"ناطورة المفاتيح" - من كتاب "جماليات الإبداع الرحباني"

د. مفيد مسُّوح قرأها 14,301

ناطورة المفاتيح

"وأرى الملوك ذوي المراتب غالـَبوا

أيـَّامَهم فانـْظـُرْ بعـَيْـشِك مـَنْ غـَلـَب"

أبو العلاء المعرِّي

"ناطورة المفاتيح" - من كتاب "جماليات الإبداع الرحباني"

مهرجانات بعلبك الدولية 1972 و مسرح معرض دمشق الدولي 1972

لا تختلف العلاقة بين الناس من جهة، والملك المستبد ونظامه الجائر والقمعي، من جهة ثانية، والتي تشكل محور مسرحية ناطورة المفاتيح لا تختلف من حيث الجوهر عما هي عليه في مسرحيات سبقتها، مثل "الشخص" و  "صح النوم"، وإن كانت أكثر قسوة وأشد مرارة في بيئة المملكة الافتراضية (سيرا) التي طغت على حياة شعبها مظاهر البؤس والمعاناة والتعاسة وملأت نفوس أبنائه مشاعر اليأس والإحباط التي انتهت بهم إلى رفض الاستمرار في العيش مع الملك الظالم (غيبون). وتأخذ المسرحية طابعاً تراجيدياً استبعدت فيه المشاهد الكوميدية دون انتفاء الدعابة المعتادة المرافقة للتلميحات ذات المغزى والمرتبطة غالباً بأحداث بعينها أو بشخصيات سياسية معاصرة.

نحن إذن في مملكة صغيرة تابعة لإمبراطورية أكبر، لا تشكل عنصراً في المسرحية، وقد أوصل ملكـَها إلى العرش توارثـُه دون كفاءة أو تميـُّز فكان سلاحَه الوحيد لصون الهيبة الملكية ولإخضاع الشعب لسلطته الظلمُ والقمعُ والإرهاب.  

الشعب في هذه المملكة كالعادة أناس طيبون يعملون في الزراعة والرعي وفي الخدمات والصناعات البسيطة، ومنهم من تعلـَّم في المدارس وأثبت جدارة ومنهم الماهرون في أعمالهم وجميعهم يحبّون بلدهم وأرضهم ويتمنّون لو أن الملك، الذي يدَّعي بأنه (العادل وخادم الشعب)، يخفف من ظلمه وجشعه فيتعايشون معه ولو بالمداراة.

إلا أن الملك الظالم يتمادى في استعباده الناس وتسخيرهم لخدمته وفي تخويفهم من انتقاده أو الاحتجاج على سلوكه معتمداً في ذلك على أجهزة قمعية لا تعرف الرَّحمة ولا العدل. هاهو كبير المسؤولين في المشهد الأول من المسرحية يقرأ على الناس فرماناً جديداً بلهجة منسجمة مع منهج الحكم وباستخدام مفردات وعبارات فحواها الكذب والادعاء والتسلـُّط على الناس الذين لم يبق أمامهم خيارٌ سوى الرضوخ تفادياً لانتقام الملك وأجهزته. 

يبدأ هذا المشهد بعد مقدمة موسيقية شرقية اللحن مع نفحة إيحائية راقصة تتموّج في جملها ومن خلال تحاور آلات الأوركسترا حركة الناس وانهماكهم في أعمالهم ومشاغلهم لتضعنا في صورة الأحياء والمزارع والدكاكين والأزقة والمنازل بجدرانها وشرفاتها وعتبات أبوابها، مسارحِ الأحداث والحكايات وسجلاتِ حياة الناس بفرحهم والحزن، بقوَّتهم والضَّعف، بأحلامهم المتكسـِّرة على حوافّ القهر الناتئة وصبرهم وقد أنفذته شدة العجز المستفحل.

في ساحة المدينة يتجمهر الناس قسرياً للاستماع إلى حرس القصر الواصلين لتوِّهم يترأسهم قائد الحرس ويحيط بهم وبالأهالي أفرادٌ يحملون السياط ويتنقلون بعيونهم الجاحظة بين زوايا الساحة وأطراف المدى بينما يلقي الحرس وقائدهم قراءة جماعية الفرمان الملكي الصادر مؤخراً عن ملك البلاد:

الحرس:              الإرادة المـَلـَكيـَّة        والكلمة العـَلـِيـَّة

              مـِنْ غـَيْبـُون الملِك العادِل، غـَيْبـُون الملِك الطـَّيـِّب،

              إلى شعبـِه ورَعِيـَّته     في أنحـاء مملكـِة "سيـْرا"            

              بــِمَزيْد من الفـَرَح، نـُعـْلِمـُكـُمْ

              أنـَّـنا أسـَّـسْـنـا   ضريبِة عـَـلـَيْــكـُم      لِصـالِحِكـُم

              سَمـَّيْنـاهـا "حِصـِّة المَلِك"

              كِلّ مَحْصول أو مـَنـْتـوج، أو مـَوسِم أو عقار،

                                  المـَلـِكْ إلـُو مـِنـُّـو النـِّصّ.

              وكــُـلّ مَن لا يـَدْفـعْ      يـُؤخـَذ للشـِّغـِل بالسـِّخـْـرَة

                                  حَتـّى يُوفي حِصـِّة المَلِك.

              الإمْضاء:    

              غـَيْبون العادِل ، خادِم الشـَّعْب.

                           عــــاش المـَـلـِك

يردِّدُ الناس خلف القائد (عــــاش المـَـلـِك) الذي يطالبهم عنفاً بالصُّراخ (أعـْلى!! أعـْلى!!) فيغنـُّون وهم يلقون بأكياس المال في صندوق يحمله أحد الحرَّاس، مُلـَمـِّحين إلى عدم رضاهم:

النساء:       مـْنِدْفـَع حِصـِّة المَلـك

              بــِفـَرَح الأطــْــفــــال     بالنـَّفـْـس الرَّضِيـِّة بــِكـَرَم الشـَّـجَـرْ

الرجال:              مـْنِدْفـَع حِصـِّة المَلـك

              بــِخـجــــل السـُّـــؤال     وْعَتـَب الغِنـِّيـِّــــة وْلـَهْفـِة السـَّــفــَرْ

ولكنَّ (برْبَر) الذي دَفـَع الضـَّريبة الجديدة دون قناعة لم يثنه (الخجل) عن السؤال:

الناس:        ياحضْرِة القايد، ضَرايـِب عم نِدْفـَع !! حِصـِّة المَلـك لـَشـُو؟؟

والجواب جاهِزٌ عند قائد الحرس الملكي (مش ضـَروري تعـْرِف) يقولها ويلتفت إلى طرف الساحة إذ يظهر أحد الحرَّاس وهو يقود عنوة إلى الساحة امرأة شابـَّة تصرخ، بطريقة غنائية، من ألم يدها الناجم عن القسوة في جَرِّها لتمْثـُلَ أمام الملك:

المرأة:        آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ خ

إيـْــدي         إيـْـدي         يــاحـضْــرِة الـقــــايــِـد

              هـالـْحارِسْ دَفـَشـْــنـِــي          فـَـكـَـــشـْـلـي إيـــْــــدي

القائد:        بْيـِظـْهـَر إنـِّـك مادَفعـْتـي؟

المرأة:        يـا مَــوْلانــا     يْطـَوِّلْ عُمْرَك

إنـْت بْذاتـَك    جيْت لـْعَـنـْدي الشـَّهْر الماضي

                                         وْدَفــَّعـْـتــوني الضـَّريبــِة!

              أنـا إسْمــي زاد الخيـــر

القائد:        يا زاد الخـَيْر، هايْدي هـَلـَّق مُشْ ضـَريبـِة، هايْـــدي حِصـِّــة المَلـك:

              اللـِّـي عَنـْدو مَوسِم           

زاد الخير:     إيــــــــه

القائد:        اللـِّـي عَنـْدو بَـيْـت     

زاد الخير:     إيــــــــه

القائد:        المـَلـِك إلـُو مـِنـُّــو النـِّصّ

زاد الخير:     نِشـْكـُر ألله أنـا ماعنـْدي إلا عـَنـْـزِة وْكـام دْجـاجـِة

القائد:        والمـَلـِك شْريك النـِّصّ بالعـَنـْـزِة وْبالـكـام دْجـاجـِة

زاد الخير:     عنـْدي عـَنـْزِة وْخمس دْجـاجـات   يــِكـْـرَم المـَلـِك

              فـُـوتـو خـُدولـُو دْجاجْتـَين وْنص   وْنص العـَنــزِة

القائد:        لأ مُش هـَيْك.. نِحْنـا اللـِّي مِنـْـقــَدِّر حِصـِّة المَلـِك..

وِمـْنـاخـُد بــِقيمِتـْها فــْـلـُـوس              

زاد الخير:     فــْـلـُـوس !! فــْـلـُـوس.. مـاعـِنـْدي فــْـلـُــوس

يـادِلـِّـك يـازاد الخـَيـْر   مْنـَيْن بَدِّك تـْجيبي فــْـلـُـوس؟

القائد:        فـــإذن يـالـلـَّه   مَـشـِّي مَعـْنــا          اشـْتـِغـْـلي سِخـْـرَة حَتى تـُـوفي

زاد الخير:     إذا خـَدْتــُوني   وْسـَخـَّـرتوني          مْـنـَين بـَدِّي طـَـلــِّع مَصْروفـي

الناس:        يـا جـَنـاب القـــايـِد سـامِـحـْهـا          هـايْـدي بــِكـَرَمْهـا  مـَوْصـوفـِة

القائد:        لا حـَـدا مـِنـْكـُن يــِفـْتـَح تـِمـُّـو           بـَـدِّي  آخـِــــدْهــا  مـَوقــــوفـِــــــة

زاد الخير:     بـَــدِّي إدْفــَع بـَـسّ مـْـنـــَـيـْـن؟          

القائد:                                          يـا بـْـتـِدْفـَعـي   يـا بـْتـِـمْشــي

زاد الخير:     خـِدْلـَك دِسْت وْطـَنجـِرْتــَيـْـن؟         

القائد:                                          أنـا ظـابــِط مـــانـِّــي عـَشـِّــي

زاد الخير:     فـإذن خـَـلــُّوني شـوف المـَلـِك

القائد:                                          بـِيْصـيْر بَـدِّك إذن خـْصُوصي

زاد الخير:     هـَلـَّق قـلِـْتـُو إنـُّو المـَلـِك خـادِم الشـَّعـْب.. أنـا من هالشـَّعْب

              خـُـدُونــــي لـَعـِنـْــدُو

القائد:        طـَيـِّـبْ.. خـُدوهـــا

يقتـاد الحرس زادالخير إلى قصر الملك فتغادر الساحة وعيناها تتنقـَّلان بين وجوه جيرانها وصديقاتها تودِّعهم إلى المجهول ببعض الأسى ولكن دون خوف.

عندما يصل المرْء إلى حالة مزرية لا تـُبقي له شيئاً يخاف عليه من الخسارة أو الضـَّياع تتساوى عنده الأشياء فيقوى مدافعاً عن آخر ما لديه وهو الكرامة وعزَّة النـَّفس، وهما سلاح لمواجهة سياسة الإذلال التي يتـَّبعُها المتسلـِّطون لايلقيه الشـَّهم إلا بعد أن يُراقَ دمُه.

تقوم بدور (زاد الخير) السيدة فيروز بينما يأخذ المكان التقليدي للفنان وليم حسواني كممثل للسلطة و(قائد الحرس) الفنان جوزيف ناصيف تاركاً له دور المرافق الدائم للملك (جاد الحكيم) أما (بربر) فهو الفنان الكبير نصري شمس الدين، في حين يلعب الفنان أنطوان كرباج دور (الملك غيبون) والفنانة هدى دور (الملكة) وإيلي شويري دور (ديك الميّ) وجوزيف صقر دور (مراد الأسمر) كما تشارك في المسرحية الفنانة جورجيت صايغ والفنانة نوال الكك. يذكر أن الفنان جوزيف ناصيف كان قد اشترك مع السيدة فيروز في مغناة "زنوبيا" التي عرضت في بعلبك إلى جانب "ناطورة المفاتيح" وأعيد تقديمها فيما بعد على خشبتي مسرح البيكاديللي ومعرض دمشق الدولي.

زاد الخير:     يـاجيْــرانــــي بـْخـاطِرْكـُن        لا تـِنـْـسـُوني بـْخـاطِـرْكـُن

                     ضـَـلـُّــو بـِغـْيـابي       طـِـلـُّــو عَ الـــدَّار

وْعَــلى البـُــوَّابـِة               وِزْهــُــور الـــدَّار

 وْلَيليّة افْتِكْرو فيـِّـي واشْتاقو عْلَيـِّـي

الناس:        يـا زاد الخـَيـْـــــر        رَحْ نِشــْـتـَـقــْـلـِك لـَيـْـليـِّـة

              لـَيـْـليـِّـة لـَيـْـليـِّــة رَحْ نِشــْـتـَـقــْـلـِك لـَيـْـليـِّـة               

وبلهجة عنيفة ينهر القائد النـَّاس الذين يودِّعون صديقتهم فيما يقوم الحرس بتفريقهم بعد أن أسمعوهم قرار الملك ودفعوا ما عليهم.. فالحرس وقائدهم تقلقهم مشاعر التضامن مع من لا يرضون عنه ويخشون من تحولها إلى حالة من الاحتجاج أو التمرُّد

قائد الحرس:  بـَـسّ.. كِلّ واحِد عـَلـَى بَيـْتـُــو

يغادر الناس مُطأطئي الرؤوس حزينين على أنفسهم وعلى زاد الخير فمصيرها على الأقل العمل الشاقّ بالسـُّخرة دون مقابل.

الناس بحزن:  أخـَدُو زاد الخـَيـْـــــر     أخـَـــــدُو  زاد الخـَيـْـــــر

              مـِتـْـل العَصْفـُورَة الوَحيـْدِة أخـَدُو زاد الخـَيـْـــــر

              لأنـُّــو مـا لـِقــْـيـُو عـِـنـْدا شـي يـاخـْــدُوه

                                  أخـَـــدُو زاد الخـَيـْـــــر

في غرفة استقبال قصر الملك العالي فوق أجمل التـِّلال وأكثرها خضرة تجلس (زاد الخير) وبعض الموظفين والأفراد انتظاراً لقدوم الملك والحاشية ما لبثوا أن هبـُّوا وقوفاً مع صوت البوق والطبول والصنج وإطلالة الموكب مردِّين بصوت مرتفع (مَوْلانـا المـَلـِك  مَوْلانـا المـَلـِك عـاش عـاش عـاش) ويجلسون بعد جلوس الملك وجاد الحكيم وقائد الحرس فتسود برهة من الصمت يتناول الملك خلالها كأساً من النبيذ الأحمر ويتفحـَّص الحضور الذي تقف مِن بينهم زادُ الخير دون استئذان متوجـِّهة إليه بمظهرها البسيط ماسكة يدها اليسر بيمينها إيحاءً بالألم ثم تتحرك في مكانها بدون حرج أو مهابة وتقول بصوت مرتبع ونبرة سريعة:

زاد الخير:     أنـا إسْمي زاد الخير، عنـْدي عـَنـْـزِة وْكـام دْجـاجـِة

              إجـُو بَدُّن مَصاري وْما مَعي وْلا بـارَة.. هـِـه هـِـه هـِـه !!

جاد الحكيم:   بالأوَّل بـُوسي إيـْد المَلـِك

تقبـِّل الفتاة أصابع يدها وترسل القبلة عبر الهواء إلى الملك وتنظر إلى جاد الحكيم (بــِسْنـاها) ثم تعود بنظرها إلى الملك متجاهلة متطلبات الهيبة الملكية:

زاد الخير:     قـِلـُّن يصِبْرو عـْلـَيـِّي شي يومين تـْلاتِة

جاد الحكيم:   واسـْتأذني بالكلام

تعيد زاد الخير النظر في وجه الملك (عن إذنـَك) ثم في وجه جاد الحكيم بكثير من اللامبالاة (استأذنـَّـا) ومرة أخرى إلى الملك:

زاد الخير:   تـَ كـَفـِّيـْلـَك الخبْريـِّـة.. قامو جابـُوني عَ السـِّخْرَة.. أنا طـْلـَبْت مُقابَلـْتـَك، بدِّي إتـْشـَكـَّـالـَك.. بَرَمولـي إيْدي، فـَكَشـُـولي ياهـا 

الملك:      بـَسّ بـَسّ.. فـْهـِمِتْ،  إنـِتـي ما دَفـَـعـْتي

ينخفض صوت زادالخير وتشوبه حشرجة الحزن وهي تعترف بالحقيقة (لأ) ومن سؤال الملك (وِبْتـَعِرْفي شو جـَزا اللـِّي ما بـْيدْفع؟) لا تستطيع التهرُّب (نعَم.. بْيشـْتـِغِل بالسـِّخـْرَة) لا بل تنسى بسرعة حالة الاحتجاج والتظلـُّم عندما يسألها الملك (وْشو بْتـَعِرْفي تشـْتِغـْلي؟) فتجيب بحماس (بْكـَنـِّسْ، بـِجـْلي، بـِطـْبُخ..)

الملك ساخراً:  ياعَيْني.. من قِلـِّة الطـّبـَّاخين بْهالـدَّوْلـِة!!.. شـَوْشـَطِتْ شـَوْشـَطِتْ  

وخشية أن تفلت من يدها فرصة الخلاص مما هو أقسى من العمل بالسُّخرة تسعى زادالخير لإقناع الملك بإمكانياتها الأخرى (بعمل إشـْيا كـْتيرِة، بـَعْرِف مِيـِّة كـار) ثم ترفع رأسها وهي تستعرض مهارتها:

زاد الخير:    غزِلْ، خـْياطـَة، حـْياكِة.. بْغـَنـِّي، بـِرْقـُص، بـْمـَثـِّـل..

الملك مداعباً: شـو؟! بـْتـَعِرْفي تـْمـَثـّلي!!

زاد الخير:    نعم

"أيـَّتـُها الشـَّمْس.. أيـُّهـا اللـَّـيْل.. وأنتِ يا بحـار الصـَّحْراء ارْتـَعِدي، فإن الأبطـال.."

الملك مقاطعاً: بيكـَفـِّـي بيكـَفـِّـي.. هَيْئتِك مش قليلـِة. بْتـَعِرْفي تـْغـَنـِّي كمان؟!

زاد الخير:    وَلـَو!! رحْ سَمـّعـَك وْبــِتـْشوف

تقدم زادالخير أغنية جميلة تخاطب فيها الملك داعية إيـَّاه للنزول من عليائه والتعرف إلى الناس وحياتهم الطبيعية البسيطة وممالكهم الهادئة بعيداً عن ضجيج الحرَّاس والظلم والحزن. والأغنية تعرِّج بلحنها الطربي عند الحديث عن مملكة الهوى وحال العشاق فيها إلى جملة موسيقية مستقاة من أغنية (إنت عمري) للسيدة أم كلثوم ومن تلحين الموسيقار محمد عبد الوهاب قبل المقطع الرومانسي الأخـَّاذ (هات عينيك تسرح في دنيتهم عينيَّ هات إيديك ترتاح بــِلـَمْسِتهم إيديَّ)، وفي هذه التعريجة جمالية منطقية، فزادالخير تـُظهر للملك براعتها في الغناء عبر خلق حالة طربية تسعد بها نفسه، علـَّه يلين قليلاً فيخفف من شدة قمع حرَّاسه للأهالي. من ناحية ثانية، يتذكر المستمعون العرب السيدة أم كلثوم والموسيقار محمد عبد الوهاب في الأغنية الأولى التي جمعتهما في العام 1964 برعاية رئاسية وكانت نموذجاً في الإبداع الموسيقي ألحاناً وآلات وآليـَّات لاقت استحسان الجمهور وبقيت محفوظة في ذاكرته.     

زاد الخير:    يـا مـَلـِكـْنـا      يـا مـَلـِكـْنـا      لـَوْلا بـْتـِنـْزَل عَ مَمـــالـِكـْنـا

             تـِـنـْـــــزَلْ وِتـْـشــُــــــــوف

                    مـَمـْـلـِكـْـــــة اللـَّـيـْــل      مـَمـْـلـِكـْـة السـَّـهـَــــرْ

                    مـَمـْـلـِكـْــة الـهـَـــوى      مـَمـْـلـِكـْــة القــَـمـَـــرْ

             كـِنـْت بـْتـِرْضى        وْبــِتـْبارِكـْـنـا

                            وْبــِتـْقــُـول لـْـحَرَسـَـك    يـتـْـرِكــْـنــــا

             يـا مـَلـِكـْنـا      آ آ آ آ    آ آ آ آ    آ آ آه   يـا مـَـلـِـكـْـنـا

             / بـِحـْكـيـْلـَك يـا مـَلـِكـْـنـا        عن ممـْلـَكـْـة السـَّـهـَر / (2)

             مـْنـِقـْعـُد عـَلـى سْطـَيْحـَة               مْـنـِغـْـفـى عَ حـَـجــَـر

   / مـا فـيـْـهـــا حِـــــرَّاس         وَلا ضـَجـِّـة حِـــرَّاس / (2)    بـْـتـِحـْرِسْـهــا السـَّـمـــــا           ووْراق الـشــَّـجـَــــــرْ

             / وْشـو بْقـِلـَّـكْ يا مـَلـِكـْنا       عن مـَمـْـلـِكـْــة الـهـَــوى

          اللـِّــي بـْيـِعـْـلـَق فـيهـــــا   مـــــــــــا إلـُــــــــــو دَوا / (2)

                     بـِـتـْـكـُـون حـــــاكـِـم      بـِـتـْصـيـر مَحـْـكــوم 

                 بـِـتـْـكـُـون ظـــــالـِـم       بـِـتـْصـيـر مـَظـْـلـوم 

                    صـَدِّقـْـني يا مـَلـِكـْنـا    صـَدِّقـْـني صـَدِّقــْـني

والظـَّـالـِم بـْـيـرضى     وبـْيرضى المـَظـْلوم

                     والحـاكــِــم عَ بــابـا     يـسـْتعـْطِف المحْكوم

              آ آ آ ه       / ما أعْجـَب الهـَوى   ومـَمـْـلـِكـْــة الهـَوى / (2)

              بـِـتـْـحـَرِّكـْـنــا وِبْـتـِشـْـبـِكـْنـا        وْعلى طول العـُمْر بْتمْلِكنا 

             يـا مـَلـِكـْنـا      آ آ آ آ    آ آ آ آ    آ آ آ ه   يـا مـَـلـِـكـْـنــــــا

يـا مـَلـِكـْنـا      يـا مـَلـِكـْنـا..

الملك بخـُبْث:  وْبـِتـْقــُول لـْحَرَسـَـك يـتـْرِكـْـنا. ياقايد الحرس اتـْرِكو زادالخير، بسّ قبل ما تتركوها شغـّلوها شْويّ بـِزَقّ الحَطـَب

لا تستفيد زاد الخير من احتجاجها ولا من أغنيتها.. ربما شفعت لها حالة طرب الملك الذي تمايل مع اللحن الشرقي واختلجت مشاعره مع الحديث عن الهوى والسهر فجاء حكمُه مخفّفاً ولكن الحرس اقتادوها إلى العمل بجمع الحطب لمواقد مطبخ الملك الذي التفت إلى مرافقه المُسمـَّى حكيماً والذي اختاره مرافقاً يرصد له حالات الناس وردود الفعل تجاه قراراته التعسفية راضياً أن يكون هذا الحكيم حيادياً أحياناً ومع الناس ضدَّ الظلم أحياناً أخرى وذلك ادّعاءً منه بالعدل.

وجاد الحكيم صديق للملك دون أن تفيده صداقته بالتحرر من سيطرة الملك عليه وهو لصيقه ومُسلـِّيه وماصُّ غضبه. وهاهو يوجِّه الأسئلة إليه، كأسه في يده واثنان من الخدم يجدِّدان الهواء المعطـَّر أمامه بمراوح الرِّيش.

الملك:       يـاجاد الحكيم،

جاد الحكيم:   نعم يامولانا

الملك:       إذا سألوك شو أهمّ شـْروط المُلـْك؟ اختـِصِرْهُن بتـْلات كِلـْمات

جاد الحكيم:   العدل، المحبـِّة وْراحْة البال

الملك:       عظيم.. اختـِصِرْهُن بكِلـْمِة وَحدِة

جاد الحكيم:   الضـَّميــر

الملك:        بْتـَعْرِف يـاجاد؟! حـِكـَمـَكْ صارت شايْبـِة متـِل دَقــْنـَكْ. إلـَك عشْر سنين لاحِقـْني بالضـَّمير، ما كِنـْت تـْجَدِّد.. غـَيـِّرْ شي مَرَّة، قول: السـَّهَر، الخمْر.. الضـَّمير بْيـِتـْعِب يا جاد.. الخـَمْرَة بتـْرَيـِّـحْ أكتـَر 

جاد الحكيم:   قـِلـِّي عْليك الأمـان

الملك:       عْليك الأمـان، بسّ أوعى تـْكـَبـِّـر بالحـَكي هـاه!

جاد الحكيم:   ما بيكـَفـِّي النـَّـاس الضـَّرايب والسـِّخـْرَة والسـّكـوت؟! حتى تـْزيد عـْلـَيهـُن حِصـِّة المَلـِك وْتـِجْعَل حالـَك شـْريك النـِّصّ بمواسِمـْهـُن وْمـُمْتـَلـَكاتـُن؟

الملك:        أنا المَلـِك يا جاد.. والملـِك بْيـِمْلـُكْ كِلّ شي. لـَيش بتـْشوف إنـِّي أخـَدتـِلـُّن النـِّصّ ما بتـْشوف إنـِّي تــَرَكـْتـِلـُّن النـِّصّ 

جاد الحكيم:   يامولانا النـَّاس مش راضـْيـين

الملك:        ليـه مين بْيـِرْضي النـَّاس؟.. وْبَعـْدَين شو بَدْهـُن يعِمـْلـُو؟ إضـْراب؟ بْفـَشـّلـُو.. تـَمَرُّدْ؟ بـْسَكـّتـُو.. إحتِجاج؟ ما بـِسْمَعـُو.. ثـَورَة؟ عنْدي حَرَس كـْفايـِة !!

جاد الحكيم:   مـا حَـدا بْيـِقــْدُر يـِحْـبُس المـَيّ. والنـَّاس متـْـل الميّ إلا ما تـْلاقي مَنـْـفـَذ تـِتـْفـَجـَّـر مِنـُّـو

ولكي نتأكـَّد من شدَّة الطغيان ومدى القهر الذي يعاني منه الناس والذي يصل بهم إلى حدّ فقدان أعزائهم، ممَّن يثيرون قلق وغضب الملك وحاشيته وأجهزته ولو كانوا من أصدقائه أو من أعلام البلد وثروتها الفكرية أو العلمية، يأتينا المشهد اللاحق بصور من الفظاعة والاستهتار بمشاعر الناس والتسلـِّي بإرهابهم، إذ يصل إلى مجلس الملك مجموعة من الأفراد بقيادة ضابط يسوقون شخصاً مكبـَّلاً يحاولون إجبارَه الرّكوع أمام الملك (ارْكـَع) فيرفض ويقاوم (مـِشْ رح إرْكـَع)

الملك متصنـِّعاً الهدوء:       إنت مْراد الأسْمَر؟ نحْنا كِنـَّا رِفـْقــَة، كِنـَّـا نِدْرُس الفـَلـَك سـَوا، ونـْراقِب النـّجوم سوا.. وْنِتـْنـَزَّه بين الكـَواكِب سوا. كارِمْني وارْكـَع

مراد الأسمر:  مـِشْ رح إرْكـَع

نرْجسيـَّة الملك الذي تقوم قوَّتـُه فقط على استخدام العنف والإرهاب في إذلال الناس لم تفلح هذه المرَّة في إخضاع واحد من أصحاب الكرامة والعنفوان وقع في قبضته لسبب ما، وقد يئس من الملك الظالم فرفض الخنوع مستهيناً بالنتائج. والملك الأناني شخصٌ تافهٌ فاشلٌ وسطحيٌّ صغير الأحلام يسعد برؤية الآخرين ذليلين أمام قدميه، خاصة أولئك الذين يتفوقون عليه ذكاءً ومعرفة ومكانة علمية أو أدبية.. التاريخ مليءٌ بشخصيات كهذه، ونحن هنا أمام واحدة تختلف عن شخصية الحاكم المخدوع في (هالة والملك) أو الكاريكاتوري في (الشخص)، ربما هي أقرب إلى شخصية (فاتِك المتسلـِّط) في مسرحية جبال الصوَّان.

أربعون سنة تفصل هذا العمل المسرحي الفكري والسياسي بامتياز عن حقبة الربيع العربي المتمثلة بثورات شعبية طبقية وطنية وإنسانية لإسقاط الحكومات الديكتاتورية المستبدّة الطاغية التي جثمت لعقود متتالية على صدور شعوبها استغلالاً واضطهاداً وقمعاً وقهراً وإفقاراً وإذلالاً لتمكين أنفسهم من الاستمرار في استعبادهم. ولقد نجحت هذه الثورات بإسقاط الطغاة وعصاباتهم وأنظمتهم بل بتمريغ قوة هؤلاء بالوحل وبمحاكمة البعض وطرد آخرين وقتل من وصلت إليهم أيدي الثوار والثورات مستمرّة حتى تحقيق النصر الوطني وتخليص الشعب من السفّاحين وجماعاتهم الهمجية.

أربعون سنة ونحن نتذكر مشاهد المسرحيات الرحبانية وعباراتٍ قويّة المعنى مديدة التأثير قابلة للإسقاط في أي زمان وأي مكان من عالمنا العربي وعلى الأخص في بلاد الشام. هاهم الناس في سوريا يستعيدون ذكريات الأعمال الرحبانية على هوامش المقاومة الشعبية والثورية ضدّ نظام القمع الفاجر الذي بدأ في عام 1970 عبر انقلابٍ عسكري بشع وكرّس الأخوان الرحباني له عملاً منع عرضه في دمشق وهو (يعيش يعيش).. وتذخر المسرحيات الأخرى بالكثير من الإشارات والإسقاطات التي فهمت مغزاها الشعوب العربية ما ترسّخت معه المكانة العظيمة لفكر الأخوين عاصي ومنصور في حياة الأجيال.

الملك غيبون لا يتردد في المساومة طمعاً بلحظة سعادة يرى فيها من كان له زميلَ دراسة (رِفـْقـِة عُمْر) راكعاً أمام جبروته (حاببْ شوفو راكِع) ولو جزئياً (طـَيـِّبْ عَ الرِّكبـِة وْنِصّ).. وعبثاً يحاول استدراجه:

الملك:        هاك النـّجمة اللـَّيْلـَكيـِّة وما كنـَّا نعرف إسْمها، فايـِقْ شو بْتـُبْعُد عن الأرضْ؟

مراد :        قدّ ما بْعِدنا أنا وْإنـْت عن بعضْ

الملك:        عافاك.. مْلايين السّنين.

هدراً للوقت واستهتاراً بمشاعر أسيره يحادث الملك، الذي يستمتع بلحظات الذلِّ تلفُّ جسدَ مراد النحيل، مستشارَه جادَ الحكيم عن سيرته الدراسية (مراد كان يدْرُس ويْطالـِع وْأنا كنـْت كسلان. لـَشو إدْرس؟ كـِنـْت عارِف حالي بدِّي صير مَلـِك) ثم يعود بنظره إلى مراد متـَّهـِماً إيـَّاه بالنـَّوايا الخبيثة (إنت مْنِ الأوَّل نـِيـّتـَك غِـشّ، بَدَّك تتـْفـَوَّق عْلـَيـِّي.. قـِلـِّي شو فادَك الدَّرْس؟)

مراد :        فـَتـَّحْلي عينـَيـِّي

الملك:        مش أحلى كانو يْضَلـُّو مْغـَمـَّضين وِنـْضـَلّ صْحاب؟

مراد الذي يعيش بين الناس ويعرف متاعبهم وهمومهم يلوم الملك على ابتعاده عنهم (يارَيْت فيك تـْفوت عَ الـِبْيوت وِتـْشوف التـَّعاسِة) ولكن الملك يلتفُّ على الموضوع رافضاً أن يتكلم مراد عن الناس (أنا الوحيد اللـِّي إلي الحقّ إحكي بْإسْم النـَّاس) 

مراد :        الناس مش نـْجوم تـّ تـْراقبُن مْن الأبراج.. بّدّك تنْزَل لـَعـِنـْدُن لـَتـَحْت حتى تـْشوفـُن

الملك بغيظ:   إلـْنا عشـْرين سنِة مخـْتِلـْفين عَ هالنـِّقطة البسيطة. رح فرْجيك إنـِّي أحسن مِنـَّك وْما بنـْسى الخبز والملـْح.. رح خلـِّيك ضيْفي على طول. يا حِرَّاس احـْبسو مْراد مِيـِّة سِنِة

مراد :        اقـْتِلـْني أفضـَل من هالـْحِكِم

لا يريد الملك أن يقتل مراد (إنت صاحِبْنا)، بل أن يُمعن في إذلاله مع أولاده الثلاثة (رح قسـِّم الحكم عليكـُن، كل واحد خمس وعشرين سنة) ولا يتردّد مراد بالإعراب عن تقييمه للملك (أنت تعيس ياهالملك) وكشف حقيقته (وْعم تـْجَرِّب تِتـْسَلـَّى بـِظـُلـْم النـَّاس) ورؤيته لنتيجة ذلك (رح تِغـْرَق بوَحْشِة نفـْسَك) فيغضب الملك ويأمر الحرَّاس بسَوقه (خـُدوه) ويلجأ إلى جاد الحكيم (لـَيْش مْراد حِكي عن وَحْشِة نفسي؟.. كنت رايق وْعم إبْتِسِم!!)

مراد :        لو كنْت رايق فعلاً ما كنت حَكـَمـْتو هالـْحِكم

الملك بامتعاض:     أنا ما أخـَدْت رأيَك بالحكم..

ثم يصرخ في خدمه (جيبولي هالقيثارة) ويبدأ الغناء على لحن هادىء كلمات بسيطة أملاً باستعادته هدوءه بعد أن أثاره المتمرِّد عليه صديقه القديم مراد.

الملك:        يـانِجـْمِة اللـَّيـْــل        ضَوِّي عَالبَراري

صَديقـي ضـايـِع       يـانِجـْمِـة الـلـَّيـْــل

يـانِجـْمِة اللـَّيـْــل        نـُوحي بالبَـراري

عم يبكي صَديقي     يـانِجـْمِـة الـلـَّيـْــل

هَبـِّت ريح البَحْر      والمَـرْكـَب وحيـد 

اسْوَدِّت الشـَّوارِع       والمَـرْكـَب وحيـد

يـانِجـْمِة اللـَّيـْــل        زَهـَّـرِت الــوَرْدِة 

وْمارِجِع صَديقي      يـانِجـْمِـة الـلـَّيـْــل

ينتقل بنا المشهد التالي إلى الناس وردود الأفعال تجاه خبر اعتقال مراد الأسمر الذي ينقله كبير الأهالي (بربر) محرِّضاً على التمرُّد (ولـَ أيْ مْتى بدْنا نـْضلّ ساكتين؟ لـَ أيْ مْتى بدُّو يـْضلّ يـِنـْهَبْنا الخوف؟) لائماً نفسه والآخرين على الرّضوخ (صِرْنا متـْل الحيطان.. بْيـِضِرْبونا ما منتـْحَرَّك) ومتسائلاً (ليش ما مْنِرْفـَع صَوتـْنا وِمـْنِصْرَخ؟) 

بربر:  لازِم البرْج العالي يُوقـَعْ.. لازِم الرّماح القاسْيـِة تتـْكَسـَّر. شو بـِنا مْكـَوّمين متل الحِصْر العتيقة وعْيونـنـّا صَوب الأرْض؟ احْتـَجـُّو.. قومو، صَرّخو، اهْجـِرو.. الحالِة ما بقى تنـْطاق!!

يتحاور الأهالي ويؤكد بربر بأن الرَّحيل هو الحل (إذا في ناس عندُن كرامِة، بْلـَيْلِة ما فيها ضوّ قمَر، متل رْفوف الطـَّير بيهاجْرو عن هالممْلـَكِة وِبْيتِرْكولو البْيوت الفاضْيـِة وْصَوت الدّياب)، وإذ يعترض البعض على هذا العرض (أفكارَك بتـْخـَوِّف) تبرّر إحدى النسوة استسلامها بعد أن أقلقها حمل (السـُلـَّم بالعَرْض) براحة البال الناتجة عن لامبالاتها (ارْتحت وْصِرْت نام وإحلـَم وْصار عندي وقت للضحك) ولكن موقع بربر لا يسمح له بالاستسلام (ماعاد فيـِّي طيق الظـّلم).

ولا يريد الأهالي أن يطغى الحزنُ عليهم والمقتُ مع الحديث عن الملك وظلمه وحالة القهر فتقترح تلك السيدة تحاشي ذكر سيرته (بَـلا سيرْتـُو) وتتحوّل العبارة إلى أغنية مرح وتسلية خفيفة بعيداً عن بؤسهم وحالة الظلم:   

الجميع:             بـَــلا سـيـرْتـُـو                 بـَــلا سـيـرْتـُـو         

يـاجماعَـة اسـْـمَعـُـــو مـِنـِّي      بـَـلا سـيـْـرْتـُـو

رجل:        آخ عَـلــَـــى هـالإيـَّـــــــــام

الجميع:                                        بـَــلا سـيـرْتـُـو

آخر:        صار لي جمْعة مش عم نام

الجميع:                                        بـَــلا سـيـرْتـُـو

ثالث:        ماعاد عنـْدي خـَمْس قروش 

الجميع:                                 بـَــلا سـيـرْتـُـو

ثالث:        أنـا بَـدِّي بـيع الطـَّرْبـــــوش     

الجميع:                                        بـَــلا سـيـرْتـُـو

الأوَّل:       مـْـبـــارِح كـِنـَّـا حـدِّ العـَيـْن

                                  شِفـْنا عَ الـْمَفـْرَق شَخـْصَين 

                                  إجـُو مـْنـَيـْن وراحـُو مْنـَيـْن     

الجميع:                                        بـَــلا سـيـرْتـُـو    

الثـَّاني:       مـْـبـــارِح كــان لاحـِـقـْـنـي

                                  وْقـِعـْــت جـْرَحِـت دَقـْـنـــي

                                  وْحـَطـَّـيـْـتِــلا اسْبـيـْـرتــــو        

الجميع:                                  بـَــلا سـيـرْتـُـو  

المرْأة:       الـلـِّي عـَنـْدو حَـصيـْــــــرِة

                                  كـْـبـيـْرِة يـــا امـّـا زْغـيـْـرِة

                                  يـِـقـْـعــُـــد عَ حصيـْـرتــــو       

الجميع:       بـَــلا سـيـرْتـُـو   بـَــلا سـيـرْتـُـو   بـَــلا سـيـرْتـُـو  

مع نهاية الأغنية تعود زادالخير من القصر العالي إلى الساحة فتلقي التحية الطيـِّبة على جيرانها والأصدقاء غناءً (مـِسـَّـيـتـْكـُن بالخـَيْر ياجيران) فيرحـِّب بها الجميع فرحين بعودتها

زادالخير:     / مـِسـَّـيـتـْكـُن بالخـَيْر ياجيران

الأهالي:                                 رِجـْــعِـتْ زاد الــخـَـيـْـــــــــــر

زادالخير:     جايي أنا خـَلـُّو القــَمَر سَهْران

الأهالي:                                 أهـــــلا بـْـــزاد الخـَـيـْـــــــــــر / (2)

زادالخير:     اشـْتـَقـْتِلـِّـكْ يابْيـوتـْنا المِتـْكِيـِّة عَ الخـَيـْر 

                                  وْيـا أهــالـي بْيوتـْنـا مـَسـِّـيـْـكـُن بالخـَيْـر

الأهالي:      رِجـْــعِـتْ زاد الــخـَـيـْـــــــــــر       رِجـْــعِـتْ زاد الــخـَـيـْـــــــــــر 

                           أو و و و  ف       رِجـْــعِـتْ زاد الــخـَـيـْـــــــــــر

زادالخير:     وْطار وْبَعـَّدْني المشوار              فـَـوق سـْطـُوحِـكْ طـار 

             وْقلـْبي عَ شْـبابيك الدّار              راجع متل الطــَّيــْـــــر

الأهالي:      رِجـْــعِـتْ زاد الــخـَـيـْــر   .. 

زادالخير التي اشتاقت في وحشة القصر لأهلها والجيران والبيت وأشيائه وكذلك لعنزتها وللدجاجات اشتاقت أيضاً للغناء ولحالة الطـَّرَب التي حرمتها إياها ساعات العزلة والعمل المضني في خدمة القصر.. هاهي ترتعش بلقاء أهلها فتطلع بموَّال رقيق له علاقة بالموضوع:

زادالخير:     / رِحْتـُو مْن اللـَّيـْل طـال اللـَّيْل صار لـَيْلـَيـْن 

                           وَيـْـن الحـَبــايــب وْطـَلاّت الحَبـَايـِـب وَيْـــن / (2)

             كِنـْتـُو وْكـِنـَّا ســَوا      كيف تـِرْكـُض الإيَّام

                           تـِبْقـى شـْهـُور السـِّنـِة تـِمْرُق بــِرَفـِّـة عـَيـْـن

       طِلـِع القــَمـَر   غـِفـي حَبيبي         غـاب القــَمَر   وِعـي حَبيبي

             حـِلـْيــِــــتْ  لـَيــــالي    السـَّـهـَـر         يــــــا الله   يــِغـيـْب   الـقــَــمَـــر

المجموعة:    طِلـِع القــَمـَر   .. 

 زادالخير:    / نـِحـْنـــا قـَـصــَدْنـا الهـَـــوى            وانـْـكـَـتــَـبـْـنــا عَ دْمـُـوعــــو

             شـْـقـيـْـنــا وِسـْـهـِـرْنـا ســَــوا              وْراح وْنـَـطــَـرْنـا رْجــُـوعـو / (2)

                    كـِنـَّا ســَوا نـِلـْـتـِـقــي            وْماعاد سـوا نـِلـْتـِقـي

المجموعة:           كـِنـَّا ســَوا نـِلـْـتـِـقــي            وْماعاد سـوا نـِلـْتـِقـي

زادالخير:            كـِنـَّا ســَوا نـِلـْـتـِـقــي            وْماعاد سـوا نـِلـْتـِقـي

المجموعة:           كـِنـَّا ســَوا نـِلـْـتـِـقــي            وْماعاد سـوا نـِلـْتـِقـي

زادالخير:     ضــاع الـهـَـــوى وْمـا بــِقـي            إلا الـقـِـصـَــص والـصـُّــــوَر

المجموعة:    طِلـِع القــَمـَر   .. 

زادالخير:     / بـْــآخــِـر طـَريق الـْمـَســــا             فــي شــَجـْــرَة لـَـيـْـلـَـكـِـيـِّـــة

             يـــاعـُـمـُـــر مـا بـْـتـِنـْـتـَـسـى              ضـَـلـَّــكْ فــايــِـق عـَـلـَـيـِّـــي / (2)

                    يـِـبْقى لـِنـا وْشو لـِنـا           غـَيْر العَتـَب شو لـِنا 

المجموعة:           يـِـبْقى لـِنـا وْشو لـِنـا           غـَيْر العَتـَب شو لـِنا 

زادالخير:            يـِـبْقى لـِنـا وْشو لـِنـا           غـَيْر العَتـَب شو لـِنا 

المجموعة:           يـِـبْقى لـِنـا وْشو لـِنـا           غـَيْر العَتـَب شو لـِنا 

زادالخير:     غـِصـــْن المـَحـَبــِّـة انـْحـَنـى            وِتـْـغــاوَى لــَون الشـُّــــجـَـر

المجموعة:    طِلـِع القــَمـَر   ..    

             حـِلـْيــِــــتْ لـَيــــالي السـَّـهـَـر             يــــــا الله يــِغـيـْب الـقــَــمَـــر

                                                يــــــا الله يــِغـيـْب الـقــَــمَـــر

إطلالة جميلة أسعدت الأهالي للحظات، غير أنهم يتوقون لمعرفة ما حصل لزادالخير في القصر فيسألها بربر (هاتي خـَبـّرينا تـَ نـْشوف) وتجيب ببراءة (شـَغـَّلـْني بــِزَقّ الحَطـَب) وصِدْق (ما شفـْتـُو قـَتـَل حدا) وتصفه بكل بساطة فهو شخص عادي (بْيـِسْكـَر متل عبـُّود) ومرِحٌ أحياناً (وْبينـَكـِّت وبْيــِضْحَك) رغم ما يخفيه وراء ذلك (بسّ بيضلّ في بْوِجـُّو نِمْر مْخـَبـَّا)، ويثير هذا الوصف فضول إحدى الفتيات فتسأل (دَخـْلـِكْ شو بْيشـْتِغـل المَـلِك؟)

زادالخير:     بْيشـْتِغـل مَـلِك، حامل كاس وْعندو حاشية كبيرِة، حَرَس، خـَدَم، طبـَّاخين، ناس بيضـَحـّـكوه، ناس بيبَكـُّوه..

ويعود بربر إلى هموم الأهالي وآخر خبر حزين (اعـْرِفتي إنـُّو انـْحَبَس مْراد الأسْمَر؟) ولكن أنـَّى لمـُساق إلى ورش السـّخرة أن يدري بما يحصل خلف جدران القصر وأسواره!! (مْنـَيْن بَدِّي أعْرِف؟!)

في زاوية أخرى من المملكة أشخاصٌ اختاروا لأنفسهم الابتعاد عن التفكير في الهموم وقسوة النظام والتزموا بما يسمح به متوخـِّين راحة البال. هذا أحد الفلاحين، ويدعى (ديك الميّ)، سعيدٌ بمحصوله يغنـِّي له في القطاف الأول ملأ به سلـَّته وقدِم إلى أصدقائه متجاهلاً ما يحدث حوله أملاً بالسـَّلامة من قبضة الملك وحرَّاسه. ويقوم بهذا الدور الفنان الرَّقيق إيلي شويري

ديك الميّ:    لـَــوز لـَــوز      طِلـِع اللــَّــوز         مـِنْ لـَــوزاتي أحـْـسـَن  لـَـــــــــوز

              جايــِبــِلـْكـُن أوَّل  أوَّل قـَطـْفـِة          حتى تـْدُوقو   تـْدُوقو الـلـَّوز

الجميع:              اشـْـتـَـقـــْـنـالـَك يـا ديـْك المـَيّ 

ديك الميّ:                                      وأنـا مِـشـْـتـاق يـا أهـْل الحـَيّ

الجميع:              وَيْن قـاعِدْ مشْ عمِّ نـْـشـُوفـَك؟ 

ديك الميّ:                                      أنـا قـاعـِدْ عـَـلى بــِرَك المـَيّ

                     قـــاعـِدْ وَحـْـــدي        ما بـَدِّي مَشـــاكِل            

خـَلـُّوني لـَوَحْـدي       ما بْحبّ المَشاكِـل

بربر:         عْرِفـْت باللـِّي عم بيـْـصير؟ 

ديك الميّ:                         مـــــــا بـَــــدِّي أعـْــــــرِف

بربر:         صايــِرْ إشـْيا مْهِمـِّة كـْـتير؟ 

ديك الميّ:                         خـَـلـُّـونـي مـــا أعـْــــــرِف

              خـَـلــُّـــونـي عـم غـَـنـِّـــــي عـَلــــى بـــِـرَك الـمـَـــــــيّ

              عـَلــــى بـــِـرَك الـمـَـــــــيّ عـَم تــلـْـعـَب صـُـــوَرْنــــــا

              وْبــِـبـــِـرَك الـمـَــــــــــــــيّ    عـَم تـغـْـرَق صـُـــوَرْنـــــــا

المجموعة:    عـَلـى بــِـرَك الـمـَـيّ..  

ديك الميّ:    عـَلـى بــِـرَك الـمـَـيّ..         

المجموعة:    عـَلـى بــِـرَك الـمـَـيّ..  

ديك الميّ:    / يـــاقــَمَرْنـا    تـْـفـَرَّج عَ صُـوَرْنـا / (2)

/ وْبــِسـَهـَرْنـا   بــِسـَهـَرْنـا ضـَــوِّي / (2)

ضـَوِّي ضـَوِّي ضـَوِّي عَ صـُوَرْنـا

المجموعة:    عـَلـى بــِـرَك الـمـَـيّ..  

ديك الميّ:    / مـِنْ زَغـَرْنـا   عَم تـِغـْرَق صُـوَرْنا / (2)

/ وِكـْبــِرْنـا     كــْـبــِــرْنـا وْبـَـعـْـدا / (2)

كــْبرْنا وْبـَـعـْـدا عَم تـِغـْرَق صُـوَرْنا

المجموعة:    عـَلـى بــِـرَك الـمـَـيّ..

مجموعة الرجال:     ديـْـــك المَــيّ ديـْـــك المَــيّ      جـايـِـبْ لـَـوز لـْ أهـْـل الحيّ

مجموعة النساء:      ديـْـــك المَــيّ ديـْـــك المَــيّ      جـايـِـبْ لـَـوز لـْ أهـْـل الحيّ

بربر:                       خيـْر السـِّـنـِة وْرِزْق جـْديـْـد     واللـِّي طـَعـَمـْـنا عُمْرو يْزيد

مجموعة النساء:             خيـْر السـِّـنـِة وْرِزْق جـْديـْـد     واللـِّي طـَعـَمـْـنا عُمْرو يْزيد

بربر:                حـِـبـِّـيـْـنـي وْلا تـْحـِـبـِّـيـْـنـي       والمـَحـَبـِّـة مـِشْ بــالإيــــــد

مجموعة النساء:             خيـْر السـِّـنـِة وْرِزْق جـْديـْـد     واللـِّي طـَعـَمـْـنا عُمْرو يْزيد

ديـْـك المَـيّ    عُمْرو يْزيد

ودبكة حيوية تؤديها الفرقة الشعبية اللبنانية مع أغنية للفنان نصري شمس الدِّين الأستاذ البارع في هذا النمط. الأهالي، الذين أطعمهم ديك الميّ من قطفة اللوز الأولى وهو سعيدٌ، أثار الموسم الطيِّب فرحَ نفوسهم فهبـُّوا يرقصون ويغنون متناسين همومهم وقمْع الملك وحرسه.. فالفرح جزءٌ من حياة الفلاحين وهم يتمنون أن يعمَّ على الجميع وأن يسود العدل والسلام، ولكن الملك وحاشيته يستمتعون بتعاسة وشقاء الأهالي ويستعبدونهم ويقمعون أصواتهم.          

جوقة الفتيات: عَ الرِّمـَّـانـِة  الرِّمـَّـــانـِة         بــِـفــَــيّ  الرِّمـَّــــــــانـِة

              لـَحـْظ عـْيـُـونِك ياحِلـْوِة         بالهــوى رَمــــــــانـِــي

جوقة الفتيان: عَ الرِّمـَّانـِة الرِّمـَّانـِة..        

بربر:         عَ الرِّمـَّانـِة الرِّمـَّانـِة..

الجميع:              عَ الرِّمـَّانـِة الرِّمـَّانـِة..

بربر:         عَ الرِّمـَّانـِة يازْغـيـْـــرِة          عَ الـدَّلال زْغـِـــيــْــــرة

              عَم تِحْكي عْلـَيي الجيرِة              وْفـَضـَحـِـتــْـني الغيـــرة  

الجميع:              عَ الرِّمـَّانـِة يازْغـيـْـــرِة..

بربر:         قــَلـْبـي مـْوَلـِّـف        بـَعــْـدُو مـْوَلـِّـف       

بـَــدِّي أعـْــرِف         وَيـْـن سـِـهـْرانـِة 

الجميع:              عَ الرِّمـَّانـِة الرِّمـَّانـِة..

بربر:         لـِبْسـِتْ أخـْضَر زَيْتوني        خـَطـَفـُـوهـا عـْـيـُـــــونـي

              والـلـِّي كـانـُو يـْلـُوموني        مـا بـَـقــَى يـْلـُومـــــوني  

الجميع:              لـِبْسـِتْ أخـْضَر ..

بربر:         والـلـِّي مـِلـْهِـيـِّة         بـِـشـُــو مـِلـْهِـيـِّة        

                 عـْشِقــْنا وْهـِيـِّي        مـِـشْ دِرْيــانـِة  

الجميع:              عَ الرِّمـَّـانـِة الرِّمـَّـــانـِة          بــِـفــَــيّ الرِّمـَّــــــــانـِة

              لـَحـْظ عـْيـُـونِك ياحِلـْوِة         بالهــوى رَمــــــــانـِــي

                     رَمــانـِـي       رَمـانـِـي        رَمــانـِـي

فرح الأهالي مشروط ٌ ومهدَّد.. لا يسعد ملكٌ مستبدٌ لفرح ورخاء الناس، فهو يخاف أن يتحوَّل الفرح إلى قوَّة تسندهم في مطالبات بالعدل والحقوق. حتى لقمة عيش أبناء الشعب يتحكـَّم وجماعته بها فتصبح سياسة التجويع سلاحاً مجدياً لقمع أية محاولة للتطاول على الهيبة الملكية. لقد أراد الأخوان عاصي ومنصور فضح ملوك من هذا النوع عبر مشاهد المسرحية وأحداثها، وضريبة "حصَّة الملك" لم يكن سببها حاجة القصر والحكومة لمحاصيل الناس ولأموالهم بقدر ما هي وسيلة جديدة لإخضاعهم واستعبادهم وضمان صمتهم وخنوعهم. ونحن، وإن كنـَّا نعيش عبر مشاهد المسرحية في عالم افتراضي، نتذكـَّر في عشرات الأمثلة من التاريخ القريب والواقع الرَّاهن هنا أو هناك كم عانى ويعاني الناس من حالاتٍ من الرِّق المختلف شكلاً والمتماثل جوهراً وكم أبعدتهم العبودية عن الحياة الطبيعية الإنسانية.

يقطع مظهر الفرح والغناء والرّقص وصول قائد الحرس ودورية الحرَّاس إلى المكان مباغتين المحتفلين بأسئلة عن سبب الإحتفال (لـَيْش مْجَمـَّعين؟) ومستخدمين الهراوات والسياط لتفريقهم وقد مسك أحدهم (ديك الميّ) من ساعده فأجاب ببساطة (متل مانـَّك شايف عم نرْقـُص وِنـْغـَنـِّي، الله يْطـَوِّل عُمْر الملـِك..) ولكن الرقص والغناء يتطلـَّب موافقة الجهات المسؤولة (وْشو مناسَبة الرَّقص؟) فيشرح ديك المي متصوِّراً الأمر بسيطاً وسهلاً (اللـَّوز!.. أوَّل قـَطـْفِة جايْبينا للأهالي). قائد الحرس يستغلُّ أصغر الأمور لتكريس حالة القمع والسيطرة (أوَّل قـَطـْفِة للملك) ويأمر بمصادرة السلـَّة.. يقدِّم الرجل المسالم الذي اعتاد، أو بالأحرى فـُرِضَ عليه المشي في ظلِّ الحيطان ناشداً السـِّتـْر، يقدِّم سلـَّة اللـَّوز ويقول ببراءة: (يْطـَوِّل عُمْرو شو ضِرْسُو طـَيـِّب) ما أثار حفيظة القائد الذي استخدم هذا القول دليلاً على سخرية مبطـَّنة من الملك فسـِيـْقَ ديك الميّ المسكين إلى السـِّجْن.

كم من مآسٍ سجـَّلت تواريخُ شعوبٍ حُكِمت بالحديد وكم من أرواح زُهِقتْ لأسباب بسيطة لم تتعدَّ ذكرَ الحاكم أو قولَ عبارة تتحمـَّل التفسير صنـَّفتها أجهزة الحاكمين على أنها تنال من هيبتهم أو جلالتهم. وكم هي بشعة حالة الرّعب التي تسيطر على الناس تـُكـَمُّ معها الأفواه (دَخيلـْكـُن عَ السـَّكـْت!) ويوصف من يتجرَّأ على قول رأيه المنتقـِد للسلطة أو المعترض على واقع أو قرار أو سلوك بالمتهوِّر أو المغامر أو طويل اللسان! ونتيجةُ هذا سوادُ روح الخنوع والانهزامية والرضى بالأمر الواقع والكذب والمراءاة والتزلـُّف وتكريس عبادة الفرد والولاء المطلق واستبعاد أي احتمال للثورة على الظلم والطغيان.

تعالج المسرحية الواقع المرير لأهالي المملكة في معاناتهم عبر الفرصة الوحيدة للخلاص والتي اقترحها كبيرهم بربر وهي الرّحيل الجماعي (كلـّنا رح نِرْحـَل). ربما اعتبر البعض هذا الحلُّ انهزامياً لاستبداله المواجهة بالهروب، ولكنه الواقع الذي انتفت معه وفرة سلاح آخر. وسنرى في المشاهد اللاحقة جدوى هذا الحلّ بالرّغم من قسوته.

فباعتقال ديك الميّ عرف الأهالي أن أيـَّـاً منهم لن يسلم من قبضة الملك وعصاباته إن غضب هؤلاء، وأسف الجميع وهم يتناقلون الخبر همساً وتحت جنح الليل. تقدِّم لنا تقنية الإضاءة والصَّوت نوافذ عديدة في مشهد واحد نتابع فيها مراحل اعتقال ديك الميّ وتعذيبه وردود أفعال الناس وهم يتهامسون (أخـَدو ديك الميّ) بتصاعد وكذلك انتقال السلـَّة المصادَرة إلى يد الملك الذي فرح باللوز الأخضر الطريّ كالأطفال فراح يردد غناءً وهو يأكل حباته الطـَّيبة (خير السـِّنِة وْرِزْق جديد واللـِّي طـَعـَمْنـا عُمْرو يْزيد) فيما يقف إلى جانبه جاد الحكيم وقد أثاره تعرض صاحب السلـَّة إلى التعذيب على يد الحرَّاس.

جاد الحكيم:   يا مَوْلانا اللـِّي طـَعَمْكـُن       عم ياكـُل قـَتـِل هـَلـَّق!

الملك:        بْيــِسْتـاهـِل  بْيــِسْتـاهـِل         خير السـِّنِة وْرِزْق جديد...

وتـُرينا نافذة التعذيب الجسدي لديك المي وفاة الرجل يعقبه تقدُّم قائد الحرس من الملك محيـِّياً (عاش الملك) وبعد إعطائه الأذن بالكلام (نعم!) ينقل خبر ديك المي:

القائد:        في مُتـَمـَرِّدْ هـاجـَم الحَرَس وْشـَتـَم جـَلالـِتـْكـُن، حاول الهَرَب اضطـَرُّو يقتـْلـُوه 

خبرٌ عاديٌّ بالنسبة للملك، ربما أضاف إلى متعته في أكل حبـَّات اللوز الشهية متعةً أخرى لم يجد مانعاً من الاستزادة في شـَحْنها بالتفاصيل (شو إسْمو؟) رغم أنه لا يعرف الناس ولا أسماءهم ولكنها الفرصة لإثبات إلمامه بالأشياء ادِّعاءً وكذباً يبارك القائد معهما سعة اضطلاع الملك المتفاخر بسيطرته وسيطرة فِرَقِه على الأمور

الملك:        ديك الميّ!!.. مش هوِّي اللي كان عم يْجَمـِّع ثوَّار بالجْرود حتى يْسَقـّطـُو الحكم؟

القائد:        نـَعـَم يا مَوْلانا 

الملك:        وْنـَهَبو عـَنابِر القـَصر ؟

القائد:        نـَعـَم نـَعـَم، ما أوْسَع مَعـْلوماتـْكـُن يا مَوْلانا    

الملك:        وَلـَوْ..  جهازي الخاصّ شو قاعِدْ يـَعـْمِل؟

جاد الحكيم:   يا مَـلك الزّمان، ديك الميّ رِجـَّال مسكين لا ثاير وَلا شي.. وْهوِّي اللـِّي طـَعَمْكـُن سلـَّة اللـَّوز

الملك:        يــِـيــــه !! ما قـِلـْتولي، بَلـْكي مـْسَمـِّمْـلي فيها.. الـْحَقــُـونـــي! وَيْنـَك يـا جــاد؟

جاد الحكيم:   أنـا هـَون يا مَوْلانا

الملك:        الـْحَقــْـنـي سَمـَّمولي الثــُّـوَّار.. بَعَتولي سلـِّة لـَوز مْسَمـَّم

جاد الحكيم:   مـا في ثـُوَّار يا مَوْلانا

يتظاهَر الملك بطريقة كاريكاتوريـَّة بالعناء والمرض (نـَفـَسي ضـاق) ويدَّعي أنه تأثـَّر باللوز المسمم (الخـَدَر عم يمشي بجـِسْمي) وهو على مسافة خطوات من الموت (عم بــِتـْوَفـَّـى) ولكن الخديعة لا تنطلي على جاد الذي يعرف خبث الملك كما يعرف نقاط ضعفه فيطالبه بالهدوء (رَوِّق يا سِيْدنا) ويُطـَمْئنـه (اللـِّي مات هُوِّي ديك الميّ البـَرِي!) فيعود إلى لهجة العنف والمفاخرة (ولك أنا شو بيمَوِّتـْني) والتـَّعالي (أنا بْمَوِّت مملكِة وْما بْموت). ويتبع عباراته ببيتين من الشـِّعر ألقاهما بطريقة خطابية مستثيراً حماس مـَن حوله دعماً له في مواجهة خصمه المفترض ديك الميّ:

الملك:   وسـيعـْـلـَمــون غـداً   بـأنـِّي سـيـِّــــــدٌ   تـَهْـوي الرِّجالُ إذا مشى في ســـاحِه

         مـا كـُنـْتَ ديــك الميّ أوَّلَ فـــــارس   يـَـوم الـــــرَّدى   أرديــْــــتـُـــه بــِسـِــــلاحــِــه

ينتفض الملك مستبسطاً مقتل المواطن البريء ديك الميّ طالباً بحث (القضايا المُفيدِة للمَمْلـَكِة) ومنها ترتيبات استقبال الملكة لدى عودتها من زيارة أهلها في مملكة (رود) فيعد جاد بترتيب (استقبال رسمي وزينِة بالشـَّوارِع) ولا ينسى الملك التأكيد على الجانب الشـَّعبي (وْجماهير غفيرَة يا جاد، الملـَكِة بــِتـْحِبّ الكـَنـْفـَشـِة).

حاجة البلاط الملكي لأفراد الشعب لا تقتصر على السخرة والخدمات أو على قتال الأعداء. طالما تباهى الملوك بكثرة عدد مواطنيهم الذين تمتلىء بهم ساحات الاحتفال وكانوا يُساقون بالقوَّة للهتاف بحياة أوليائهم (الأبطال النبلاء الكرام) استعراضاً للقوة وادِّعاء بحبِّ الجاهير، ومازالت بعض الأنظمة حتى يومنا تلجأ إلى هذا الأسلوب الذي لا يستطيع إخفاء صفة النفاق فيه. وتذكـِّرنا رغبة الملك غيبون هنا باحتفال النـَّصر الذي أقامه (فاتك المتسلـِّط) في مسرحية (جبال الصـُّوَّان) والذي سيق إليه أهالي الجبال للتظاهر تأييداً لحاكمهم الطاغية.

عبر ترويجة موسيقية هادئة يعود بنا المشهد التالي إلى الأهالي وقد عزموا على الرَّحيل بدلاً من الاستعداد لاستقبال الملكة. بربر الذي وصلت به الأمور إلى حد العجز عن فعل شيء يقي أبناء بلده من بطش وتعسف الملك وبلاطه واليأس من إمكانية تغيير الحال قرّر تنظيم وتنفيذ خطة مقاومة سلمية تضعف الملك المغرور وتفرض الإرادة الشعبية عليه. على زوايا خشبة المسرح الأربعة تـُظهر إضاءة خفيفة وسط العتمة أربعة فوانيس خافتة النور تتحرك باتجاه المركز يحملها رجال تبدو عليهم هيئة الحذر والحيطة يقترب منهم بربر وبيده فانوسٌ فيدور بينهم الحوار المنغـَّم:

بربر:         يا إخـْوان.. كـِلّ واحد منكـُن يــِتـْوَجـَّـه عَ مـَنـْطـَقــَة

الرجال:              بــِـأمـْـرَك يــا بـَرْبــَـر

بربر:         وْبـِتـْقــُولو للزُّعـَمـا يــسْتـَعِدُّو للرَّحيـْل حَسَب ما اتـَّفـَقـْـنـا

الرجال:              بــِـأمـْـرَك يــا بـَرْبــَـر

بربر:         قـولولـُن ما يْضـَلّ حـَدا، كِلـُّن لازِم يــِرْحَلـُو. رْجـال، نـِسْوان.. وِوْلاد وْشـْيوخ، كِلـُّن لازِم يــِرْحَلـُو. خـَلـِّـي المُدُن تِفـْضـَى وْتِتـْسـَكـَّـر الـِبـْيوت.

الرجال:              وْأيْ مْتى الرَّحيـْل؟

بربر:         يــسْتـَعِدُّو  وْيــِنـْطـرو الإشارة   وْلـَـمـَّـا بـْــتـِنـْعـَطـالــُن الإشـــــــارة

              مـِتـْل رْفـُوف الطـَّـيْر بْيـِمْشو    صَوْب رْيـاح جْديـْدِة بْيــِمْشو

الرجال:              بــِـأمـْـرَك يــا بـَرْبــَـر

بربر:         وْلازِم بـْـسِـــرْعـَــــة       تـُـوصَـلـُو بـْـسِرْعـَـة 

الرجال:              مْـنِقــْطـَع النـّهـُـــورَة      بالطـِّرْقات المَهْجُورَة

              مـْنِـلــْـبُس اللــَّـيْــــــل      وْلـَـــــــــون الأرْض

              وْسـَـفــَــر الـغــَـيــْــم       حـَتـَّـى نـُـوصـَــــــل

بربر:         مـَحْـــروســيـْـــــــــن 

الرجال:                                  بـْخاطـْـرَك يا بـَرْبـَر   

بعد الاتفاق والإقرار بما يتوجب فعله، والذي جاء بصيغة أوحت من خلال الصوت والموسيقا بالعزيمة والصـِّدْق والحرص على السرِّيِّة ضماناً للنجاح، ينطلق الرجال بالاتجاهات الأربعة كناية عن شمولية الرحيل وتـَعدُّد وجهاته بينما يبقى بربر في مكانه يفكـِّر في المرحلة القادمة ويتخيل الملك غيبون بعد أن تفرغ مملكته من الناس. وإذ هو على هذه الحال تصل إليه زادالخير وقد علمت بما يحصل ولم ترق لها فكرة الرّحيل فيدور بينهما الحوار الغنائي الذي تستهلـُّه زادالخير بالعتب:

زادالخير:      أربَعـَـة وِقـْـفـُـو مَعــــَك          وَدَّيـْـتــُــن وْراحـــُـــــو

              لـِـبــْســـــو الـلــَّـيْـــــــل            

لـِبْسـو خـْيالات الشـَّجـَر

              لـِبـْسو سـْكـوت الأرْض               وَدَّيـْـتــُــن وْراحـــُـــــو

              قـِلــِّـي لـَوَيـْـــن راحــُـو 

بربر:         عـَمْ تـِسـْألي تـَ تـَعِـرْفي         وِبـْتــَعـِـرْفــــــــــــــــي

زادالخير:      يـَعـْـنـي الـرَّحيـْـــــــــل

 بربر:                             وْشو بـَعْد في غير الـرَّحيـْــــــل؟

عندما تضيق السـُّبُل في المرْء يبحث عن قشة تقيه الغرق، ورجال مملكة غيبون لم يعد أمامهم سوى ذلك الخيار الذي لا تحبُّه زادالخير. والحقيقة أن عاصي ومنصور الرحباني لا يطيقان هجْر المكان مهما كان السَّبب. لقد كان عندهما هاجس مكافحة الهجرة منذ أن بدأت رحلتهما الفكرية والفنية، ففي عملهما "البعلبكية" الذي قـُدِّمَ في العام 1961 غنـَّت السيدة فيروز من كلماتهما وألحانهما أغنية (لـْوَيْن؟) والتي يجيب فيها الرجال الرَّاحلون عن بلدهم (رايْحين.. مْسافـْرين) و (شو عم نعمل هَون؟) وتستعرض الأغنية (أيام صعبة) معاناة الرِّجال من شروط معيشتهم القاسية (عم نِعْرَق عم نِتـْعَب) و (عم نـْعارِك عم نقاتِل) ومواسمهم الشحيحة (لا الموسِم ألله يْبارِك) وموقف ابنتهم من الحلِّ الجائر الذي اختاروه (والأرْض لـْمين مْنِتـْرِكـْها؟) ونظرتها المتفائلة (بيضـَلّ فيها اتـْنـَيْن  عْيون حِلـْوِة وإيْد   يْعَمـّرُو مْن جْديد).

موقف مشابه كان محوراً لظاهرة ردِّ الفعل على عسف الحاكم في مسرحية "جبال الصوان" إذ ترك كثيرون من أهل الجبال قراهم وبيوتهم بعد زحف فاتك المتسلـِّط عليهم وآثروا الهجرة حلاً للخلاص من الظلم والإهانة والعوز. وكان للأخوين رحباني كلمتهما في الراحلين عن وطنهم (المَطـْرود مانـُّو ضـَيف.. حامل حزْنو مَعـُو).

فلنتابع مع بربر، الزَّعيم المهزوم العاجز عن المواجهة، وزادالخير البسيطة الطيبة والوطنية الصادقة الرافضة للرحيل حواراً بقالب الشعر الشعبي المُغنـَّى

بربر:         شـُـــو بـَعـْــد فــــــــــــي؟  

              مـْواسـِم الـزَّرْع مـْنـَتـَّـفـِـة         وْأيــَّـامـْنـا عـَم تـِنــْطـِـفـي

              وْخـَيـــْـل الحَـرَس       من كلّ باب تـْمِدّ راسـا وْتـِخـْتـِفـي

              وْصـَـوْتـُو يْحَمـِّل ضِحْكنا      ويـْـهــِـج بـِ هـالـْعـاصْـفـِـة

زادالخير:      كـِـلـُّــو صحـيـْـــــح       لـَكـِنْ أنـا ما بـْـفـِــلّ

              عـَنْ بــــاب بــَيـْـتــــــــي

بربر:                              رَح يْـفـِلـُّـــو الكـــلّ

بربر:         شـُـو بـْـتــَعـْمـلي وَحْدِك؟       

زادالخير:                          أنــــــــا رَح ضـَــلّ

بربر:         وْبـُـكـْرا مـَتـَى هـْجَرْنـا؟

زادالخير:      يـاخـَوْفـي كيف بَدْكـُن تـِهِجـْـرو        وِتـْصـيـْــر هـالـدِّنـْــيــــــي

              طـِرْقـات مـا عـْـلـَيـْـهـا حـَـدا    

وِبـْيـوت سـاكِنـْـهـا الصـَّـدى

بربر:         رَح تتـْعـَبي وَحْدِك     ما بْوافــْـقِـك تِبـْقي

                            إنـْتي يا زادالخـَيـْـر     مابْتـَعِرْفي بالظـِّلـْم

زادالخير:      بَعْــرِف أنــــا    واليـَـــوم عـِنـْـد العـَصـْـــر

                           شـِفـْت البـِـكي  مـْعـَبـِّـي طـْـواق القـَـصـْـر

              شـِفـْت البكي نازِلْ     عا حـَـيـّـنــا نــازل

                           مْحـَمـَّل دْموع النـَّاس مْحَمـَّل صْوات النـَّاس

              وْصَوت ديك المَيّ    بـَيـْنـاتـْـهُن شِفـْـتـُو

              عْـرِفـْـتـُو وْما عْـرِفـْـتـُو  عْـرِفـْـتـُو وْمـا عـْـرِفـْـتـُـــو

              كـِرْمـالـْهـُــــــــــنْ   كـِرْمـال ديك الميّ

              هالـرَّاح مـَرَّة وْمـــا رِجـِع        هالـلـِّـي تـْعَذب وانـْـوَجـَـع

              تـَ هـَجّ بالحيـْطـان      وْفـَـلّ مـِنْ حـالـُـو

                                         وْبـَعـْدُو كـِلّ يـَوم بْينـْوِجع 

                                         كـِـــرْمــــالـْهـُـنْ ما بـْـفِــلّ

              ويـْـهـيـْج بَحْر الظـِّلـْم   بـَــــدِّي ضـَــــلّ بـَــــدِّي ضـَــــــلّ  

بربر:         بـَــــدِّك تـْضـَــلــَّـي       ضـَــلــَّـي نحنا رَحْ مـِنـْروح 

              وْمـازال هـُو بَدُّو الأرْض      بــَدُّو الـِبـْيــــوت

              بَدُّو نـْخـَـلــِّيـْـلـُـو الأرْض نـْخـَلـِّي الـِبْيـوت

              رَحْ نـــاخـُد الإنـْســـــــان

              وْسـاعـِتـا يْـضـَلــُّـو مـَلـِك       عَ الـعـَـتـِم والـحـيـْطــــان

الموقف صعب والقرار حديدي لن يتراجع عنه الأهالي. أما زادالخير فستضغط على نفسها وتبقى. تمثل زادالخير هنا غالبية نساء المجتمعات العربية في مواقف كهذه ولا تمثلهنّ النساء اللاتي سترحلن تحت ضغط الرجال النازحين. فالنساء أكثر تشبـُّثاً من الرجال بالأرض والوطن والأهل والأقارب وهنَّ لا يفضـِّلن الهجرة التي كثيراً ما يطمح إليها الرجال والشباب خاصة.. وفي الحقيقة فإن الثمن الذي تدفعه الفتيات والنساء في حالة الهجرة العائلية يفوق بكثير ما يتحمـَّله الرجال وتنجم عنه في معظم الأحيان حالات خلل وتراجع وظلم.

غادر بربر وبقيت زادالخير في الساحة والحزن يملأ قلبَها ولكن دون أن تفقد الأمل.. هذه أيضاً صفة رائعة تميز نساء مجتمعاتنا اللاتي يتحلـَّين بالصـَّبر وطول الأناة ولا تفقدن الأمل والرَّجاء. وتعبـِّر السيدة فيروز عنهن في مواقف كهذه أجمل وأقوى تعبير يتنوع شكلاً وقوالبَ ويتفق جوهراً مع حقيقة لجوء البنت والأخت والأم والجدَّة إلى الابتهال والتضَرُّع وطلب الرأفة والتوفيق بقلوب دافئة مليئة بالحنان.

الرحيل القاسي سبقته رحلات ذهن زادالخير الحزينة والقلقة بين صور المجهول الذي يسير الأحبة إليه وذكريات جميلة في ربوع الوطن الغالي مع الحبيب والطبيعة الساحرة، تتراقص على نغمات عـَنين نـُحَيْلاتٍ غـَلـَّت بين أزهار الغابة الفوَّاحة ترشف الرحيق عسلاً تسعد به وتداعب الوريقات والنسيمات وتطير في طريقها راسمة دوائر تتلون بها السماء الصافية فيتّحد الخيال بالحنين مثيراً الرَّغبة في الغناء..

تمتِّعنا السيدة فيروز بأغنية غاية في الرقـَّة والعذوبة تشترك في لحنها الفائق الروعة آلة البيانو فتظهر واحدة من أجمل الأغاني الفيروزية المحببة بتمهيد يضعنا في بيئة تلك الذكريات:

فيروز:        إنـْـت وْأنــــا    يــــامـا نـِـبـْــقـــى         نـُـوْقـَـفْ عـَلى حـْدود السـَّـهــِلْ

              وْعـَـلى حـْـدود الـسـَّـمـا الزَّرْقـا          مـَرْســومـِة   طـَـريـق الـنـَّـحــِـلْ 

/ أنـــا وْمـِـتــْـكــِــيـِّـة عَ بــابـي           مـَـرَقــــِت  نـَحـْـلــِة   بـَكـِّـيــْـــــر  

غـَـلــِّـت   بــِـــزْهـُــور الغـــابــِة           وْصـارِتْ تــَعـْـمـُلْ مـَشـاويـْـــر /(2)

وِتــْعـِــنّ الـعـَـنـيـْــــــن            حـَزيـْن وْمـِشْ حـَزيــن

وْبـِسْكـُوت الـضـِّهْـرِيـِّة         يــِتـْـكـَسـَّـر الحـَنـيـْــــن

إذا رَح تـِهـْجـِرْنـي حـَبـيــْبــــي           وْرَح تـِنـْسـانـي يـاحـَـبـيـْـبـــــي

ضَلّ تـْذكـَّرْني وِتـْذكـَّرْ         طـَـريـْــــق الـنــَّــحـــلْ

طـَـريـْــــق الـنــَّــحـــلْ            طـَـريـْــــق الـنــَّــحـــلْ

/ طريْق النـَّحلْ الطـَّاير              فـَوق الضـَّـوِّ المَكـْسـُور

بيـْصـيْر يــِرْسُم دوايــِر         يكـْتـُب عَ الهَوا سْطـُور / (2)

مـِنْ فـَـوق القـْـصور    أعْـلى مْن الـِقــْصور

أعـْلى من قـِبَـب الـعالي       عـَم يكـْـتـُـب سْـطــــور  

/ إذا رَح تـِهـْجـِرْنـي حـَبـيــْبــــي وْرَح تـِنـْسـانـي يـاحـَـبـيـْـبـــــي / (2)

ضَلّ تـْذكـَّرْني وِتـْذكـَّرْ         طـَـريـْــــق الـنــَّــحـــلْ

طـَـريـْــــق الـنــَّــحـــلْ            طـَـريـْــــق الـنــَّــحـــلْ

حزم الأهالي أمتعتهم وتوجهوا بعد غروب الشمس إلى منافيهم يتأبطون حزنهم ممزوجاً ببعض الخوف من مصير تجربة ليس هناك ما يضمن نجاحهم فيها فراحوا يغنـّون لبيوتهم وساحات أحيائهم ولبساتينهم وترابها الذي ارتوى من عرقهم وانتشت حبيباته بفضل تعبهم. وتـُسْتـَهَلُّ الأغنية اللطيفة بمطلع نشيدي يؤديه الرِّجال ولحن مارش يرافق خطوات المواكب القادمة من زوايا الساحة:

الرجال:              لـَمـَّـا بْيــِرْسى مـَرْكـَب الـلـَّيــْـل           عـَـلـَـى سـْـطـُــوح الـمـَديــْنــِــة

              وِبـْـيــاخـِدْنــي سـَـفــَـر الـلـَّيــْـل          

انـْطِريـْنـي      انـْطِريـْنـي             عَ بــاب المـَسـافـِـة انـْطـِريـْنـي

أنـا رايـِـح      انـْطِـريــْـــــنــــــــي

وتتدخـَّل مجموعة آلات الإيقاع لتشكل المنصـَّة التي يلقي النازحون تحت جنح الليل المظلم من عليها بطريقة كورالية قـَسـَمَ التعهـُّد لمنازلهم بالبقاء مخلصين لها مهما طال الفراق ومتطلـِّعين إلى العودة بعد أن تتخلـَّص من الأيدي الظالمة:

الجميع:              / اشـْهَـدي يـا بْيـُوت اسـْمـَعي يـا بـْيـُوت

رَح بـِتــْضـَلـِّـي بـْعـَيـْـنـَيـْـنـا يـا بْيــــوت /(2)

صـِرْنـا وَرَق الرِّيـــْـح    صـِرْنـا سـَفـَر الرِّيـــْح

وأيـَّــــامـِكْ عـَهـْــد عـْـلــَيـْـنــــا يـا بـْـيــــــــوت 

وأيـَّــــامـِكْ عـَهـْــد عـْـلــَيـْـنــــا يـا بـْـيــــــــوت 

بربر:         عـَلـَى بـابــِكْ يـا بـْوابْ الإلـْفِة   عـَلــَى بـابــِكْ يـا بـْوابْ

نـِنـْقـُشْ صُوَر الدَّمـْع وْنِحـْمـُلْ     مِن حـَفـافـيـْكـي تـْراب

النساء:       عـَلـَى بـابــِكْ يـا بـْوابْ الإلـْفِة...

بربر:         نـِمـْـشـي مـِـيـِّـة يـَـــوْم           نـِعـْـبــُر أرْض الـنـَّـوم

يـا قـِصـَّة انـْكـَـتـَبـِتْ عَ الـمـَيّ   وْمـَتــْروكـِـة بـِكـْـتـاب 

الجميع:              / اشـْهَـدي يـا بْيـُوت   اسـْمـَعي...           / (2)

على الإيقاع الحيوي المنسجم مع متطلبات الموقف يودِّع الأهالي بيوتهم الغالية وابنتهم زادالخير التي قررت البقاء فتركها الجميع ورغبتها ولكنهم جعلوها أمينة البلد في غيابهم فقاموا بتسليمها مفاتيح دورِهم وهم يغادرون بحركة متكررة الشكل من النساء وهن يغنـِّين على لحن رتيب حزين:

النساء:       زادالخـيـــر

              انـْطـِــري الـِبـْـيـُـوت      وانـْطـِري المَفــاتـيح

              لـلـزَّمـان التـــــــانـي

              زادالخـيـــر

              انـْـتـــي صـِــرْتــــي       وَحـْـدِكْ صـِــرْتــــي     

نـاطـُـورِة الـِبـْـيـُـوت      نـاطـُـورِة المَفــاتـيح

              نـاطـُـورِة المَفــاتـيح     نـاطـُـورِة المَفــاتـيح

ويغادر الجميع وهم يتناوبون ترديد (لـَمـَّـا بْيــِرْسى مـَرْكـَب الـلـَّيــْـل... أنـا رايـِـح انـْطِـريــْـــــنــــــــي انـْطِـريــْـــــنــــــــي انـْطِـريــْـــــنــــــــي) تاركين ناطورة المفاتيح وَحدَها وقد بدت المدينة موحشة استثارَت بقفرها سيدتنا فيروز فراحت تغني واحدة من أجمل الأغاني وأرقـَّها وأعذبها لحناً ساهمت تقنية الصَّوت ورجع الصدى في رفع قيمتها التصويرية وجعلها تدخل إلى أعماق عواطف المستمعين وقد آلمهم ما ذهبت إليه أفكارهم من واقع مشابه تنطبق عليه أحداث هذا المشهد وكلمات هذه الأغنية:

فيروز:        وَيـْنـُنْ؟        وَيـْنـُنْ يْنن نن ن             وَيـْنـُنْ؟        وَيـْنـُنْ يْننْ ننْ نْ

              وَيـْنْ اصـْواتــُنْ وَيـْن وْجـــُوهـُـن وَيـْنـُنْ؟

صــار في وادي      بـَيـْنـي وْبـَيـْنـُن         وَيـْنـُنْ؟       

              / رِكـْبـُـو عـَرَبــِيـَّات الوَقــْت وْهـَرَبو بالـنـِّسـْـيـان

                     وْتـَرَكـُـو ضـِحـْكـات وْلادُن مـِنـْسـيـِّة عَ الحيطـان / (2)

              تـَرَكـُـولي المـَفـاتـــيـْـح    تـَرَكـُـو  صـَوت الريـْـح

                                  وْراحو وْما تـَرَكـُـو عـِنـْــــــوان

وَيـْنـُنْ؟        ...

/ عـِشـَّـاق الطـِّرْقات افـْتـَرَقـُو  لاحَكي لا مَواعيْد     

وانا وَحـْدي صـَوْت الشـَّوارِعْ أنا طـَيـْر القـَرْميـْد / (2)

هـَـرَبــِت بــِهـالـلــَّـيــْــل مـِن مَرابــِطـْها الخـَيـْـل

                     وانـا قـَنـْديـل الحـِزْن الوَحـيـْــــد

              وَيـْنـُنْ؟        ...

              آ آ آ وَيـْنـُنْ؟

بانتهاء هذه الأغنية تـُسدل ستارة الفصل الأول وقد علمنا بأن مملكة "سيرا" قد فرغت بيوتها وحقولها من الناس فلم يبق عند الملك سوى حاشيته وحرسه ومن في سجونه وناطورة المفاتيح، زادالخير البسيطة بحياتها وممتلكاتها والقوية بإرادتها وبعنفوان المواطـَنة الحقـَّة عندها تستخدمه أنـَّى تطلـَّب الأمر صموداً في وجه من يتطاول على حياة الأبرياء، وهي تعلم بأن الوطن أقوى وأبقى من الحاكم الظالم وبأن الناس عائدون إلى بيوتهم لا محالة.

*

العقدة المسرحية تعرضها لنا مشاهد الفصل الثاني عبر حدث أساس مُهـِّدَ لاقتراب موعده قبيل نهاية الفصل الأول. يكتشف الملك خلال هذا الحدث أنه أصبح ملكاً على رعيةٍ قوامُها زاد الخير فقط!

تستهل الأوركسترا الفصل الثاني بمقدمة ذات طابع راقص عالي القدرة الإيحائية تأخذنا مع ناطورة المفاتيح إلى الأهالي النازحين ودموع الحزن تملأ مآقيهم والشوق والحنين يرافقانهم منذ أولى لحظات الرَّحيل وتعيدنا إلى المنازل الخاوية والأبواب الموصدة والأشجار التي ذبُلـَت أغصانها وبراعم الزُّهور التي أبت أن تتفتح تحت السماء الداكنة فأضاع النحل طريقه. وتمر الأيام القليلة الفاصلة بين الرحيل الذي لم تصل أخباره بعد إلى القصر العالي وعودة الملكة من سفرها..

بطريقة بروتوكولية يظهر من أطراف الخشبة حرَّاسٌ يقرأون على مدى المكان ومع قرع طبول الفرقة الملكية ونفير أبواقها أمراً ملكياً (بأمْر المَلِك يُطـْلـَب مِن الشـَّعْب) يتعلـَّق بالتحضير لاستقبال الملكة بالتـَّجَمْهُر (على طول الطـُّرُقات) وبتجميل الساحات (ويقيم الزِّينات) ولا يغفل الأمر عن تهديد مَن (لا يحْضر) بالتـَّعَرُّض للعقوبة.

لا آذان تسمع الأمر سوى أذنَي زادالخير التي لم يـُثِر فيها سوى الرّغبة في الغناء انسجاماً مع الحالة التي تحيط بها وحيدة في مملكة قوامها الجدران الخرساء وظلال الأشجار الضـَّجـِرَة. الأغنية التي تقدِّمها السيدة فيروز من تلحين الموسيقار الكبير الياس الرحباني الذي اشترك في التلحين والتوزيع الموسيقي وستكون مشاركاته أوسع في المسرحيات التالية، خاصة بعد تعرُّض عاصي لمرضه المفاجىء في السـَّنة التالية، والأغنية من مقام (حجاز دوكاه) يظهر فيها دور الآلات الغربية تؤدي اللحن الشَّرقي بمرونة فائقة وانسجام تام نـَطـْرَب به ومع كلمات الأغنية التي يتـَّحد فيها الوطن والحبيب ويصبح كلاهما للآخر خيالاً

فيروز:              / لا تـِجـي الـيـَوم      وَلا تـِجي بُـكـْـــرَا / (2)

                     مـِشْ لـِنـا الـزِّيـْنـِة       وْبَيـارِق المَديْـنـِـة

                     نـِحـْـنـا لـِنــــا    وَرَق الـخـَريـْـف

                                  الـْ عم بيـْدَهـِّب مَراكِبِ الرَّصيف

                     غـيْر إنـْتَ وْأنـا               غـيْر إنـْتَ وْأنـا

                     غـيْر إنـْتَ وْأنـا               ياحَبيبـي ياحَبيبي ما لـِنا

                     / لا تـِجـي الـيـَوم      وَلا تـِجي بُـكـْـــرَا / (2)

              خـَوْفي لـَ تـْضَيـَّـعْنـي          بالـعيْد وْما تـِقـْشـَعْني

              تـَعـا لـَمـَّــــــا     بْيــِنـْـدَه الحَـنـيـن

                                  مـَـوسـِـم الـنـَّـــاس الـمِـنـْســِيـِّـيـن

                     إنـْـتَ الـمَـــــــدى قـَـبْـلـَـكْ مـا حـَـدا

                     وْبـَـعْـدَكْ مـا حـَدا      ياحَبيبـي ياحَبيبي ما حـَـدا

              / إنـْتَ وْجايـي        يـاحـَبـيــْـبـي لا تـِجـي بالـشـَّـمـْس       

بـْيــِلـْحَقــَكْ خـْيـالـَك / (2)

                     تـَعـا بالضـَّـبـابــِة       تـَعـا بـَلا خـْـيــال 

                     تـَعـا بـَلا خـْـيــال

                                  أنا خـْيـالـَكْ   أنا خـْيـالـَـكْ

                     لا تـِجـي الـيـَـــوم...

تفقداً لحالة المملكة قبل وصول موكب الملكة يأتي إلى الساحة قائد الحرس فلا يرى سوى زادالخير التي أدركت حالة الضـَّعْف التي وصل إليها البلاط الملكي بعد أن فرغت المملكة من سكانها.. لم تكترث زادالخير بالقائد الذي يتوجَّه كالعادة بالسؤال بطريقة فظـَّة ومن دون تحية (ليش ما زَّيـَّنـْتـُو؟) فتجيبه الفتاة بشيء من السخرية (مين بـَدُّو يْزَيـِّن؟) ولم يدرك القائد الخبرَ الغريب (مافي حدا) وأبدى دَهْشته عندما أفادته زادالخير بأن (النـَّاس راحو، هَجـَرو، تـَرَكو بْيوتـُن) فيلجأ إلى أسلوبه القمعي الذي اعتاد عليه:

قائد الحرس:  بـِهالـْحَشـْرَة؟ مْنـَيْن مـَعـُن إذن يْروحو؟..

 بُكـْرا بسّ يـِرْجـَعـُو كـِلـُّن بَدِّي وَقـِّفـُن

زادالخير:      ياقايــِدْ.. حـاجه تـْهَدِّدُن، صارو أبْعَد مْن التـَّهْديد

              ضـَهَرو بَرَّات الخـَوْف، ما بقى رح يـِنـْطـالـُو وَلا رَح يرْجـَعُــو

قائد الحرس:  مَعْقـَول ما يرْجـَعُــو ؟ هايْدي بَلـَدهـُن وْهايْدي بْيوتـْهـُن!

زادالخير بتهكـُّم:      لا تِنـْسى إنـُّو المَلـِك شْريك النـِّصّ، وْكِلّ عُمْرو هاك النـِّصّ حامِل هالنـِّص.. هالمَرَّة خـَلـِّي النـِّص هايْدا يـِحْمِل حالـُو 

قائد الحرس:  بـَلا كِتـْرِة حَكي، بَدِّي أعْرِف كيف راحو

زادالخير بحزن:      بْـتـَعْرِف كيف بْيـِرْحـَل رَفّ السـّـنونو عن القرْميد؟.. هَيْك راحـُو 

قائد الحرس:  المَوْقِف حِرِج. مين بَدُّو يْزَيـِّن الشـّبابيك والقـَناطـِر؟

زادالخير:      لا الشـّبابيك زِيْنـِة ولا القـَناطـِر.. هِنـِّي كـانـُو الزِّيْنـِة

القائد بغضب: لا تـْكوني عم تـْشاغـْبي عَ رْجـُوع الملكة!.. مَشـِّي مَعي بدِّي فـَتـِّش البيوت.

لم يـُجـْدِ تفتيشُ المساكن المهجورة نفعاً ولم يصل قائد الحرس ورجاله إلى شيء فآثروا الصـَّمت وإخفاء الحقيقة عن الملك الذي حضر وجاد الحكيم إلى مجلس القصر في موكب ملكي ترافقه فرقة موسيقية تقدم لحناً جميلاً من نوع المارش تبرز فيه كالعادة آلات النفخ النحاسية إلى جانب الطبول والصنج مشكـِّلة بيئة النشيد الملكي تؤديه مجموعة الغناء المصاحبة للموكب:

الفرقة:        / لـِلمـَلـِك المـــــالـِك     نـَشـيـْـــد الـســَّـيـْـف

              كـَــــلام الـبـُـطـُـولـِة      فـَــرَح الـصــَّـيـْـــف /(2) 

       للمَلـِك المـــالـِـك  مَـنابــِت الـغـار       والصَّـرْخة النـَّبيـْلِة وْغـَضَب النـَّار

الفتيات:             والـمـَلـِـك جـــايــــي      يـِسْـتــَقــْبــِل المـَلـَكة 

              بـِساحــات الـزِّيـْنـِــة     وْجَماهـيـر المَديـنـِـة 

       والمَلـِك جــايي  يسْتـَقــْبِل المَلـَكة       بالدَّهَب الغـالي وْمَجْد التـَّاج العالي

الفرقة: لـِلمـَلـِك المـــــالـِك..

عبثاً يتلفــَّت الملك يمنة ويسرى ويمدُّ ناظريه خارج مدخل القصر بحثاً عن الناس الذين توقـَّعَهم حشوداً توافدت لتحيـِّي الملكة وقد حان موعد قدومها فيسأل جاد الحكيم بدهشة (شو القِصـَّة؟). ويخرج الملك عن طوره عندما يتصور أن الأهالي أحجموا عن المجيء فيصرخ (اسْحَبوهُن مْن بيوتـْهُن) ويعود إلى الاستغراب عندما يقول جاد (بالبيوت ما في حدا)

الملك:        كيف؟! المَـلـَكة لِها شهر غايْبـِة بــِزْيارِة أبوها المَلـِك صخر الأوَّل، وْتـِرْجَع بدون اسْـتِقــْبالات شعبيـِّة؟ مشْ أصول

جاد:         يا مَولانـا راحِت الحاشـْيـِة والحـَرَس يسْتـَقـِبْلوهـا، وْرَح نـْقِلـّها اعـْمِلـْنـالِك استقبال رسمي بسبب ظـُروف خاصـَّة

الملك:        ظـُروف شو؟! يعني لـَفـْلـَفة مـِتـْل العادة

جاد:         يا مَولانـا النـَّاس إلـْهُن ظـُروفـْهُن

الملك:        أنا أدْرى بالنـَّاس، لمـَّا بْتِحْتاجُن بْيتـْلأمَنـُو عـْلـَيْك.

              بعد الإستقبـال حَقــِّقـولي ليش غابـُو

يُطـَمْئِنُ جاد الحكيم ملكـَه بأن تحقيقاً في الأمر قد بدأ بالفعل ثم يصرخ مع إشارة أحد الحرَّاس من بعيد (وصْلـِت المَـلـَكة) فتتطاول الأعناق وترحل الأنظار إلى بعيد.. وتوحي المؤثرات الصوتية بجَلَبة عربات الملكة ووصيفاتها ومرافقيها خارج القاعة تصاحبها تحية الشـَّرَف بعض التهليلات البسيطة صدرت على ما يبدو من حرس التشريفات ومن الوصيفات ما لبثت الملكة أن دخلت بعدها إلى الملك على نغمات الموسيقا الأميرية فيتبادل الإثنان التحية البروتوكولية بطريقة رسمية وحرْص على إبداء الالتزام بالقواعد يكـَرِّسُه الحوار الأوَّل للزوجين على عرشيهما وأمام الحضور والمليء بالتصنـُّع والمواربة:

الملكة:       يـا مـَلـِك الزَّمـان، بْعـَبـِّرْلـَك عن صدْقي بـْخـُضوعي وْعن حـُبـِّي بـْرجـُوعي

الملك:        إنـْتـي الـفــَــرَح الطـَّـالـِع نـَجـْمِة المـَطـالـِع

جاد:         يا مَولاتــــــي.. انـْشالله الرِّحـْـلـِة كـانـِتْ سـَعـيـدِة

الملكة:       الرِّحـْـلـِة كـانـِتْ زَهـْرِة العـُمْر    لولا الشـَّوق لمـَولانـا المَلِك    

الملك:        وْكيف حـال جـلالـِة أبـُوكي عمـِّي المـَلـِك صخر الأوَّل وْجـلالـِة حماتي إمـِّك المـَلـَكة جـَلـْبـَهـار؟

الملكة:        بـْيــِدْعـُولـَكْ بــِطول العـُمْر.. بـْيــِدْعـُولـَكْ بــالـنـَّصـْر

جاد:         وْكيف بُحَيْرات الشـَّمْس وشواطي الرَّمْل؟

كيف حال النـَّاس بـِمَمْلـَكِة رود، بَلـَدِك الأوَّل؟

سؤالٌ لطيفٌ لشخص عائد لتوِّه من (رحلة سعيدة) إلى بلد نشأته استعاد في محطاتها ذكريات الطفولة والشباب. لا يمكن للملكة التي دغدغ السؤال عواطفها واستدعى من مخيلتها صور الأيام القليلة الماضية إلا أن تجيب عنه بدفء وفرح وعذوبة فتقف وتتمشى مقابل الملك وجاد الحكيم والآخرين تغني عن رحلتها على أنغام هادئة ساحرة لا تخفى فيها لمسات الموسيقار الياس الرحباني:

الملكة:       بـــِبـَـلــَــدي الأوَّل رَحـَّـبـُــــو فـِـيـِّـي وْقـالــو كــْـتـيـْــرْ اشـْتـاقـُو عـْـلـَيـِّي

   بـــِبـَـلــَــدي الأوَّل حـَّـــوَّم الحـَمــــام صار عْلـَيِّي يْفـَيـِّي وْعِمِلـِّي شمْسيـِّة

             لـَوَّحُــو بــِإيْدَيْهـُن سـألـُــــــــــــــوني إذا فـايْقـَة عـَلـَيْهـُن سـألـُـــــــــــوني

   سـَـكـَـبـُـو الـــوَرْد وْســِــقــْـيـُـونــــي   بـــِبـَـلــَــدي الأوَّل آه بـــِبـَـلــَـــــدي

الجوقة:             بـــِبـَـلــَــدي الأوَّل بـــِبـَـلــَــدي الأوَّل       بـــِبـَـلــَــدي الأوَّل آه بـــِبـَـلــَـــــدي

الملكة:              بــِــبـَـلــَـــــــــــــــــدي الأوَّل   رِجــِعــِـتْ بــِـنـْـت زْغـيْـــرِة       

إرْكـُض عَ الطــِّـرْقـــــــــات       وْشـــــوف الـسـَّــما كــْبيـــرِة

بــِــبـَـلــَـــــــــــــــــدي الأوَّل   رِجــِعــِـتْ الإيـَّـــــــــــــــــام

وْرِجــِعــِـتْ مـَشــــاويـْـــري        مـِـنْ جــيـْـــرِة لـَ جـــــيـْـــرِة

وْصـَوتـَـك نـَـدَهـْـلــي    حـْمِلـِت حالي وْجيـت

قـالـِّي اتـْرِكي أهـْـلـِك    حـْمِلـِت حالي وْجيت

                     أنــــا عـِنـْـدي وَطــَنـَيـْـــــــن       هـَـواهـُـــــن بـَكـَّــانـــــــــــي

              وَطــَــنــي الأوَّل كـَـبـَّرْنـي وْرَبـَّـانـي       وعْيـــــونـَك حـَبـيـْـبــــــــــي

يـاحـَبـيـْـبـــــي           عْيـــــونـَك يـاحـَبـيـْـبــــي وَطــَــنــي التـَّـــاني

             لـَوَّحُــو بــِإيْدَيْهـُن سـألـُــــــــــــــوني إذا فـايْقـَة عـَلـَيْهـُن سـألـُـــــــــــوني

   سـَـكـَـبـُـو الـــوَرْد وْســِــقــْـيـُـونــــي   بـــِبـَـلــَــدي الأوَّل آه بـــِبـَـلــَـــــدي

الجوقة:             رِجـِعـِـتْ الـمَـلـَـكـِـــة      سـِـعــــــِد الـمـَـلـِــــك      

ضِحـْـكـِتْ الـمَـملـَكـِة    وْضـِـحــِـك الـمَـلـِـــك

ويشارك جاد الحكيم الملكين فرحتهما بكلام مبتذل وأسلوب متصنع (عـَصْـفـورَيـــن عَ غـِصْن الـْـتـَقــُــو      عَ غـِصْن الزَّواج عَ الحبّ الـْـتـَقــُـو) ويدعو الجميع لترك الملكين يتبادلان التعبير عن مشاعر الاشتياق (مْنـِتـْرِكـْهـُن يتـْـبادَلـُو كَلام المَحَبـِّة) فيغادر الجميع وهم يحيون صاحبي الجلالة والوقار اللذين بقيا في المجْلـِس في خلوة عائلية تستهلـُّها الملكة بتوجيه اللـَّوم لزوجها بلغة تخلو من اللباقة وبنبرة حادة مليئة بالتهكـُّم.

يصور لنا هذا المشهد الملك والملكة بوجهيهما الحقيقيـَّين بعيداً عن الآخرين ويطلعنا على حقائق تتعلق بمواقفهما من بعضهما البعض ومن زواجهما ومن الخلفية الاجتماعية لكليهما، وتهدف المسرحية من هذا العرض الإشارة إلى تفاهة وضحالة ملوك من هذا النوع وإلى المفارقة بين السلوك الشكلي والرسمي والواقع الفعلي في خلوات القصر. ويُظهر النـَّص الملك والملكة في مستويهما الوضيع عبر استخدام كلمات غير مهذبة ولا تليق بالمقام الملكي مثل (استقبال شرشوح) و (بصْبَصْتي) و (انـْخِجـِلْ) و (فـَشـَرْت) وغيرها وقد سبق التلميح لهذه الحقيقة في مشاهد سابقة مثل (الطـِّشـِّة بالصـَّف) و (بـَلـَّش يْخـَبـِّص). وكعادتهما يستفيد الأخوان عاصي ومنصور من طبيعة المشهد لتمرير بعض التعليقات ذات المغزى السياسي والمسلكي والمرتبطة بأحداث بعينها!

الملكة:        يا سيـَّدْ غـَيـْبُون، شو هالإسـْتِقـْبال الشـَّرْشوح؟ 

الملك:        لا تـْبـَلـّشي، إسـْتِـقــْبال رَسـْمي بـِسَبَب الظـّروف

 ويبدأ الحوار الساخن بين الإثنين. فالملكة تتهم زوجها بإهمال واجبه بتحضير استقبال لائق في حين أنه بالغ كثيراً بالاهتمام بـِ (أميرة كـَرَمـْستـان) التي هيـَّأ لها (شعْب وْجماهير وْزينِة) وتراءى أمامها (نفـَخـْت حالـَك متِل ديك الحَبَش)! وتلومه على عدم دعوة الشـَّعب للاحتفال بعودتها فيسألها بسخرية (هـَلـَّق صِرْتي تـْحِبـِّي الشـَّعب؟). وتصرِّح الملكة دون خجل بما تريده من النـَّاس (بـْيعـْطو منظـَر) وتهم بالخروج وهي تعرب عن عدم الرِّضى (شو هالفـَوضى؟!!) فيستوقفها الملك مستفسِراً عما فعلتـْه في ديار أهلها محاولاً خلق جوٍ من الإلفة والمرح (شو بصْبَصْتي كتير بْهالرِّحْلـِة؟) 

الملكة:        انـْخِجـِل، نـاسي إنـِّي مـَلـَكِة؟ 

الملك ضاحكاً: المـَلـَكِة مش سِتّ؟.. بْتِلـْطي تحت هالتـَّاج وْبتـْصير تـْبَصْبــِص

وتعود الملكة إلى انتقاد البلد (شو هالمملـَكِة اللـِّي كِلا غـَبْرَة) والإعراب عن عدم قناعتها بشوارعها الضيقة  (روح شوف بمملكِة بـَيـِّي السـَّاحات والشـَّوارِع) فيردها الملك إليها سخرية من أبيها الملك صخر (بَيـِّك قـَبَض مْن الأمبراطور حاموش)

الملكة:        وْإنـْت شو؟ شـَقـْفِة نـَهر طاف عِنـْدَك طـَرَحت الصـَّوت عَ الدّوَل!

بـَوابير الطـّحين اللـِّي إجـِتـَك إعانِة دَرَّفـْتـا لـَ اوْلاد خالـْتـَك وْبـِعْتـُوها سَوا!

              ياعَيْب الشـُّوم!! 

حتى وإن كانت الملكة أكبر المستفيدين من صفقة من هذا النـَّوع، وإن كانت لم تعترض على زوجها في ذاك الوقت فإنها لا تفوِّت فرْصة استخدام هذا الحدث عند اللزوم للهجوم عليه دفاعاً عن والدها التي تراه ملكاَ نظيفَ اليدين. وغيبون المراوغ لا يتقن فنَّ التملـُّص وهو يظنُّ بأن الملكة التي استفادت من صفقته ستقتنع بأنها واحدة من ضروبُ الحنكة (الشـَّاطِرْ ما يْموت).

الملكة:        فإذن اعْمِل مَعْروف، لمـَّا بتـْجيب سيرِة أهلي الـِمْلـُوك حِط ّ إيْدَك عَ راسـَك

الملك غاضباً: إيْ فـَلـَقــْـتيـْني بــِأهـْلـِك.. فـَلـَقــْـتيـْني بــِأهـْلـِك! أنـا مـَلـِك إبـِن مـَلـِك. بـَيـِّك مِتـْعـَدِّي عَ الكـار تِعْدايـِة، بَعْدُو لـَهَلـَّق بْيــِلـْبـِس التـَّاج بالقـِلـِب!

تصرخ الملكة (فـَـشـَرْت) فيرد عليها (إنـْتي فـَشـَرْتي) ويعلو الصُّراخ مما يضطرُّ جاد الحكيم إلى اقتحام الخلوة العائلية والتوجـُّه إلى (أصْحاب الجلالـِة) يرجوهما (وَطـُّو صَوتـْكـُن) توخياً لكتم الأسرار (اسْتـُرونا)

الملكة لـِ جاد: إذا كِنـْت حكيم حَكـِّمْلـُو عَقـْلاتـُو 

تخرج الملكة غاضبة تاركة الملك المُثار مع مستشاره فيدور بينهما حوارٌ يظهر فيه الملك بأضعف صوره عبر الشكوى واللـَّوم.. فهو يرى بأن الملكة في سفرها إلى أهلها تـُشْحـَن ضِدَّه (بْتِرْجَع مْعبـَّاية) وأن قضية كهذه تعتبر (تدَخـُّل بالشؤون الدَّاخِليـِّة) وستضطرُّه إلى اتخاذ إجراءات رسمية (رَح إسْحَب سفيرنا) فيطلب جاد منه الهدوء (طـَوِّل بالـَك)

الملك:        كـِلّ الحقّ عْلـَيـْك، كـِلّ الحقّ عْلـَيـْك! إنتَ اللـِّي جَوَّزتـْني.. إنتَ اللـِّي عَلـَّـقـتـْني بْهالـْعـَلـْقـَة.

جاد:         يا مَولانـا جـِبْنالـَك ياهـا بنت مملـَكِة مستورة، وْجَلالـِتـْكـُن شِفـْتـُوهـا وِغـْشيتـُـو

الملك:        يـا عَمـِّي، يـا عَمـِّي إمّهـا قـَوِيـِّة.. إمـّهـا جـَلـْبـَهــار فـَحـُّـول لـِعـْبـِتـْلي بـْعـَقـْلاتي

جاد:         وْجـلالـِتـْكـُن الموضوع قابـِل. مَواكبـْكـُن الملكيـِّة حـَفـَّرِت الطـِّرقات. لـَيْلـيـِّة تاخـْدو هالجيش وتـْروحو تـْلـِفـُّـو. اللـِّي يْشوفـْكـُن يْحَسـِّبـْكـُن رايْحين عَ الحـَرْب

الملك:        شـِفـْت شـِفـْت!

شـِفـْت، مْليح اللـِّي إنتْ ما تـْجـَوَّزت تـَ يْضَلّ في حَدا بْهالدَّوْلـِة عَقـْلاتـُو بـِراسـُو.

ينتهي المشهد ونطوي صفحة الخلاف العائلي في مخدع الملك القزم لنراه في المَشاهد التالية وقد استعدَّ للانتقام من أبناء الشعب الذين خذلوه وكانوا السـَّبب في إثارة غضب الملكة.

ينكشف المشهد على الملك في ديوانه وأمامه قائد الحرس يسوق زادالخير بعد فشله في تفتيش منازل الناس. يسأله الملك (حقـَّقـْتـُو بــِأمْر الرَّعِيـِّة؟) ولا يستوعب إجابات القائد (مافي رَعيـِّة) و (هَرَبـِت) ظانـَّاً بأن القائد لم يفهم السؤال فيكرر (الرَّعِيـِّة.. الرَّعِيـِّة؟؟) فيعيد القائد نفس الجواب (هَرَبـِت). يثـُور المَلـِك ويصرخ:

الملك:        آلاف النـَّاس، المُدُن، الشـَّوارِع.. الجماهير الغفيرَة اللـِّي كانِت تِهْتـُف "عاش الملك"، كِلـُّنْ هَرَبُـو؟ معـْقول؟؟

القائد:        هايْدا اللـِّي صار. المَمـْلكِة صارِت مَهـْجورَة.. شـَمَلـْها الصـَّمْت، وْما بـِقي إلا زادالخير وِخـْيالات الحَرَس

الملك:        زادالخير وِخـْيالات الحَرَس.. ما بيـْصير، ما بيـْصير!

جاد:         ما حَدا بْيَعْرِف كيف بْتـِتـْفـَجـَّر المَيّ.

              أنا بَعْرِف ثورات وْإضْرابات وْمُقاطـَعِة السـِّلـْطـَة.. بسّ شعْب يْهاجـِر كِلـُّو! ما بَعْرِف!!

الملك:        غـَلـَبوني يا جاد، غـَلـَبوني.. عَوَض ما يْروح المـَلـِك راح الشـَّعْب. سـَكـَّرو عـَلـَيـِّي المملـَكِة وْراحو.. نفـْيوني بـِحالي وْراحُو.

ترافق غضب الملك مشاعر الانكسار والإحباط ولا يجد مخرجاً فيتخبـَّط ويصرخ في وجه قائد الحرس (وْلـَك وَيْن كِنـْتـُو ما سـَكـَّرْتـُو الـِبْواب، الطـِّرْقات، الـِجـْبال؟) ويغرق في حزنه والخوف (الحالِة خـَطيرَة ياجاد) ولا يستطيع جاد التخفيف (نعم يامَولانا. ما بيصير مَلِك بَلا رَعِيـِّة) فيـقترب الملك من درجة إعلان الهزيمة. تدخل زاد الخير لتجد الملك وقد فقد صوابه:

الملك:        أنـا صِرْت مـَلـِك المـَنـْفى، مـَلـِك الـِبْيوت الفاضـْيِة والسـَّاحات المَهْجورَة. هـَرَبو وانتـَصَرو

              زاد الخير، إنتـي لـَيْش بْقـيـْتي؟

زادالخير:      أنا ما بَدِّي فِلّ

الملك:        لـَيْش؟

زادالخير:      هـَيْك. لازِمْ حـَدا يـِبْقى. سَلـَّموني مَفاتيح بْيوتـُن، رَسَموني ناطورْة المَفاتيح. ياجلالة المَلِك، لو المَفاتيح سْيوف كنـْت بـِتـْسَلـِّح جَيْشـَك مْن المفاتيح اللـِّي صارِت عندي.

الملك:        يعني هَلـَّق صِرْتي المَفاتيح؟

زادالخير:      نـَعَم

الملك:        وإنتي صِرتي الشـَّعْب؟

زادالخير:      نـَعَم

جاد الحكيم:   يا مَوْلانا مازال بعد في شخص واحد، يعني في رعيـِّة وْفي مَلِك

الملك بسخرية: صارت رَعيتي زادالخير!! لـَيْش فـَلـُّو يا زاد الخير؟

زادالخير:      صارْ بَدَّك البيوت والأرْض، تـَرْكولـَك ياهـُن وْفـَلـُّو 

الملك:        وْشو نـَفـْع البيوت بَلا ناس؟؟

الرأي الرَّحباني على لسان ملك! وهي ليست المرّة الأولى ولكنها جاءت فيما مضى على ألسنة النـَّاس العاديين. في مسرحية "هالة والملك" يسأل الملك بائعة الأقنعة عمَّا يفعله بالناس الذين خدعوه (بْيــِحْبـِسُن؟) فتنصحه بعدم فعل ذلك لأنه (إذا حَبَسُنْ بِيـِخـْلـَصُو، وْساعتـْها عَلى مين بَدُّو يَعْمِلْ مَلِك؟). وفي مسرحية الشخص ترى العجوز بأن الساحة (طارت) لأنها، بدون الناس يتحركون فيها، كالزجاجة التي فرغت من نبيذها (فـْراغـَة).  

ونحن في مقولة رحبانية من هذا النوع نذهب في خيالنا إلى أروقة الحكـَّام متسائلين فيما إذا كانوا يدركون حقيقة كون قيمتهم من قيمة حياة شعوبهم وحرِّيتها. بالعدالة والرعاية الشاملة وبالحرية الحَقـَّة وباحترام الناس وآرائهم وقدراتهم وبتأمين حاجاتهم وضمان مستقبلهم تكون حياتهم سليمة وكرامتهم مصانة وعندها فقط يكون رضى الشعب عن حاكمه. فيما عدا ذلك ستكبر الهوَّة بينهما وإذا كوَّن الحاكم لنفسه حاشية من أصحاب المنافع يتعيَّشون من التسلـُّط واستغلال الآخرين ويتـَسَتـَّرون وراء حجج الدِّفاع عن مصالح الحكم والوطن فإن أحوال الناس ستؤول إلى البؤس الذي تنفتح معه قنوات الرَّحيل ويخسر الوطن أبناءَه وكوادرَه ويصبح الملك ملكاً على من يبقى!! فما رأي ملك كهذا بنزوح شعبه وترك (الفراغة) له؟!.

زادالخير:      هـَلـَّقْ عْرِفـْت قيمـْةِ النـَّاس؟.. كانو يْروحو رْخاصْ عندَك. ديك الميَ راح بْسـَـلـِّة لـَوْز! 

الملك غاضباً: اخـْرَسي، أنـا المَلـِك السـَيـِّد، بـِإيْدي الحياة والمَوْت. وإنـْتي الرَّعيـِّة وْعـَلـَيْكي الطـَّاعَة

لا يُدْرِكُ الملك المغرور مَغـَبـَّة الاستمرار في سلوكه القمعي.. لم يبق من رعيته إلا زادالخير ومازال يلجأ إلى البطش. أما الفتاة، فلم يبق لديها ما تخسره، إذ أنها تعيش في وحدة موحشة بعيداً عن أهلها، وقد أصبح الملك بنظرها أضعف من أن يفعل شيئاً فتجيبه بشيء من التهديد (لاتـْزيْدا عْلـَيـِّي بْفـِلّ!) مما يزيد من غيظ الملك (احـْبـِسوهـا) فينصحه جاد الحكيم همساً بتحاشي الضغط عليها أو سَجْنها أو قتـْلِها خشية فراغ المملكة التام (بتـْصير بَلا رَعيـِّة)

الملك بهدوء:  فـإذن ياشعبي المحبوب، يازاد الخير.. خـَلـِّيْنا نـِتـْفاهَم

هاهي فرْصة الفتاة: (مْنِتـْفاهَم بسّ إلي شْروط) ولكنَّ الملك لا يقبل: (شْروط عَ الملك؟.. لأ ما بقـْبَل) فتساومه: (وأنا ما بقـْبَل)

الملك: يـــي على هالشـَّغـْلـِة.. لـَمـَّا كانت الرَّعية موجودِة ما كانو يتـِّفـْقو عَلى راي. شي يْقولو إي وْشي يْقولو لأ. لمـَّا زادالخير صارت الرَّعيـِّة صارِت كِلـْمِة وَحدِه، يا إي يا لأ!!

وينقذ الموقِف جاد الحكيم: (يا مَوْلانا خـَلـِّي عَطـْفـَك على زادالخير) ويذعن الملك: (ياقايد، ياجاد الحكيم اعْمِلو لـَشعْبي المحبوب مِتِل ما بـّدَّا)

زادالخير:     شيْلـُو عَنـَّا حِصـِّة الملك

الملك:        شيْلـُو حِصـِّة الملك، خـَفـِّفـُو الضـَّرايـِب، افـْرِطو السـِّخـْرَة، ما تـْشَغـّلو حَدا بـْبـَلاش.. ادْفـَعُو مال لـَزاد الخير بدون ما تشـْتِغـِل

زادالخير:      لو المالْ تِفـَّاح كِنـْت باكِلـْهـُن، لو المالْ تـْياب كِنـْت بـِلـْبـِسـْهـُن. هـَلـَّق هِنـِّي والتـّراب مِتِل بعْضـُن. مـْنـَيْن بَدِّي إشـْتِري فيـُّن وْمِنْ مين؟ إذا ما في ناس لـَشو المال؟

وهي أيضاً الرؤية الرحبانية بأقوى أشكالها في علاقة الإنسان بالمال والإنتاج والحياة. فالمال وسيلة لتبادل المنافع بين الناس وهو نتيجة لوجودهم ولنشاطهم وهو رمز لقيمة الإنتاج التبادلية، والمال لوحده لا قيمة له. أهم عناصر الإنتاج اليد العاملة ويليها المواد الطبيعية والفكرة. والإنسان أنتج وأبدع وعاش دونما حاجة إلى المال الذي حوَّلته القوى المسيطرة على وسائل الإنتاج في عصرنا إلى مطِيـَّة تستخدمها للسيطرة على الشعوب واستعبادها وللتحكم بمستقبل البشرية بعيداً عن السيرورة الطبيعية العاقلة.

تخرج زادالخير تاركة الملك في حيرة من أمره. لقد وصلت به الحال إلى استرضاء شعبه وإلا فلن يكون بعدُ ملكاً! ويبدو القلق والاضطراب على الملك الذي يستشير جاد:

الملك:        بْتـَعْرِف يا جاد؟ صار العرش بـْإيـْد زادالخير وْبَدِتْ تـْهِزُّو. مِشْ لازِمْ إسْتـَسْلـِم. لازِمْ إخـْلـَق رَعِيـِّة.

              فـَلـّتـُولي المَساجين خـَلـِّيـْهـُن يْصيرو رَعِيـِّة

جاد الحكيم:   مـَلِكْ رَعِيـّتـُو المِجـِرْمين؟

الملك:        مِشْ أحلى ماتـْكون رَعيـّتو خـْيالات الشـَّجـَر؟

يتصاعد غضب الملك إذ يتصوَّر نفسه ملكاً بلا شعب. تعود به الذاكرة إلى زميل دراسته وضحية بطشه مراد الأسمر الذي وصفه بـالـ (تـَعيس) فيبدو عليه الهذيان  ويخال نفسه يخطب في حاشيته فينتقل إلى الفـُصحى صارخاً:

الملك:        أيُكـْتـَب لهذا الملك التـَّعيس أن يحملَ كيسه ويندار يشحد على أبواب الملوك؟

             يا قايد فـَلـِّت المَساجيـْن

وفوراً ينقلنا المشهد التالي إلى ضجيج خروج المساجين يملأ الساحات فترتفع الأيادي ملوِّحة وتتطاير القبعات فرحاً ويتخلص المُطلق سراحهم من بقايا القيود ومن ملابس السجن فينطلق الجميع من وإلى كلِّ صوب يغنـُّون على لحن إيقاعي سريع يوحي بانهماك المُحَرَّرين بترتيبات حياتهم في ظلِّ الحرية وبعيداً عن ظلام السِّجن وبطش الملك:

المُحرَّرون:          طـْلـِعـْنـــــــــــــا    طـْلـِعـْنـــــــــــــا

                    تـْحـَـــرَّرْنــــــــا    وِطـْلـِعـْنـــــــــــا

             / طـْلـِعـْـنا عـَلى الـضـَّــوْ       طـْلـِعـْنـــا عـلى الـرِّيـْــح

             طـْلـِعـْنـا عـَلى الـشــَّمـْس        طـْلـِعـْنـا لـلـْحـِرِّيـِّـــــــــة

                    يــا حـِــرِّيـِّــــــة    يا زَهْـرَة نارِيـِّـة

             يــا طـِـفـْـلـِــة وَحـْـشـيـِّـة   يــــــا حـِـــرِّيـِّــــــــــــــة / (2)

الرجال:             صـَرّخـُو عَ الـعـالي عَـلى الـعـالي

                                  ارْكـُضُـو بالحـَـقالـِي عَلى الـعالي

النساء:              صـَرّخـُو عَ الـعـالي عَـلى الـعـالي

                                  ارْكـُضُـو بالحـَـقالـِي عَلى الـعالي            

الرجال:             قـولـُو  لـلـْحـِرِّيـِّــة نـِحـْنـا جـيـْـنـا وافـْـرَحــُـــــــــو

                                                افـْـــرَحــُـــــــــو

الجميع:                    يــا لـَيـْـــل      يــا حـُــبّ     

يــا دْروب     يــا حـْجـار 

                     الـْحَقـُـونـا عَ الشـَّجـَـرَة الـبـَرِّيـِّـــــــة 

              طـْلـِعـْـنا عـَلى الـضـَّــوْ  ...

الرجال:                     غـَيـّرُو  أسـاميْكـُن إذا فيـْكـُن

                                  وْلــَوْن عـْيـونـْكـُن إذا فيـْكـُن

النساء:              غـَيـّرُو  أسـاميْكـُن إذا فيـْكـُن

                                  وْلــَوْن عـْيـونـْكـُن إذا فيـْكـُن

الرجال:             خـَـبـُّــو  حـِرِّيـِّــتـْكـُـن بـِجـْيــابـْكـُن  واهـْــرُبــُـــــــــو

                                                اهـْــــرُبــُـــــــــو

الجميع:                    عَ الـضـَّــو     عَ الـــرِّيـْح

                           عَ الـشـَّمْس    عَ الـبـَـــرْد     

                     عَ بـْـيـادِرْ مـِضـْوِيـِّـة وْمـِنـْسِـيـِّــــــة 

طـْلـِعـْـنا عـَلى الـضـَّــوْ  ...

الرجال:             اهـْــــرُبــُـــو

النساء:                            اهـْــــرُبــُـــو

الرجال:                                         اهـْــــرُبــُـــو

النساء:                                                       اهـْــــرُبــُـــو

يهرب الجميع وتأفل معهم شمس الحريَّة وضجيج الناس ولا يبقى إلا السكون والأغصان المتدلـِّية وحجارة القناطر الباردة تتـَّكىء عليها زادالخير والحزن يغمر قلبها وبعض الخوف ينتابها والقلق ويثير الصمت المطبق رغبتها في الغناء فتؤدي أغنية (يا شمس المساكين) الرقيقة بقالبها الابتهالي وكلماتها متضرِّعة وراجية العون في محنتها والشـِّدَّة.

كعادتهما يتكرَّم الأخوان رحباني في مواقف من هذا القبيل بأغنية ذات طابع ابتهاليّ بالصوت الملائكي للسيدة فيروز دلالة على لجوء الناس الطيبين في أوقات الشدَّة إلى (العليِّ القدير) إذ به وحده لا يُنـْتفى الرَّجاء. فقد استمعنا إلى أغنية (يا ساكن العالي) في "أيام فخرالدين" وإلى (ساعِدْني) في "جبال الصوَّان".

فيروز:              بـَيـْـتي أنـا بـَـيـْــــتــَكْ            وْمــا إلـي حـَــــدا      

مـِنْ كـِتِر ما نادَيـْـتـَـكْ         وِسِــع الـمَــــــدى

                    وِسِـــــــع المَــــــــدى             وِسِــع الـمَــــــدى

                    نـَطـَرْتـَــكْ عَ بـــــابي           وْ عَ كـِلِّ الـِبْـواب

                    كـَتــَبـْـتـِلــَّـكْ عـَـذابـي            عَ شَمْس الـِغـْياب

                    عَ شـَـمـْس الـِغـْـيـــاب          عَ شَمْس الـِغـْياب 

             لا تـِهـْمـِلـْـنـــــــــي        لا تـِنـْســــــــــانــي

                                  مـــا إلـي غــَـيـْـرَك      لا تـِنـْســــــــــانــي

             بـَـلــَـدي صـارِت مـَنـْـفــــى

             طـِـرْقـاتي غـَطـَّاها الشـَّـوْك            والأعـْـشـــاب الـبـَــــرِّيـــِّـة

             ابـْـعـَـتـْـلـــــي بــِهالـلـَّـيـْـــل

             مـِـنْ عــِنـْــدَكْ حــــــــــــدا         يـْـطـِــــــــــــــــلّ عـْـلـَـيـِّـي                                                    يـْـطـِــــــــــــــــلّ عـْـلـَـيـِّـي

بـَيـْـتي أنـا بـَـيـْــــتــَكْ            وْمــا إلـي حـَــــدا      

مـِنْ كـِتِر ما نادَيـْـتـَـكْ         وِسِــع الـمَــــــدى

                    وِسِـــــــع المَــــــــدى             وِسِــع الـمَــــــدى

أشباح ذكور:  لا تـِهـْمـِلـْـنـي لا تـِنـْســــانــي     يــا شـَـــمـْــس المـَسـاكـيـْــــن

أشباح إناث:  مِنْ أرْض الخـَوْف مْنِنـْدَهْلـَكْ   يــا شـَـــمـْــس المـَسـاكـيـْــــن

أشباح ذكور:  لا تـِهـْمـِلـْـنــــي لا...

الجميع:             مِنْ أرْض الخـَوْف...

فيروز:       لا تـِهـْمـِلـْـنـي لا تـِنـْســــانــي     يــا شـَـــمـْــس المـَســاكـيـْــــن

             مِنْ أرْض الخـَوْف مْنِنـْدَهْلـَكْ   يــا شـَـــمـْــس المـَسـاكـيـْـــــن     

             مـِنْ إيـَّـــام المـَظـْـلـوميــــــن      مـنْ لـَفـْـتـات المـَوْعـُــوديــــن

             عـَمْ إنـْدَهـْلـَكْ خـَلـِّي يْضـَوِّي    صَـــوْتـَـــــكْ عـَـلــَـيــِّـــــــــي

             أنـا عَ الـْـوَعـْد وْقـَـلـْبي طاير    صَـــوْبـَـــــكْ غـِـنـِّيــِّــــــــــــة

الجميع:             عـَمْ إنـْدَهـْلـَكْ خـَلـِّي...

فيروز:       لا تـِهـْمـِلـْـنـي لا تـِنـْسـانــي..

             أنـا  زَهـْـرَة مـِن زْهــُــورَكْ       بــارِكـْـنــي      ســاعـِـدْنـــي

             بـالـدَّمـْــــع بـْتـِزْرَعـْــنـــــي بـالـفـَـــرَح بـْـتـِـحـْـصـِدْنـــــي

             عـَدْلـَــكْ فـــاض عـْـلـَـيـِّـــي       كـَـرَمــَــــــــــكْ ضـَـــــــوَّانـي

             إذا كـِلـُّـــــن نـِـسـْـيــــــونـي وَحـْـــدَكْ مـا بـْـتـِـنـْـســـــانــي

             نـادَيـْـتــَـــكْ مـِنْ حـِــزْنــــي        عـْـرِفـْــت إنـَّـــك مـَـعـــــــــي

             اوْسـَـعـي يـا مـَطـــــــــارِح        وْيـــــا أرْض ارْكــَــعــــــــــي

الجميع:             نـادَيـْـتـَـــكْ مـِـنْ حـِـزْنـــــي        عـْـرِفـْــت إنـَّـــك مـَـعـــــــــي

             / اوْسـَـعـي يـا مـَطـارِح   يـا مـَــطـــارِح  يـا مـَــطــــــــــــارِح

                                         وْيـــــا أرْض ارْكــَــعــــــــــي / (3)

فيروز:       لا تـِهـْمـِلـْـنـي لا تـِنـْسـانــي..

                                                لا تـِنـْسـانــي..

من قصره العالي وعبر سماء باهتة وسكون لا يقلقه سوى حفيف أوراق الشجر المشتاق لأيادي زارعيه، ينادي الملك المستوحش بصوت مرتفع زادالخير في قلب المملكة الفارغة من أهلها فيدور حوار بالصوتين البعيدين

الملك:        زادالخيــــر، كيف حال الرَّعـِيـِّة اليـَــــــوم؟

زادالخير:     ضِجـْــــــرانـِــــــة

الملك:        اطــْــلـَعــي.. اطــْــلـَعــي تـَ نـِـتـــْســَــلــَّــــى

زادالخير:      لا ~ ~ ~ ~ ، إنـْتَ انـْزِل.. هـَوْن الشـَّوكْ غـَطـَّى الشـَّوارِع، وْلازِمْنـا حَدا يـْدَعـِّس.. انـْـــــــزِل

الملك:        المـَلـِك مـا بـْيــِنـْـــزِل

زادالخير:     والشـَّعب مِش رَح يــِطـْـلـَـــــع

الملك:        الـهَيـْئـة مـِشْ رَح نـِـتـْـلاقــــى

زادالخير:     الـشـَّـغـْـلـِة بـْـإيْدَك يـا مَولانـــا

الملك غاضباً: وْآخِرْتـا مَعِك؟ هـَيـْـئتـِـك عايـْشِــة عَ ذوْقـِــك تحـْت، بَـدِّي أعْـرِف مين المَلـِكْ؟ أنــــــا ولا إنـْتـــــــــــــــــي؟

زادالخير:     المـَحـابيـْس اللـِّي فـَلـَّتـُّـنْ هـَرَبـُو

الملك:        عـــارِف  عـــارِف.. مـا عـاد في غـَيْر وِجـِّـي وْوِجـِّـك

زادالخير:     يـِمْكِن واحـَد مِنـَّـا صارْ لازِم يْروح، يا أنـا يا إنـْت

الملك:        مــا بيصيــر مَمـْلـَكِة بْـلا مـَلـِك 

زادالخير:     وْمـا بيصيـر مَـلـِك بْلا شـَـعـْب 

الملك:        إيـْـه.. أنـــا مـا قـِلـــْتِــلـُّـنْ يـْفــِلـــُّــــو

زادالخير:      ظـِلـْمـَك قـَـلـُّـنْ! راحـُو مـا سـَألـْت عـْلـَيـُنْ.

              أنـا لـَيْـلـِيـِّـة بْشـوفـُنْ تـايْهين لا أكـل وْلا شِرْب. لـَيـْـلـِيـِّـة بْتِجـي خـْيالات اوْلادُن العِطـْشانِة تِشـْرَب من بــِرَك المَيّ وْتـِهـْرُب مِتـْل الغزلان

الملك:        وْلـَكْ يا عـَمـِّي هـِنـِّي فـَلـُّـو حـتى يْسَقــّطوني، لَكِن أنـا اجـْتـَزْت الأزَمِة وبْقيت

زادالخير:      إنـْتَ بْقيت لأنـِّي أنـا بْقيـتْ.

              لـَكِن هَلـَّق عم قول لـَ حالي، إذا بَدِّي ضـَلّ إنتَ رح تـْضـَلّ، وْبيكـُونو اللـِّي راحو راحو بَلا تـَمَنْ!. مِنـْشان هَيْك رَح إلـْبَس فـِقـْري وْتـَعاسـْتي، وْتـَوِّج حالي بالأعْشاب البـَرِّيـِّة، وْإتـْمـَشـَّى بْإحتِفال تحت زيْنـِة الشـَّجَر وْقِبـِّة السـَّما.. صَوْب أرض جْديدِة إتـْمَشـَّى.. وْكِلّ ما إبْعَد مَسافِة عَرْشـَك بْيــِغـْرَق شـِبـِر حتى توصل إنـْت للأرْض وْأنا للحرِّيـِّـة.

الملك:        لأ يا زاد الخيــــر لا تـْروحي، وْقوليـْـلـُنْ يــِرْجـَعـو، أنا بْحـِبـُّـن

زادالخير:     إنـْت قـِـلـُّـن

الملك:        مـا بْيــِسْمـَعـُو مِنـِّي

زادالخير:     إذا بَدَّك ياهُن مِن صحيح بْيــِرْجـَعـُو. أنــا رايْـحـَــة

يـُصْعَق الملك فيترك قصره ويهرول باتجاه زادالخير مستوقفاً إياها وهو يصرخ متوسـِّلاً:

الملك:        زادالخيـر اوْقــَفـي.. بَـدِّي يـاهـُنْ  بَـدِّي يـاهـُنْ، شو بْيــِنـْفـَعْني مِلـْكي بَلاهـُن هـَلـَّـق حتى شِفـْت حــالي، شِفـْت الملك قــَشـِّة عَ بَيـْدَر، معـْوَلْ بــِحَقــْـلِة مَتـْروك

ثم يقترب من أبواب البيوت المهجورة فيطرقها بعنف وهو يصرخ:

الملك:        يـا اصْحــاب الـِبْيـُوت وَيْنـكـُـن؟      المَلـِك جايي لـَعنـْدكـُن وَيْنـكـُـن؟

              جـايي بــِتـْياب المَلـِك يـْزورْكـُن.. حـَدا يْرِدّ عـْلـَيــــه

              لا تـْخـَـلـُّـو الملك ينـْطـُر عَ الابْواب،  يـا اصْحــاب الـِبْيـُوت

              شـَحـّدُوني كِلـْمِة حـِلـْوِة.

              جـايـِبـِـلـْكـُن مَجْد المَمْلـَكِة وْتـاج الملِـْك وَزّعـوهـُن عَ الاوْلاد خـَلـِّيـْهـُن يتـْسَلـُّـو

              يـا اصْحــاب الـِبْيـُوت..       يـا اصْحــاب الـِبْيـُوت..

يـا اصْحــاب الـِبْيـُوت !!

نبرة الحزن في رجاء الملك تظهره في ضعفه تجاه أبناء مملكته الأقوياء بإنسانيتهم وكرامتهم، فهو الآن في حَدِّ النهاية ولم يبق له سوى ما صرَّح به استرضاءً لهم.. لقد انتصروا عليه فأدرك أن لكلٍّ سلاحه وأن السلاح الأقوى هو إرادة الشعب وهو بدونهم قشةٌ على بيدر ومعولٌ متروكٌ نال الصدأ منه والعطالة.

تصعد زادالخير التي انتصرت على الملك بذكائها الفطريّ وبإرادة الناس المتمرِّدين إلى قمة الجبل وتنادي بصوت ممدود أهلها والجيران أصحاب المملكة الفعليين مستقدِمة إيـَّاهـُم

الملك:        يـا اصْحــاب الـِبْيـــُوت المَلـِك جايــي يـْزورْكـُـن.. عَم بـيْدِقّ ابْوابـكـُن، 

المَلـِك عـَم يــِنـْدَهـِلـْكـُن الـِبْيوت عـَم تــِنـْدَهـِلـْكـُن

يـا اصْحــاب الـِبْيـُــوت

نهاية سعيدة للجماهير العائدة إلى المنازل والحقول والمتاجر والمدارس وإلى الحياة السـَّليمة مع الملك الذي روَّضتـْه التجربة المريرة فتراجع عن صلابته وقسوته ونزل إلى الناس مقدماً (مَجْد المَمْلـَكِة وْتـاج الملِـْك) وواعداً بالليونة والمحبة.

في الأدب الرّحباني جانبٌ خياليّ يُقرِّبه أحياناً من أدب الأطفال. وتكمن في هذه الحقيقة، التي لم تعرقل بقاءَها جديـَّة المواضيع وأبعادُها وواقعيتـُها، بعضُ المحاذير التي تفادتها الحنكة الرحبانية وإن تعرَّض المسرح الرحباني بسببها لبعض الانتقادات أو سوء التقييم، مثل النظر إليه كمسرح خيالي أو طوباوي أو اتهامه بالبعد عن الواقع. ومع احترامنا لآراء النقاد وأصحاب الرؤى المختلفة فإننا نعزي السبب في نظرة من هذا النوع إلى ضعف التعايش مع روح النـَّصِّ الرحبانيّ وسطحية تحليل عناصره ورموزه وآليات العرض الدرامي ووسائلها والعجز عن إدراك جوهر الفكرة فيها، وفي ذلك إجحافٌ لا بحق الأدب الرحباني فحسب بل بحق الأدب المسرحي العربي الذي لعبت سيرة مسرح الأخوين عاصي ومنصور دوراً عظيماً في تطوره واتساع جماهيريته وفي ترسيخ مكانته الفنية والفكرية والسياسية والاجتماعية.

لقد برهنت جماهيرية الأعمال المسرحية للأخوين عاصي ومنصور بمجمل مقوماتها تربـُّعاً حقـَّاً على عرش الأدب المسرحي في العالم العربي واحتلالاً لمركز نموذج المعايرة في الأدب الواقعي اللصيق بحياة الناس وهمومهم وآمالهم وتطلعاتهم نحو مستقبل سليم لأبنائهم ولأوطانهم بعيداً عن الذلّ والعبودية والاضطهاد. وقد وضع هذا الأدب الإصبع على الجرح أينما كان فجاءت محاوره من الواقع الحيّ ومن أحداث الأيام وروايات الألسن. وهو، إن اعتمد قوالبَ يشترك بها أحياناً مع (فن الحكواتي) فإنه نجح في الاقتراب أكثر فأكثر من أوسع الأوساط الشعبية وأكثرها صدقاً وطيبة وطبيعية. ولابد من الاعتراف للمنهج الرحباني أيضاً بأنه لعب دوراً كبيراً جدَّاً في تطوير القدرة على التخيـُّل واستيعاب الرموز لدى مشاهدي مسرحيات الأخوين عاصي ومنصور، فمن "موسم العز" إلى "بترا" مروراً بكافة المسرحيات والأفلام والاسكيتشات والمسلسلات والسهرات التلفزيونية وجدنا أن الجمهور تثقف على جماليات الإبداع الرحباني ونما ذوقـُه وتذوُّقـُه على كلمات هذا الإبداع وألحانه وإيحاءاته وإيماءاته وعلى لوحات الرقص والمشاهد الكوميدية وعلى أغنيات الفولكلور والفرح والحزن والمناسبة والقصائد الوطنية والتراثية وتعلـَّق كلَّ التعلـُّق بها فعاشت معه عقوداً وأعلن على الملأ عهداً بأن تبقى هذه الجماليات عناوين تقييمه لمكانة الفن في حياته يورِّثها للأبناء القادمين.

ونجزم قولاً أن ما بذله العبقريان عاصي ومنصور الرحباني من جهود متواصلة منذ انطلاقتهما قد أعطى ثماراً مازال المعاصرون وأولادهم وأحفادهم يستمتعون بزكائها وقد تركت أثرها البالغ على الجدِّي والجوهري في الساحة الفنية والأدبية اللاحقة.

وإذ مازلنا في مسرحية "ناطورة المفاتيح" وفي العام 1972 فإني حريٌّ بنا أن نتذكـَّر أن هذا العام كان شديد التميـُّز في السيرة الرحبانية بفضل حجم الأعمال والنشاطات الكبير الذي شغل الأخوين عاصي ومنصور ومعهما السيدة الجليلة فيروز، سواء في عدد العروض المسرحية (ناس من ورق وناطورة المفاتيح) في كل من سوريا ولبنان أم في الجولات الأوروبية والأمريكية أم في تحضير أعمال أخرى بعضها نـُفـِّذ في العالم اللاحق (المحطة) وبعدها لم ينفـَّذ. لم يكن لجهدٍ كبيرٍ ومتواصلٍ من هذا النوع أن يمرَّ دون أن يُرهِق باذليه. لقد كان عاصي ضحية هذا الجهد الذي فرضه الإخلاص لجمهوره والسعي الدائم لصنع الفرح ولخلق روح التفاؤل عند الناس.

فلنعدْ إلى المشهد الأخير وإلى مشاعر التفاؤل التي ألهبت نفوس المشاهدين في القاعة وقد أوصلهم الأخوان عاصي ومنصور إلى الإحساس بالنصر على الطغيان والتخلـُّف وعلى السلوكية الشريرة الهدَّامة:

*

أبوظبي – آذار 2005

العائدون:     / غـــَنـِّـي يـا مـَديـنـِة           اوْسـَعـي يـا مـَديـنـِــة 

          رِجـْـعـــُو الـنـَّــــــاس             وْعـِمـْرِت الـمَـديــنـِـة  / (2)

زادالخير:      وِصـِـــل الـضـَّــيـْـــف وْأنـا عـَـلــَى بـابـــــــي

                           قــَـلــِّــي جـــــــايـــي       زور اصـْـحــــابــــي

          عـَـنـْـكـُـن سـَـــألــْـني      صـــــار يـْحـاكـيـْـني                         وِيـْـسـَمـِّـيـْــــــــكـُـــن       وِيـْـسـَمـِّـيـْـــــــنــــي

العائدون:     غـــَنـِّـي يـا مـَديـنـِة...

النساء:       بـْيـُـــوتـْنـا زْغـيـْـــرِة       لـَكـِـن تـْـفــَـضـَّــــــلْ

                           مـَقاعـِدْنــا واطـْيـِــــة     لـَكـِـن تـْـفـَــضـَّــــــلْ

              مــا فــي عـِنــَّـــــــــا       دَهـَــب وْزِيــْـنـِــــــة

                        عـِـنـَّــــا سـْـيــــــــاج       وْفـَوْقــُو ياسـْمـيـْـنـِـة  

العائدون:     غـــَنـِّـي يـا مـَديـنـِة...

الملك:        شــو أنــا بـَــــلاكـُــن     أنـا بـَيـْــــدَرْ مَهـْجُـور

                           أنـا قــَشـِّــة بالـرِّيـْـح     أنا بَـيـْـرَق مَـكـْـسُــور

الملكة:        نـِـزِل الحـــــــــــاكـِم       لـَعـِـنـْـد الـنـَّـــــــــاس

                 فــات عـَلى بـْيـوتــُن    صـار مـِتـْـل النــَّــاس 

بربر:         قـَعـَدْ عَ  المَــقـاعـِـــدْ    سـِهـــِــرْ بـالـزَّوايـــا

                           وْيـَـوْمها انـْغـَـفــَرِتْ     كـِـــــلّ الـخـَـطــايــــا

الرجـال:       جـــــايـي جـــــايــي      مـْـن الجـَبـَـل جـايـي

                           والسـَّـمــــا زَرْقـــــا       والـدِّنـــي مْـضـُـوَّايــِة

زادالخير:      جـــــايـي جـــــايــي      مـْـن الجـَبـَـل جـايـي

                           والسـَّـمــــا زَرْقـــــا       والـدِّنـــي مْـضـُـوَّايــِة

الجـميع:       واصـِـــلْ واصِــــلْ      بالـفـَـرَح واصـِــــــلْ                            زَرَع الـقــَصـيـْــــدِة       وْضـاعِت الفـَـواصِـل 

 زادالخير:     طـــايــر طــــــايــر       بالـقـِصـَـصْ طـايــرْ

                           حــُـبـَّـــــــــك الأوَّل       وْحــُـبـَّـــكْ الآخـِـــــر      الجـميع:              حــُـبـَّـــــــــك الأوَّل                     وْحــُـبـَّـــكْ الآخـِـــــر...