في بحث عن هوية لبحثي
شذرة البدء:
"عالمي هو الكتابة، أنا خارج دفاتري أضيع، دفاتري هي وطني"
محمد الماغوط
لا أفهم ما يجري، فالأمر يحصل معي في غياب معرفة مسبقة، في الاعتقاد هي ضربة الجزاء الأخيرة كما يتخيل لي، لم أعرف أني المجبر على إطاعتها وتلبيتها، هل أكمل أم أتشبث بالانسحاب، أعتقد على انه الوقت الميت ولم يتبقى حتى، أعنى على أنه العد العكسي، الأنظار مصوبة نحوي ومهملة الهدف، موقع يجعل تقديس السخرية تتبخر، فليس لي سوى التأمل بدون ألام، وبكل حواسي المعاقة الصامتة إذ لم تضمحل، سأتجرأ بالفعل، فهي الحالة الموضوعية التي لابد من فضحها، فقد لا ترتقي مشكلتي هذه لمجاورة درجات الإنسان فيك أوقد يحصل العكس على أن لا يصل أناك لورطتي هذه فالأمر سيان، ببساطة لن انتظر شفقتك المعادية الزائدة، الا مرئية الواجهة، فلست لعوباً بكلامي، لأني لم أتجرأ بتخطيطي هذا الغوص في دائرة الوعي بشعاعها وقطرها، غير أن قدرتي وجبروت إرادتي دفعاني للبوح لما في قراراتي نفسي، بارّا بالإلهام ومقدساً القلم. فبدأت بترتيب الأوراق جانباً لأعلم تمام اليقين، أني متورط في أحد القضايا الشائكة في عصر مأساوي السيرة، مشوه الملامح والحروف، وسط طاولة مستديرة الهيكل والأبعاد، مهوساً بالفضول على خزائنها ومستنداً على الأركيولوجيا لتعرية كل ما يتراقص في ساحتها، ومستمرا في فضح الخلل الكامن فيها والعيب الميتافيزيقي الساكن بها والمتربع على تجاعيدها، محلقاً وسامياً بالأشياء بدون منعرجات نقدية لمحطة الاستيعاب، فلا غرابة أن يبدأ الأمر غالباً بصراع دائم مع التصدعات والترسبات واختلال في التوازنات وشرخ للدوغمائيات، جاعلاً أصل العلاقة في مبادئ القداسة المترفعة والصداقة العدائية للقلم والورقة، لأكون ملزما بخاصية الرفق والحنان تارة وبخاصية القوة والتحطيم تارة أخرى، باحثا عن المعنى في استرسالية سيكوسوماتية متمردة لتلك التي سطرت للجميع، هي بعيدة كل البعد عما يظنون، ليست رحلة من بين الرحلات الغرامية مع الورق والقلم الباحثة عن العاشق والمعشوق، ولا برحلة استكشافية اجترارية منتصرة للانسياقية واستهلاك الاستهلاك، فبعيدا عن هذا وذاك استمتع بفرحة الألم وبسعادة التعاسة وبنشوة الفكر ولذة الابيستمولوجيا، حقيقة وصدقا أتشبث بأشياء لا ماهية لها ولا شكل لها، هاجرا تناغم القطيع وانسجام الوعي الوضيع، في غياب القوة وحس التأثير، المهم أني أستشعرها رغم شفافيتها وإلزامية ضبابيتها، فربما قد يكون الوهم المشبع الشكوك، إلا انه الحلم الأسمى الرافض لفكرة الانفصال والعزلة ملازماً لزجاجية ذهني وصدقية روحي، حلم يتراءى وراء كل هذه الموضوعات، حلم بأن تصبح أناي قبل ذلك الذي ليس بعد، بالملف المستعصي على كل دائرة نقاش. إحساس يصاحبه قدرة على الكتابة مرفقة بغيض قلق الذهن معبراً بالحسرة لكون ما يستحق الإبداع فيه والتمتع بلذة الكتابة فيه، سبق خنقه فكرياً وشنقه معرفياً مع كبار المبدعين الخلاقين، ليكون الحال معنا حال المجترين، فليس بجنون العظمة أتكلم ولا ببطوليتي أغرّد، فليس الحديث هنا إلا تكثيف في الكلام وتعرية لفكر هذه الأنا التي من الممكن والمحتمل أن تكون سابقة لذاتها في الزمكان الخطأ، إذ لا يستعصى علي تحديد أفكاري فالأمر لا يتطلب سوى جمع الأوراق المبعثرة والأفكار المتناثرة وترتيبها، ليهون عليها إدمان الخربشة، فاقدا هويتي وعذرية فكري هائماً في عالم المثل الخاص بي لا غير، فمشكلتي ليست مشكلة أفكار أو محتوى موضوع، مشكلتي تجدرت، بالنبش والتنقيب، عن المعنى في عز اللامعنى وعن الفهم في واقع اللافهم.. هنا استيقظت من سباتي، محطّما قيم السذاجة والخبث، لتتولد هنا والآن رغبة الكتابة وهم السؤال.