.

لو صورت حقل القمح، مثلاً، لحظة الإنبات تصويراً بطيئاً لرأيته يفور بالخضرة فجأة، لكن هنا، في حال هذه البلدة، لا خضرة ولا حياة بل نتن نتن نتن، فكأن هذه البلدة أخذت طبعها من النبع الفوار في سفحها؛ تراه، إذا ما كنت غريباً، بركة ماء فتنزل الدرج مثل الآخرين كي تشرب أو تملأ وعاءً، فإذا كانت الصدفة سمعتَ هديراً عميقاً أصم، وإذ لم تكن من العارفين بسره غافلتك مياهه وجرفتك، وربما قذفتك؛ من أين جاءت هذه المياه؟! ومنذ متى وأين كانت تتجمع؟!. هكذا فارت هذه البلدة بالنتن لدى وصول خبر موت الفنان بهذه الطريقة. كلا، لا حقل القمح ولا هذا الفوار بكافيين لتصوير ما حدث، فنبتُ الحقل متعدد وديع وماء الفوار متحد مندفع، أما ما حدث فهو متعدد عنيف: عندما تضع قدر الماء على النار ترى سطحه ساكناً، ويبقى ساكناً إلى ما قبل جزء من مئة من درجة الغليان، ثم فجأة يبدأ بالفوران؛ فقاعات فقاعات فقاعات، ثم لا تعود ترى فقاعات بل الماء نفسه يتقلب بصخب. هذا ما حدث في البلدة لدى وصول خبر موت الفنان؛ في البدء إشاعات إشاعات إشاعات، لكل امرئ إشاعته الخاصة الأغرب من الخيال، إشاعته التي تسيء للفنان وتهوّن من أمر موته بهذه الطريقة، بل لا يصح أن تقول شائعة لأنك لا تسمعها هي نفسها من اثنين؛ الشيوع هو الانتشار وهنا ترى الإشاعة ملتصقة بصاحبها غير شائعة، لأن لكل من الآخرين إشاعتهم التي لم تشع لنفس السبب، فهل يصح أن تقول إشاعة غير شائعة؟! إذاً هي كذبة بحقوق ملكية للمؤلف وبالتوجيه الذاتي أيضاً، لأن التوجيه المركزي يقتضي وحدة الكذبة وبالتالي شيوعها. ليس كل هذا إلا ربع المصيبة، أما بقيتها فهي أنك، رغم توضيحات الأصدقاء، كنت ترى الإشاعات غير الشائعة تزداد وزناً وعدداً، بل بدا أنه من الأفضل ألا يردها المرء لأن كل توضيح كان يزيد نار هذا الأتون تأججاً. وفي لحظة ما، ما عادت هذه الإشاعات تشبه الماء يتقلب في القدر على النار، بل كأن الماء يقفز من القدر وينفجر في الهواء أو يتشظى... هستيريا عامة لأن فناناً آل إلى كان بهذه الطريقة!!... وأنا الصديق كنت قد أخذت إجازة لمدة شهر؛ قلت أحضر الدفن والعزاء وأسلو بقية الشهر عن طوشتنا في بلدة ما زال فيها بقايا ريف؛ خضرة وماء وهواء نقي وهموم صغيرة. لكنني إذ وجدت نفسي عالقاً مثل السمكة؛ لا أنا بقادر على السكوت ولا أنا أجرؤ، بعد كل ما رأيت، على رد الشائعات، فررت خوفاً على عقلي أو حياتي؛ قلت لا شك أني وارد أحد الموردين إن بقيت، ففررت مقدراً أن صديقي سيغفر لي تقصيري عن الوفاء له.

لا الهواية، ولا الاحتراف، ولا السادية، ولا الحسد، ولا النفس الكلبية، ولا الجهل، كلها مجتمعة، بالشيء الكافي لاختلاق هذه الإشاعات، فأين نجد السبب يا من خلقتَ هذه البلدة ولأية حكمة خلقتها؟!!.

يا أخي! يمكن أن نعتبر هذه البلدة تصغيراً لهذه البلاد؛ انظر إلى المتحدثين على الفضائيات؛ ألا يراودك الظن عندما تراهم أن عصفورية فلتت؟!. وأنا، كما قلت لك، تركت السياسة، لا هرباً من التحقيق الأول، بل بسبب هذه القباحة التي لم أجد مهرباً منها إلا بالكيف، فهل لديك حل لمسألة هذه القباحة بعد أن كان لديك حل لمسألة التحقيق الأول؟!. قل لي كيف أتجنب هذه البلاد بوسيلة أخرى؛ أنا لو تغربت بعد هذا العمر لقتلني الحنين ما لم أهرب من الغربة إلى الكيف!. لا، أخي! لا، ألف نعم للكيف في البلد وألف لا للكيف في الغربة. أخي! هات غير هذا الحل.

( 4 )

اتركني حائراً، أرجوك!

تقول أنك لست مستعداً لمساعدتي في هذه الحماقة التي هي شقاء لا كيف، لكنك قلت سابقاً أنك حائر في أمر ما جاء عن الكيف في رسائلي؛ أهو حقيقة أم محاولات قصصية؟!. هذا يعني أن في هذه الرسائل فن قصصي. وبما أنك تحب الأدب، وبما أنك تنفق على قراءته بعض المال، يجب عليك أن ترسل قيمة هذه القصص مع المبلغ المعتاد؛ هذا إن أعجبتك... تقول أيضاً أن أمر الإشاعة غير الشائعة مفهوم على أساس أن هذا الكذب يغطي عورة. لا أدري، هل هذا حل لمشكلتي أم مفاقمة لها؟! يا أخي! السياسة والشفافية صنوان لا يفترقان. هذا يعني أن الكذب ضد السياسة بخلاف الاعتقاد السائد عندنا، لأن السياسة بالتعريف هي التدبير الحسن للأمور، وكما أنه في الطب لا علاج دون تشخيص قائم على مراقبة أعراض، فكذلك لا سياسة دون تشخيص قائم على توصيف دقيق، فأية جهنم تهيّئ لنا الإشاعة غير الشائعة؟!. ومن أين لي الطاقة لانتظار هذه الجهنم دون جنون؟!. وماذا تعمل بعقلك إذا كانت الإشاعة غير الشائعة هي خير تعبير عن روح هذه البلاد، كل البلاد؟!.

أما بعد، فيا أخي! أنت تقول أنه لا موت الفنان آيل بهذه الطريقة، ولا كل ما رافقه، ولا التحقيق الأول، ولا التحقيق الثاني، كل هذا ليس مبرراً لتعاطي الكيف، فكل هذا ليس إلا من باب إيجاد مبررات لما لا مبرر له، بل اكتشفتَ، على ما بدا لك، من هذا الأسلوب في التبرير أنني أصبحت مثقفاً ما شاء الله، وأنك ضقت ذرعاً من أسلوب المثقفين الجميل هذا، لكن لاحظ كيف قلت أنك صدّقت تورطي بالكيف لكن عقلك لم يصدق. هل حقاً أنك أنت من قال هذا؟! إذاً، ما هو الشيء الذي صدّق فيك إن لم يكن عقلك؟! هذا يعني أنك مشروع مجنون أو حشاش عظيم، لأن هذا بالضبط ما يجعل الكيف حلاً؛ أن تصدق أشياء ولا يصدقها عقلك.

أحد جيراني فقد عقله أو كاد لأنه كان يرى ويسمع ولا يصدق، فأنت تراه، وقد جاءته لحظة من شرود الذهن، يركز نظره في شيء فوق الأفق أو في أعلى جدار الغرفة، ثم تجده ينتفض فجأة ويقول لك: اضربني اضربني، اضربني على وجهي، لا تتحرج، أنا أطلب منك هذا. كان يشرد في أشياء رأتها عيناه لكنه عجز عن تصديقها، يعني هي أشياء صدقها لكن عقله لم يصدقها؛ هي أشياء ما كان لعاقل أو مجنون أن يتخيلها قبل هذه الطوشة، حتى ولو كان ذا خيال جامح؛ أشياء نبقت مثل الفطر بعد المطر أو مثل الإشاعات غير الشائعة بعد موت الفنان آيل بهذه الطريقة؛ أشياء لن أرويها لك لأنك لن تصدقها ولن يصدقها عقلك أيضاً، وربما اعتبرتها تخيلات حشاش، هذا إذا لم تشكّ بي كما فعل عمنا الذي جاء من الأحراش ولم يرح مثل شادي، بل بقي يكبر معي كي يناكدني ويسمم روحي كما أخبرتك. أنا أروي لك قصة هذا الجار لتقرر بنفسك؛ أيُّ الحلين تختار لي؛ الجنون أم الكيف؟!.

ليكن في علمك أن هذه الأشياء يفعلها الطرفان الأساسيان في هذه الطوشة؛ السلطة ومعارضتها. يا أخي لبعض الصدف المدهشة تأثير مدهش أيضاً! تصور! رغم سعة الدنيا طولاً وعرضاً وعمقاً، تأتي ذبابة وتتبرّز فوق رأس راء رنوة بالضبط!. وهكذا، حدث أن السلطة أطلقت شرارة الطوشة لحظة كانت صلة المعارضة بنقطتها أوهى ما يكون، فسقطت النقطة مع أول اهتزاز أحدثته الشرارة وما عاد ممكناً إعادتها إلى موضعها؛ كأنها ورقة صفراء شبه يابسة أسقطتها شمس الخريف وريحه. لذا وجدنا الطرفين الأساسيين يستنفران أسوأنا وأسوأ ما فينا، فكانت هذه الأشياء التي لا يصدقها عقل وما كان لخيالٍ جامح أن يتصورها كما قلت لك؛ هي أشياء بدا معها وكأن عدواً يصيح في أهل البلاد" السندان من تحتكم والمطرقة من فوقكم فوالله ما لكم إلا الهرس "، أو كأن عزرائيل يصيح بهم "جهنمٌ من أمامكم وأخرى من خلفكم فوالله ما لكم إلا الحرق"، فكأننا بين جهنمين التقيا مثل قطارين سريعين؛ تصور أنك أردت الهرب من جهنم تقتحمك فالتفت فإذا بجهنم أخرى خلفك وأنت سلحفاة لا قذيفة!. في هذه الحال ستحاول أن تحفر تحتك بأصابعك العارية ولو كانت الأرض صخراً، ولو أن المهلة لديك لا تسمح لك إلا بضربة واحدة من يد واحدة. يا أخي! نحن هنا لسنا في قيام الساعة حيث تغفل الأم عن رضيعها كما في الإنجيل؛ قيام الساعة هي لحظة إنذار بجهنم ونحن في جهنمين لا جهنم واحدة، جهنمين كل منهما تلعن أختها وتؤججها.

كلا، لن أحدثك في التفاصيل الآن لأنك لن تصدق. قبل حديث التفاصيل سأقترح عليك تمرينا تقوم به بنفسك لتتعرف على الأعماق السحيقة التي نبعت منها مفردات هذه الطوشة؛ من دون معرفة هذه الأعماق لن تتقبل لا أنت ولا عقلك ولا خيالك حدوث مثل هذه الأشياء.

ـ ضع نظرك على رجل، أو رجال، اغترب إلى بلاد العقل منذ عدة عقود، حائز على شهادة عليا؛ طبيب أو مهندس أو صيدلي، ثم اقتنص منه فرصة يقول فيها أنتم أو نحن أو هم وهو يقصد قوماً أو طائفة. الأفضل أن يكون من جماعة نحن كيلا يكون حرج في التعبير عن النفس.

ـ عندما يلفظ أحدَ هذه الضمائر اختطف الحديث وقل له: هذه إهانة؛ لأن هذا الكلام يصح على نوع حيواني، فأنت لو درست فرداً من نوع حيواني ما، ذئباً أو صرصوراً مثلاً، في موقف ما، تستطيع أن تعرف كيف يتصرف جميع ذئاب أو صراصير العالم في مثل هذا الموقف، أما الناس فلا يصح عليهم هذا.

ـ سيوافقك لكنه في حديث آخر سيعود إلى أحد هذه الضمائر. وضّح بمثل مختلف. قل: وهل أفراد الطوائف أو الأقوام معمولون على الآلة الناسخة؟!. أم هم مستنسخون مثل النعجة دوللي؟!

ـ سيوافقك ومع هذا ستقول له في مرة أخرى: حتى في القطيع يستطيع الراعي الجيد أن يميز شاة عن أخرى!.

ـ في مرة أخرى ستقول له: يستحيل أن يجتمع قوم أو طائفة على رأي، لأن لكل فرد ثقافته وخبرته ومصلحته، حتى أنتم في البيت لا تتفقون برأي أو موقف.

ـ في مرة أخرى ستقول له: انظر، نحن هنا من نفس الطائفة أو القوم ومع هذا لا يتفق اثنان منا على رأي وموقف. استشهد على تنوع المواقف ضمن الطوائف والأقوام بتوزعها على أحزاب متصارعة أو بأناس من معارفه.

ـ قل: طوائف وأقوام هذه البلاد، وأي بلاد، بعضُها لبعض مرايا، فكل ما تراه في مكان تجده في كل الأمكنة وبنفس النسبة. هنا يجب أن تستعمل ذكاءك وثقافتك كي ترد المظاهر المختلفة إلى جذورها العميقة المشتركة بين الطوائف أو الأقوام.

توقع دوماً، هيّئ نفسك، حضر قولك. هو القول نفسه لكن تفنن بالصياغة كي تأتي مختلفة لفظاً في كل مرة.

لا تنسَ؛ أنت تُجري تجربتك على شهادة عليا عاشت عقوداً في بلاد العلم والعقل، يعني أن موضوع التجربة عاش في بيئة عقلانية غير موتورة، وفهم أثناء الدراسة أشياء صعبة وحل مسائل رياضية عويصة، ومع هذا هو دائما سيعود إلى هذه الضمائر رغم أنك أفحمته في كل مرة عاد إليها. لقد حيرني هذا الأمر حتى كاد عقلي يطق، فوجدت نفسي مرة أقول لشهادة عليا: يا أخي شو هيّي رياضيات عليا؟!. وكانت ملاحقتي لهذه الضمائر قد أثخنته على ما يبدو فقال: يا أخي عندك مو رياضيات عليا، عنّا رياضيات عليا!!. هذا الشهادة، وغيره، بخلافك؛ عقله صدّق أما هو نفسه فلم يصدق! كيف؟!. يا أخي! كيف يصدق عقل المرء ولا يصدق هو؟! لقد فهمت أن يصدق المرء ويعجز عقله عن التصديق، أما أن يصدق عقله ويعجز هو، فهذا ما صدقته ويعجز عقلي عن تصديقه. يا أخي! لقد تركت السياسة وهذه الطوشة خلف ظهري من أجل ملاحقة تلك الضمائر، عند الشهادات خاصة، لكن كل ما حصلت عليه من بعد النكد والجفاء والعزلة، هو فقط ابتسامات عريضة أو تحيات جميلة في الطريق، فأنت ترى مثل هذا الشهادة يحبني ويتجنبني. لماذا؟! لأنه يرى بي تجسيداً لعقله!!. كيف؟! أنا أفهم أن يحب المرء عقله، أما أن يتجنبه فهذا ما صدقته وعجز عقلي عن تصديقه. ثم إن هذا الشهادة، إذا ما تناول الحديث حزب الله، قال لك: "هو حزب طائفي"، فهذا الطائفي دموي مستعد لحرب مئة عام أخرى لكن ليس مع إسرائيل، بل هو مع إسرائيل حمامة. وهذا أيضاً عاينته وصدقته لكن عقلي يعجز عن تصديقه. أما إذا كان هذا الشهادة مؤيداً لحزب الله، فعلى أساس طائفي أيضاً، فهو يقول لك: "من أين يأتي الرئيس بالأيدي النظيفة للمناصب؟!."، أو "هذا الشعب لا يمشي إلا بضرب الكف، أو هذا الشعب لا يستحق الحرية". تصور! بلد لا يوجد فيها إلا شخص نظيف واحد وحيد، أو شخص واحد وحيد يحق له حجز حرية البقية!. فهو كي يبرئ شخصاً لا يجد حجة إلا اتهام ثلاثة وعشرين مليون شخص، بمن فيهم المتحدث نفسه. ومثل هذا عاينته وصدقته أيضاً لكن عقلي يعجز عن تصديقه... فيا أخييي! إن واقعنا أبعد من الخيال، فلمَ يجب أن أتخلى عن خيال الكيف الجميل من أجل الخيالي القبيح؟!. لمَ يجب أن أتخلى عما يلطف هذا القبح؟!.

يا أخي! لقد صدّقتَ الإشاعة غير الشائعة وصدقها عقلك؛ هذه فهمناها وقبلناها منك، لكن إذا قمت بهذه التجربة وصدّقتَ وصدق عقلك، لن آتي على ذكر التفاصيل لأنها ستعزز الضمائر عندك أنت أيضاً، وأنت بدورك يجب ألا ترد علي وألا تحاورني، لأنه في هذه الحال لا جدوى من الكلام، بل أقول لك بصراحة، أنك، في هذه الحال، ستكون سبباً إضافياً لهروبي إلى الكيف بسبب إحساسي بالخسران. أرجوك! اتركني حائراً في هذا الأمر؛ أنا لا أريد إيضاحاً منك والسلام.

( 5 )

مخطط أولي لقصة طويلة جداً

أو

ابن زريق السوري يحبس نفسه

أنا، يا محب الأدب، كتبت لك الرسالة السابقة على شكل قصة كيلا يكون لك منّة علي بما ترسله زيادة عن المعتاد، وطلبت ألا ترسل هذه الزيادة إن لم تعجبك القصة، لكنك أرسلتها وطلبتَ أن أنفقها على العلاج أو الترويح عن النفس، فلم أفهم إن كانت القصة قد أعجبتك أم لا، فلنتفق على أن تكون الزيادة تعبيراً عن الرضا من الآن فصاعداً. وأنت، يا محب الأدب، القارئ الوحيد لقصصي، وبالتالي أنت بمعنى من المعاني الناشر الوحيد أيضاً، فإن لم تعجبك نشرتُها فوق السطح على حبل الغسيل، كما سبق وفعل بقصصه صديقي سامر شمالي الذي حدثتك عنه، فاعمل جهدك كي ترضيك إذاً. لكن إذا ما أرسلتَ فليكن ما ترسله غير مشفوع بالملامة كما فعلتَ في المرات السابقة. حقاً لقد بالغتَ وبالغ رفاقي هنا في لومي!. وربما أضر المرء بكثرة اللوم من حيث قدّر أن اللوم ينفع، فلا تعد إلى اللوم لأنه لن يردع، فإذا أردت ألا تفقدني أنقدني ولا تنقدني إذ أن أخاك مكره لا مولع؛ ألا فافهم أن أخاك هو ابن زريق البغدادي حابساً نفسه لا متخلّع!. وإذا عجبت فقلت: ما هذا؛ لماذا تسجع؟! قلت: لأني جرّبت معك الأسلوب العصري ولم ينفع، فاترك الإلحاح كي أفعل فعلك وعن السجع أرجع.

 ملاحظة: يبدو بعض هذا السجع متكلفاً. ومن المؤكد أني ما كنت لأكتبه لو لم أكن قد تقمصت الجاحظ. وهذا يعني أمرين معاً؛ أنني كنت مسلطناً تماماً أثناء الكتابة، هذا أولاً، وأن الإنسان يخطئ بمقدار ما يحس بالعظمة، ثانياً. لكني لا أريد الآن الرجوع عن هذا السجع، وإلا لقلت لك بدلاً منه: حَذارِ حذار من النصح لأن القليل منه يدل على قلة خبرة، أما الكثير منه فيعبر عن التعالي على المنصوح له. وهما أمران لا يمكن تجاوزهما بقرار، وبالتالي إن عودتك إلى النصح مرة تلو المرة ليست أقل شأناً مما أنا فيه، إذ كيف أستطيع الرجوع عما دفعتني إليه الظروف القاهرة إذا كنتَ لا تستطيع الرجوع عما دفعتك إليه العاطفة الأخوية فقط؟! فلا تنهَ عن أمر وتأتيَ مثله... إن كان في مقدورك الرجوع أرجع أنا.

يا أخي! لقد قلتَ حقاً إذ زعمت أن من يتخلَّ عن عقله لحظة يتخلَّ عنه دائماً، لكن لماذا تصر، بعد كل ما ذكرتُه في الرسائل السابقة، أن تنظر إلى الأمر من ناحية ما هو مراد المرء لا من ناحية ما هو مكره عليه؟! وكيف تريدني أن أستعمل هذه الزيادة في العلاج أو الترويح عن النفس؟! هل كنتُ سأستنجد بالكيف بعد كل هذا العمر الذي أنفقته على عقلي لو كان من منجد غيره، أو لو كان الترويح عن النفس ممكناً بغيره؟! أحقاً لا يكفيك طول صحبتي مع العقل لتدرك أني كنت مجبراً على فراقه؟! ألا تفهم أنه ليس في وسعك أن تقول شيئاً لا أعرفه عن خطر هذا العصيان، أم أنك لتفهم يجب أن تأكل العصي بدلاً من أن تَعُدّها؟!.

ملاحظة: لا شك أنك لاحظت أني شكّلت الكلمة الأخيرة. هذا كيلا تقرأها تُعِدُها فتكون مشاركاً في الضرب، ويكون المعنى أنه يجب أن تُضرَب بدلاً من أن تَضرِب. وهذا الفهم وارد لأن السياق يحتمل هذا المعنى إذا ما فهمتَ أن لومك لي يشبه الضرب الذي تستحق عليه مثله، أو التهديد الذي يُردّ عليه بمثله، أي كأني أقول لك في حال تُعِدُها: أنت لا أنا من يستحق الضرب أو اللوم الذي يشبه الضرب.

يا أخي! لقد ذكرت لك كثيراً من الأسباب الموجبة للكيف ولم تفهم، فلماذا تحب الشرح كثيراً؟! يا أخي! انسَ كل ما ذكرته في رسائلي السابقة وتأمل جيداً فيما سيأتي. الآن سأتحدث معك بكثير من الشرح والتفصيل علك تفهم، بل ستفهم.

أنت تعرف أني من أهل كهف السياسة، انصرفت منذ حداثتي عن كل شيء في الحياة إليها حتى ما عدت أعرف غيرها، فإذا ما كان جليسي غير محب لها وقعتُ في حَيصَ بَيصَ ورحت أخبره أن الطقس حار إذا كان الوقت صيفاً، وأن المطر غزير إذا كان الوقت شتاء، أو رحت أسأله أسئلة من قبيل: "شو في ما في؟". ونصف المصيبة هي إذا لم يكن لدى الجليس "في"، والمصيبة الكاملة إذا كان لديه "في" بائخة، والمصيبة الكاملة المجلجلة إذا كانت ال"في" متفجرة تفجر الأعصاب. هذا أولاً فاحفظه جيداً، أما ثانياً، فأنت نفسك كنت تزعم أن الحديث مع صادق بن عمتك أنيسة عبث مطلق، لأنه لم يسبق أن حُرم إنسان أيَّ نصيب من اسمه كما حُرم، فهو لا يقول إلا الكذب؛ لا تلمه على شيء، ولا تسأله عن شيء، ولا تطلب منه شيئاً أو يعِدك بشيء إلا وكان كذبه مدهشاً في سرعته وتلقائيته. فإذا كان المرء عارفاً بهذا العيب فيه وحدثه مع ذلك، كان كمن يحدث لا شيء لا لشيء، وهذا هو السخف بعينه. هذا هو كلامك أنت في ابن عمتنا، أكاد أذكره حرفياً تقريباً لكثرة ما كنتَ تردده. اليوم الشعب كله يكذب إذا ما تحدث حديث السياسة، فما العمل إذا ما وقعتُ بين سياسة على لسان ابن عمتنا وبين "شو في ما في"؟! أو قل أني تركتُ السياسة عجزاً، فماذا أفعل إذا ما عدتُ عاجزاً عن الحديث فيها وعاجزاً في الوقت نفسه عن الحديث في غيرها؟!. لقد استعضتُ مكرهاً عنها وعن سخيف الحديث بالكيف. وأنا الآن في حنين إلى السياسة كحنين الشيخ إلى صباه، ولكن كيف؟!. أنا يا أخي! كلما نقهتُ استبد بي الشوق إليها وسعيت إليها سعي المراهق إلى فتاته، لكنني في كل مرة أرتد عن تحت شباكها مرعوباً من أعمامها وأخوالها. فيا أخي! لا يُحكَم الحصار على العدو كي يبقى لديه أمل في النجاة فلا يستقتل، وأنا حصاري محكم، فلا سبيل أمامي إلا إلى صبر أيوب في حصن الكيف، فلا تستبسل في دفعي عن هذا الحصن وإلا طق عقلي؛ فإن فقدت عقلي برضاي فهو كالقط سيجدني رغماً عني، وإن فقدني برضاه فهو كالنفَس سيضيع رغماً عنه. يا أخي! تصور أن شارلي شابلن نظر أمامه ليرى العدو الفاتك، فنظر وراءه ليرى البحر المهلك!. هذه هي حالي!. لذا، وبالتأكيد، لن تكون نصائحك هي المُخرج الذي يخرجني من هذا الفلم، فيا أخي! افهم رحمة بأخيك!.

يا أخي! تصور أن سفينة حربية إيرانية التفّت حول الجزيرة العربية وصولاً إلى شمال المتوسط كي تقصف حيّاً صغيراً في اللاذقية؟! ألا يكفي هذا كي يطق عقلك؟! نعم!. لكن أيهما أكبر؛ أن يحدث هذا فعلاً أم يُدّعى به كذباً أو يُختلق؟ طبعاً أن يُختلق!. اعلم إذاً أن هذا الخبر وأمثاله قد شاع بين الناس قبل أن يذكره القادة في التلفاز. وأنت الذي عرفت السياسة اهتماماً بالقضايا الكبيرة، كيف سيحتمل عقلك انشغاله بتفنيد كذبات كهذه؟! وفوق ذلك أنت تعلم، علم يقين، أنهم أنفسهم لا يصدقونها إطلاقاً!.

يا أخي! ما دامت هذه السفينة قد فعلتها وجاءت فلمَ لم تختصر الطريق وتأتي براً حيث لا عواصف بحرية ولا من يقلقون؟! حقاً لا يصح أن نقول: "سفينة تشق عباب البر"، لكنّ هذا، إذا لزم الأمر، مما يصدّقون!. هي كبوة أو قصور إنساني على الأرجح، لأن سفينة تشق عباب البر، كانت ستضرب في كل اتجاه بدلاً من اتجاه غرب شرق فقط، فأيهما أكثر إثارة للغط؛ أن تضرب إيران نقطة فقط، أم أن تضرب على طول الخط؟!. طبعاً أن تضرب على طول الخط، لأن السفينة كانت في هذه الحال ستغرّز في الشط، فيغضب طاقمها غضب العالق ويكفر فوق كفره فيضرب بسخط.

سأحدثك عن كذبات أخرى يا أخي!. لكنّ أفكاري الآن تحرن مثل حمار فتي، وترفض السيلان عن رأس ريشتي مثل فأر ينتفض مكانه في مصيدة من دبق. ذلك لأني ما زلت أُعمل عقلي فيما أكتبه. وهذا مما لا ينفع بل يضر. ذلك لأن الموضوع يحتاج إلى خيال بلا ضوابط أو حدود، فلا بد أن إكمال هذه الرسالة يعوزني إلى مزيد من الكيف؛ إذ أن تفكيري يقطع سلسلة أفكاري مثل نكزات في الخاصرة.. لذا سأتوقف قليلاً عن الكتابة ريثما أتهيّأ قليلاً، وللغرض نفسه أنصحك بالتوقف عن القراءة، كي تضرب أنت أيضاً بورية فيتحرر خيالك وتستوعب ما سأقوله لك.. أرجوك لا تستعذ بالله ولا تستنكر، فأنا يا أخي! لا أقترح عليك المداومة على الكيف، بل أن تستعين به هذه المرة فقط ولو كدواء مر. صدقني، لن تفهم شيئاً دون أن تضيف خيالك إلى خيالي، ليس بمعنى أن تجمعهما فقط، بل بمعنى أن يبدأ الأول من النقطة التي سينتهي إليها الثاني.

ملاحظة: الآن وهنا، إذا تفاعل الإعلام مع القادة مع الأحزاب مع الجمهور كانت كذبة السفينة هي الناتج الثانوي لهذا التفاعل. لذا، بما أنك لبيب، كان من الممكن أثناء مراجعتي الرسالة في اليوم التالي لكتابتها، أن أحذف الكذبات الأخرى مكتفياً بذكر هذه الكذبة للدلالة إلى حال المتفاعلين. مع ذلك وجدت أن أبقي على هذه الكذبات كتفصيلات أو تنويعات عليها، لأن هذه التنويعات تنطوي على فائدة كبيرة حتى للبيب، خاصة إذا ما كان بعيداً عن الجو.

هل حضّرت خيالك مثلما طلبت منك؟ أنا أعرفك جيداً؛ لا بد أنك سأسأت واستعذت بالله. صدقني! أرجوك! والله يا أخي! هذه التشكيلة من الكذب لا يمكن فهمها بالعقل، أرجوك! لا تتابع إذا وجدت أن تفكيرك يقطع سلسلة أفكارك. على كل حال أنت حر، فهمت أم لم تفهم هذا شأنك، لكن أنا أريد أن تفهم لأنك أخي ولأني أريد أن تفهمني. ما لنا؟! خلنا بالكذب.

تقول ربما كانت السفينة تمر في المكان وأرادت أن ترسل تحية إلى السلطة فخذ هذه الكذبة: تَراوحَ تقدير إحدى المسيرات المؤيدة بين مليون ومليونين، لكن فضائية قدرتها بعدة آلاف، رغم أنها كانت تُنقل على ما لا يقل عن سبع فضائيات. إنك لتحار في أمر الدافع إلى مثل هذه الكذبة؛ هي كذبة مفضوحة إلى حد يمكن القول عنده أنها لا تهدف إلى طمس الحقيقة؛ مَن يلتبس عليه الأكثر من مليون بالأقل من عشرة آلاف؟!. لقد هبّلتني هذه الكذبة يا أخي!. لقد بحثت عميقاً عن تفسير أو هدف لها ولم أجد سوى الرغبة في إشاعة روح الكذب عند من ترضيهم هذه الفضائية. لكن مثل هذا الكذب يتداوله جميع الناس ومهما كان موقفهم من الأحداث، اللهم ما عدا قلة نادرة طق عقلها فاكتشفت الكيف مثلي وراحت تضرب كفاً بكف أسفاً على هذه الحال التي وصلنا إليها، حتى إن مَن يشكر هذه الفضائية أو تلك لأنها تكذب لصالحنا، كما يقول كلٌ من موقفه، كُثرٌ كثرةً تأتي على العقل تماامنن؛ أكبر مهرجان للكذب يشارك فيه الكل لم ولن يحدث مثله في تاريخ العالم كله، إطلاااقنن!!. شيء لا يحدث لا في أول نيسان ولا في أي عيد للكذب، وحتى لو اخترعنا عيداً لهذا النوع من الكذب تحديداً، لن نستطيع اختراع كذبة كهذه، والله!. جرب!. لن تستطيع!. أرسل لي أكبر كذبة لنرى!.

تقول هذا عمل إعلام، أي عمل من يعمل بلسانه أو بثلاثة أصابع فقط لاغير، فخذ كذب قادة: بعد عشرة شهور من العنف المتبادل، زعم رئيس تجمع معارض أنه ليس لدينا عنف متبادل وأن كل العنف من السلطة، فلا بد أن الأمر التبس على المراقبين. والله يا أخي! هذه كذبة أكبر من كذبة السفينة تلك؛ أكبر من "سفينة تشق عباب البر"؛ كذبة تعادل قولك أنه لا ماء في المحيط. ليس على سبيل تفلسف مثالي في شكله النقي يزعم أن المادة غير موجودة، فهذا القول ينفي وجود الماء في المحيط، يعني المحيط موجود، إذاً هذه فلسفة ضد اللا أدرية، أي تدري عن يقين. والقائد هنا يدري عن يقين أن لا ماء في المحيط، وأن السفن تسبح فوق قاع المحيط في الهواء غير الموجود هو أيضاً فوق المحيط؛ أليس هذا مما يعجز العقل والفن والخيال عن أن يحيط به؟!. يا أخي! أنا على الأقل لا أستطيع أن أشرح هذا الأمر، دبرها بنفسك، مثلاً جرب أن تقول صادقاً للناس أن الكراسي التي يجلسون عليها ليست موجودة، قل هذا للناس لا لنفسك عندما تكون وحدك أمام مرآة، هذه سهلة أمام المرآة لكنّ الأمر مختلف أمام ناس تريد كسب احترامهم لتعيش بينهم حياة طبيعية. يعني أيعقل أن... يا أخي! والله لا أعرف كيف أشرح الأمر! هل تستطيع أن تشرحه أنت؟! اشرحه لي إذا كان هذا بمقدورك! اشرحه لنرى إن كنت تستطيع! والله! لا أنت ولا غيرك يستطيع شرحه!. كيف؟! مستحيل!. أنا ضربت أكبر عدد من البواري في حياتي ولا أستطيع!. مستحيل!. كيف؟!.

تقول هذا شخص واحد ولو كان قائداً، فخذ كذب أحزاب من مرحلة اهتمامي بالسياسة؛ هي مرحلة مضت وأصبح بإمكانك الحكم عليها: "لا يفيد التشكيك بميليس إلا في التشويش على الضرورة الملحة لتغيير عميق في النظام". انتبه! ليس التشكيك مرفوضاً من أجل الحقيقة والعدالة أو معاقبة الجاني بل لتغيير النظام، فما علاقة ميليس بتغيير النظام؟! ركّز انتباهك، ركّز مليح لأن المتحدث هنا حزب طليعي، لا فردٌ متخلف ولا قائدٌ منحرف ولا إعلام تابع لأمية ابن خلف: التشكيك بميليس ليس دافعه التشويش، إنما هو لا يؤدي إلا إلى التشويش. إذاً، هي ليست تهمة لنا بأننا نريد أن نشوش بل تحذير لنا من عاقبة التشكيك، أو دعوة صريحة إلى الكذب ونصيحة لنا به. يعني اكذبوا يا ناس! والله تقول هذه دعوة إلى لعبة ورق مألوفة شائعة!.. هذا الحزب طليعة منتكسة يا أخي! وأنت تعلم أن الشعرة تعمل كيس شعر إذا ما انتكست، لكن من يعلم، غير الله، ماذا يعمل الحزب الطليعي إذا ما انتكس؟!. تصور شعر رأسك وقد انتكس كله!. بلا شعر رأسك يا أخي! خلنا بمئة شعرة من شعر جسدك! ماذا يبقى من جسدك إذا ما انتكست فيه مئة شعرة مثلاً؟! يا لطيف! والله هذه أكثر من كل ما أصاب أيوب في بلواه!. هذه ما كانت ستبقي على شيء من أيوب حتى نهاية الاختبار!. طليعة قال طليعة! هذه طليعة طالعة بجلدنا! هذه طليعة طالعة بنا إلى جهنم قص؛ من أقصر طريق!. يعني لازم نروح لجهنم إذا كنا نريد تغيير النظام؟! يعني لا نستطيع تغيير النظام إلا بالكذب؟! والله النظام مليح معناه!. يا أخي إذا كان النظام مليح إلى هذا الحد فلماذا يجب أن نغيره؟!. والله الشيطان ذاته، إذا أراد أن يدفعك إلى الكذب، يوسوس ويوحي لك ولا يدعوك صراحة! حتى ثقة الشيطان بأخلاقنا أكبر من ثقة هذا الحزب بها!. يعني تقول أن الكذب في السياسة ليس كذباً حتى نُدعى إليه بهذه الوقاحة!. يعني تقول أن هذا الحزب أفظع من الشيطان ذاته!.

إذا كذب كل هؤلاء فهذه عشر مصيبة، أما أن يشيع مثل هذا الكذب بين الناس فهي مئة مصيبة مكبرتة، لأننا في النهاية يمكن اعتبار كل هذا زبداً إذا ما رفضه الناس. وأنا ما رويت لك كل تلك الكذبات التي قد تكون اطلعتَ على بعضها، إلا لتفهم دون أدنى شك، أن زعمي خالٍ من أية مبالغة، إذا ما زعمت أن البحر كله زبد، فخذ من قاع هذا البحر: إذا رويتَ حادثة لشخص ثم طلبتَ منه إعادتها على مسمعك فلن يقدر أن يرويها كما رويتها له تماماً. هذا مفهوم، فلا بد من بعض الانحراف ولو بمقدار واحد من المئة. لكنّ مجازاً جاراً لك، يعرف تعارضك معه حول الموقف من الأحداث، يروي لك كشاهد عيان، أمام حشد من الناس تلتقيان به يومياً، حادثة جرت تحت شرفة بيتك في عز الظهر، فيلهب المشاعر، ثم يتبين أن الانحراف بلغ تسعاً وتسعين من المئة، هي التي تلهب مشاعر الحاضرين وتطمس الباقي الصحيح الذي يلهب مشاعر خصومهم الغائبين!. يا أخي! عادة ما يكذب الناس ولو عرفوا أن حبل الكذب قصير، لكنك لن تستطيع أن تفهم الدافع إلى كذبة من الوزن الثقيل ولا من الخفيف عمرها دقائق فقط!. يا أخي راح الحبل، ما عاد يوجد حبل ولا أي شيء طوله أكبر من عرضه، قل صار حبة حمّص، حبة عدس، لا تقل شيئاً، لقد التصق الكذب بانفضاحه!. عن عدد هؤلاء المجازين حدّث ولا حرج، بالغ بقدر ما تستطيع، فلو قلت أن السمكة قفزت بعد تقطيعها من زيت المقلاة الحار لما بلغتْ مبالغتك هذه الحدَّ الحقيقي لعدد هؤلاء المجازين؛ شيء خرافي، والله يا أخي!. وأنا أتحدث معك عن المجازين كيلا يذهب بك الظن إلى قلة الذكاء، أو إلى بسطاء الناس الذين هم أيضاً يكذبون هذا الكذب، أي إن الحالة عامة لا علاقة لها بذكاء أو بطبع، وباء يا أخي! والله! قل هو كذب يسببه فيروس أو جرثومة ولا تخف.

"الكذب جميل"، "تعالوا نكذب". هذا ما تقوله هذه الكذبات. لا تضحك!. هذه ليست مبالغة. وهذا التفسير سيبقى مقبولاً إلى أن نجد تفسيراً غيره، فتصور أن برامج الأحزاب لم تجد بعد أن استرذلت الإيديولوجا إلا "تعالوا نكذب"!.. برنامج مشترك لكل الشعب، مثل البندقية تصلح للاستعمال من المتقاتلين كلهم، فهل لديك برنامج يعزز الوحدة الوطنية أنجع من هذا؟!. والله يا أخي! أول بلد في العالم يلفظ فيها ماركس نفَسه الأخير هي بلدنا، إذ فيها قامت أول وحدة وطنية تامة راسخة، هنا لا صراع طبقات ولا صراع نظريات، حتى ولا صراع أفكار لا ينظمها ناظم، الشعب كله يعمل وفق برنامج واحد ونظرية واحدة هي "تعالوا نكذب"، كذب مقابل كذب دون بادئ ولا أظلم. قل لي، في هذه الحال، أي جدوى من الكلام؟!. يا أخي! لقد وصل تلاقح الأفكار إلى مداه! تعطلت لغة الكلام! والله!. ثم افرض أني أردت العودة إلى السياسية فهذا غير ممكن؛ نحن كنا نتحاور لنفضح القادة، لكن الناس اليوم هم من يملي على القادة ما يجب وما لا يجب قوله، كما هي الحال في قضية السفينة الإيرانية، فكيف؟!. يا أخي! القادة سعداء بالناس والناس سعداء بالقادة، فماذا أفعل؟! أيهما أفضل؛ أن أقعد مهبّلاً من الكيف أم مهبّلاً بلا سبب مفهوم؟!. يا أخي! على الأقل الآن يقول الناس عني مكيف ولا يقولون مهبول. يعني تريد أن يقولوا عن أخيك طق عقله بعد أن كانوا يزِنون آراءهم برأيه؟!. يا أخي! على الأقل الآن يحسب الناس حساب هيبتي المتروكة على جانب، أما إذا اقتنعوا أني أهبل حقيقةً، فكيف تكون حالي؟!.

 يا أخي! حتى لو لم أعش هذه الحالة من الحصار، أي لو لم يشوهني الإدمان على السياسة، أو كنت أستسيغ سخيف الحديث، لكفى هذا الوباء دافعاً إلى الكيف.

يا أخي! هذه حال لا تشبه حال ابن عمتنا. ابن عمتنا كان فناناً في الكذب؛ لا تستطيع أن تضبطه رغم يقينك أنه يكذب، بل إنك لتحار في كل مرة أتصدقه أم لا، أو لا تستطيع إلغاء احتمال الصدق في قوله إلغاءً تاماً. أما هنا فالكذبة تعرض نفسها بأصفى صورة؛ تدعوك إليها على طبيعتها دون تحوير أو تزويق، حتى إن المرء ليحار في رأي الديانات التي نزلت في أرضنا بمثل هذا الكذب. إنما مُنع الكذب في الدين لأنه يستر معصية وليست هذه حال هذا الكذب. وإني لأميل إلى الاعتقاد بأن هذا النوع من الكذب لا ممنوع ولا مسموح، وإلا فإنه مما يبعث على الكفر أن يكون هذا النوع مشمولاً بالمنع. لأنه في هذه الحال كان من العبث أن تنزل كل هذه الرسالات عندنا لا في اليابان، مثلاً، حيث الخامة شبه مكتملة، فليس من المنطقي أن يكون جارنا بسام أكثر حكمة من خالقه إذ يبحث في الطبيعة عن حجر أو جذع لا يحتاج إلا إلى قليل من التحوير كي يصبح تحفة فنية.

يا أخي! هذا النوع من الكذب جديد كلياً، هو من ابتكارنا، لم يسبقنا أحد إليه لا في الغرب ولا في الشرق. كذب معجز! والله! كذب لا يعود لدينا معه أكبر كذبة وأصغر كذبة، يعني صارت الكذبات كلها مثل أسنان المشط، أنا كنت واهماً عندما قلت لك أرسل أكبر كذبة تقدر عليها لنرى، لم أنتبه إلى أنها كذبات سهلة، فكر بها جيداً، أنت تستطيع أن تؤلف مئة كذبة كهذه في الساعة، فقط قل شيئاً غير صحيح دون أن تحسب حساب التصديق والتكذيب، لا، ليس الأمر هكذا، بل دون أن تحسب حساب التكذيب لأن المستمع يريد منك أن تكذب له، يعني وفق قانون السوق أو العرض حسب الطلب، بلا الطلب، خلنا في العرض فقط، يعني أن يعرض عليك أحدهم كذبة واضحة ويترك لك الخيار في القبول والرفض. هذا الكذب لا يصح أن نسميه كذباً؛ الكذاب يزعم لك أنه يقول الحقيقة الصافية لأنه يريد أن يلعب بعقلك، لكنه هنا يقول للخلق كله أنا أكذب فليشاركني الكذبَ من كان شريكي في قضيتي، يعني هو كذب شفاف، صادق، ديمقراطي، فهل كنتَ تحسب أن الدهر سيتحف الخلق بكذب ليس بكذب، بل بكذب صادق إلى هذا الحد؟!. والله يا أخي! بلغت هذا العمر ولم أفهم إلا بهذا الكذب ما تسميه الفلسفة المادية وحدةَ المتناقضات، ولم أفهم إلا به نسبية الحقيقة، أو كيف يكون ما هو صادق بالنسبة لك كاذب بالنسبة لغيرك. لقد فهمت المادية الجدلية على يد ناس لم يتفلسفوا في حياتهم كلها، أليس هذا أمراً عجيباً؟! إذاً، أتقول الفلسفة أن مقولة كذبةٌ صادقةٌ صحيحة؟!. أنا طرحت مسألة الكذب الصادق على رجل دين فاستمهلني؟! قال لي: "هو ممنوع من حيث هو دعوة إلى الكذب، أما هل هو كذب أم صدق، فهذا بحاجة لبحث لأن الحالة مستجدة وغير مطروقة من قبل... جزاك الله خيراً على تنبيهي إلى هذه المسألة". وإنه لمن المحيّر أن يكون هذا النوع من الكذب ممنوع، لأنه هو نفسه يدعو إلى الإيمان، إذ لا بد أن نتساءل عمن يحمي البلد من التلاشي إذا ما كان هذا الكذب يعطل عقل القائل والمستمع معاً، بل إذا ما كان هو نفسه دليلاً على تعطيل إرادي للعقل. يا أخي! لا بد للعاقل، إذا كان لا أحد في هذا البلد يريد أن يُعمل عقله، أن يستنتج ما استنتجه التشيكي إذ رأى عامل لحام يلحم خط الغاز في مصفاة حمص دون أن يفرغه؛ لقد شمّع الخيط وهو يصيح: "بسورية في الله! بسورية في الله!". يا أخي! إذا صح أن سورية الله حاميها فلا شك أن الله موجود بمقدار ما هي موجودة، فمن يشك بوجود سورية بعد انقراض المثالية بشكلها النقي؟! قد يقول قائل أن المثالية تنكر وجود سورية لأنها لا تثبت وجوداً إلا لله. لكن هذه المثالية ما عادت موجودة، والمادية أعلنت انتصارها النهائي فأصبحت سورية حقيقة راسخة وبقي وجود الله موضع جدل. إذاً الله موجود لأن سورية موجودة رغم كل شيء، لكن نزول هذه الرسالات عندنا بالذات يشكك في حكمته تعالى، أستغفرك يا ألله! أنت تعلم كل شيء ولا أحيط بشيء من علمك، وما أنا إلا عبد لك خلقتني من ضعف وأمرتني بأن أعقل. إنما عقلي الصغير فهم من أمر تعا وفهم من آخر لا تجي، فحار أيهما يصدق. ليتقدس اسمك يا ألله! لا تدخل عبدك الفقير إلى رحمتك في تجارب كهذه لكن نجّه من الشرير آمين، فماذا يعني هذا؛ هل علينا أن نعود إلى تلك المثالية فننكر، مثلاً، وجود سورية والعنف المتبادل معاً؟! هذه العودة خير لنا، لأنه لا خطر على سورية غير موجودة من عنف غير موجود. صحيح أن هذه العودة لا تحل مسألة الكذب الصادق، لأن القائد المنكر لوجود العنف المتبادل لم يتفلسف يوماً لا بالمثالية ولا بالمادية ولا بما بينهما، أي أن كلامه تجسيد لكذبة صادقة، هذا صحيح لكنّ هذه العودة مريحة لي، لأنها تسمح لي بالاعتقاد أنه لا وجود لهذا القائد، ولا لهذا الشعب، ولا لهذا العنف، ولا لي أنا شخصياً... العمى!!!! لكن كيف أكتب ولمن أكتب؟!. وعلى مَن نزلت الرسالات إذاً؟! يعني لازم عليّ أن أنكر نفسي أو أنكر المرسَلين لكي أحل هذه المسألة؟!... العمى! لقد ضيعت تسلسل الأفكار وما عدت قادراً على معرفة كيف أختمها!!.. صار لازمها بورية...

ملاحظة: لم أعرف الباعث على هذا التفلسف في هذا المقطع. ربما هو الكيف الذي حرر عقلي وروحي من أثقالهما فرحت أتفلسف. أرأيت يا أخي؟! هذا التفلسف نعمة كبيرة ما عرفتها في حياتي إلا بعد معرفتي بالكيف، فلمَ تريد حرماني هذه النعمة من أجل العبث أو حَيصَ بَيصَ؟!. صحيح أني اطلعت على الفلسفة، لكن مَن يتفلسف في حديث عادي أو حميم كحديث الأخ مع أخيه؟! إذاً افهم أن الكيف لا يذهب بالعقل وإن كان يحرر الخيال... اعلم أني لم أصحح كثيراً في هذه الرسالة، فهل كنت سأكتبها بهذا الترابط المنطقي لو لم أكن عاقلاً؟!. إذاً، الكيف يسمح لي بالتفكير دون توتر، أو دون تبعات خطيرة.

أنا آدم السياسة يا أخي؛ لا أعرف غيرها حواء. لقد سبق وشرحت لك هذا، فقدّر كم أنا مُضنى القلب موجعه على فراقها. لكن الآن صارت مصيبة المصائب هي كون جليسي يحب السياسة، حتى إن المصيبة المجلجلة التي حدثتك عنها أصبحت تحلية لهذه المصيبة، فهل علي أن أختار إحدى مصيبتين؛ مصيبة مجلجلة ومصيبة تجعلها هيّنة؟!. أما الكيف فشيء آخر يا أخي، شيء يكيّف، يحرر لسانك دون مصائب ويريك أفلاماً أمتع مما تراه في السينما بمليون مرّة؛ أفلاماً تكتبها وتخرجها بنفسك، الكيف شيء يجعلك متصالحاً متكيفاً مع ما لا طاقة لك به، من هنا سموه الكيف. وهو حل إنساني حين لا حل غيره، فهل فهمت لمَ يُوْلعني نصحك؟! ثم لا تنسَ أن للكيف فوائد ما كنت لأعرفها وأنا حريص على عقلي؛ بالكيف تستطيع أن تسافر على كيفك في الحاضر والماضي، وفي المستقبل أيضاً، بل ما كان لي أن أكتب لك تلك القصص إلا بعد عودتي من سفرة كهذه.. بدلاً من هذا النصح اسحبني لعندك، يا أخي جرني جراً! البطني لبطة تطيرني دفعة واحدة إذا أردت! كيفما شئت! المهم أن أجد كيفاً كثيراً ورخيصاً وآمناً؛ المهم أن أعوض عن عمري الذي قضيته في هذه الصحبة النكداء مع العقل... خذ كلامي على محمل الجد يا أخي! أنا ما كنت أود أن تضطرني إلى مصارحتك: حقاً أنا أنفق المال الذي ترسله على العلاج، لكن ليس من الإدمان على الكيف، فأنا لم أدمن بعد؛ أنا أتعالج الآن مع رسول عزرائيل الذي يسحبني بأناة سلحفاة ودأب نملة. صحيح أنه لدينا مستشفيات عامة تعالج مجاناً، لكن أنت تعرف أني لست مدعوماً ولا منتوفاً ولا يائساً من كرمك إلى الحد الذي أضطر عنده إلى دخولها. وحسب رأي الطبيب لم يبقَ لي في هذه الدنيا سوى أشهر معدودة. وأنا أنوي، إذ أشعر باقتراب منيتي، أن أسحبها مع الكيف سحبة واحدة حتى النهاية كي لا أغمض عيني على الصورة القبيحة لهذا النضال؛ دعني أمت فرحاً يا أخي!.

أنت ترى الآن بوضوح أن الكيف حل خاص بي جداً، وأن موقفي ممن يستعملونه كموقفك مني الآن... أنا لا مسؤوليات ولا مستقبل ينتظرني، بل انتظار قاسٍ علي أن أخفف من وطأته، فهل يمكنك لومي بعد الآن؟! لقد كنتُ جبراً حتى الآن، وما بقي لي إلى القبر هو أيام زادها هذا النضال جبراً على جبر، فما أظنك تأسف بعد الآن إذا ما رغبتُ في أن أعيش ما تبقى لي مختاراً. وكل أسفي أني اضطررت إلى صراحة تؤلمك. لكن ما يهوّن من أمر هذه الصراحة هو أنها لا تنبع من أنانية مفرطة، لأنها، رغم ما تسببه لك من ألم، ترضيك من جهة وتريحني من جهة أخرى.

ملاحظة: شرح الأوضاع بالطريقة القصصية التي تحبها أملى علي تأجيل هذا الاعتراف حتى نهاية الرسالة.