فخامة السوسيولوجيا

يونس بنمورو قرأها 212

شذرة البدء: "إن علماء الاجتماع أشبه ما يكونون بمزعجين يفسدون على الناس حفلاتهم التنكرية" بيير بورديو. تألمت الفلسفة بتأملها، ووهنت لشدة تفكيرها، وتخلخلت لعقوق أبنائها، فحاولت تهدئة نفسها بالإدمان على التساؤل لتسكين أوجاع جراحها، والبحث عن نشوة تفكير للوصول لحفنة فهم قد تجتث الحزن من أركان قلبها، حاولت وسعت لكن عانت وتأوهت، وهي الناظرة بعاطفة العقل والمفتقرة للحيلة لضبط نفسها وإعادة جمع شملها، فشلت وانكسر حلم عائلتها وامتدادية شجرتها وتجذر عروقها، تفرعت وتفرخت أنساق من أحضان معرفتها، لتنزلق السوسيولوجيا هاربة من صرامة تأملها وميتافيزيقية أسئلتها، لتنحرف باحتراف التساؤل حول منطق الجماعات وما يخص مناخ المؤسسات، وتراكيب جسد المجتمعات، بحثا عن صيغة أخرى للسؤال، لتخلق افتخارا في عز القلق وهم التفكير وسوداوية الأوضاع، فبدايتها مخلصة للأزموية، ارتبطت بالظرفي المتعكر واللحظي الكارثي، في محاولة منها للإجابة عن أسئلة الضيق وحرج المحنة، ولإستيعاب كذلك عوامل ظهورها وشفرة إعادة إنتاج ظهورها، فولادتها- السوسيولوجيا- لم يكن بالمخاض الهين واليسير، فأزمة الأزمة من أنتجها ونتيجة للإختلالات تأسست، وفي عيوب الواقع حاولت المأزرة وتقديم السند وبرحابة الصدر مدت يد العون وتكلفت، ففي البحث عن مسكنات تفضي إلى التقليص من حدة الألم وارق السؤال، يبدأ سؤال الأصل والأصول، مبسملا بإلإيتيمولوجيا، نابشا لمعرفة الأب الشرعي والمؤسس الفعلي، فبين سجالات تاريخ التحليل، تزف لنا أبحاث جينات ابن خلدون، وأخرى ترسبات مونتسكيو، وبعضها الأخر ملامح روسو أو سان سيمون، أما النزر القليل تطرف لعراقة اليونان، ليقنعنا منطق الكتب والتحليل في أن بداية تربيتها وشريط تنشئتها قص مع النزعة الوضعية، فمعها حصلت على إسمها الحالي، وأخذت من الحقل المجتمعي موضوعا لها ومن تنوع شعابه ملاذا لها، لتعبد الطريق بعد ذلك لبسط بساط الشرعنة وروح المصداقية على العلم الاجتماعي ولتأكيد الحاجة لنظراته التفسيرية ولشجاعته التحليلية، بعدما أصبح الاجتماعي أكثر هشاشة وتضررا، لتجند كل العقول العلمية والمخاييل الفكرية لهندسة علم يؤمن بالفهم والتفسير، وينتصر للتغيير والتعجيل بالتغيير، لتلوح بعد ذلك تخصصات زادت من نجاعة خريطة علم الاجتماع، لتتقوى تشكيلة علوم الإنسان، لتطفوا صياغات متباينة البراديغم، فظهر الاهتمام بالتدين من هذا الوعاء الفكري والثانية قروية من الوعاء الأخر، وأخرى سياسية وهكذا دواليك، استجابة معرفية لتجاوز كارثية الأزمة، كفروع تفيد في فهم وتحليل ما يعتمل في الفيزياء الاجتماعي، لتبدأ غيرة السؤال وتظهر ميزاجية التحليل والاختلاف في التفسير، فتارة تهرع للتفسير المادي وتارة تجد في الوظيفي السند، وتارة أخرى تنتصر للبنيوي وغيرها، هذه هي ميزاجية السوسيولوجيا وحساسية رؤيتها فالأصل فيها إزالة لنقاب المألوف وفضح لغطاء التضليل الغير مرغوب، والمضمون فيها بحث عن ما وراء التنكر والقناع، فهو العلم الغيور على روحانية المجتمع وبناءه التناغمي، لا يرتكن للجاهز واليقيني ولا يقتنع بفتات المعرفة، فالنبش هو عين صوابها، والأركيولوجيا هي مصدر هبتها، والبحث عن معنى المعنى أساس لها، وفي إشعال شموع التنوير ومصابيح الإضاءة نصرة للحقيقة وتجاوزا لعثرات الواقع ومخاطر الهوة دليل قهري على بطولية منهاجها، وذلك باستنبات حمى التساؤل والسؤال. ليشتد عود السوسيولوجيا لتنغمس عاقة لميتافيزيقية أمها، فارضة للذات بدءا بأدوات أشقائها، وأملا في الدقة العلمية تفرغت وخصصت كل وقتها، ففي البحث عن سر التحول وعوامل التغيير، اندهشت كافة العلوم، وعجزت عن تقديم يد عون التحليل، لتنتصر فخامة السوسيولوجيا وتشتد شخصيتها قوة ونجاعة، لتبدأ بالنبش هنا والحفر في الهناك، بشحذ سلاح النقد أسست للحقيقة والحق، لتزهد في نفسها غارزة لمبادئ الكشف والتعرية، بعيدا عن حربائية التحليل، ونفاق العلم والتفكير الذي يسرق منها روح الفاعلية ونبرة العلم والعلمية، فجراح المجتمع موضوع لها، والإنصات لأهات الجماعات خاصيتها، وتشريح لخبايا العلاقات ميزتها والتنقيب في جينيالوجية الظواهر نقطة قوتها، وميزاجية التحليل أساس لإستمراريتها، كيف لا وهي المنشرحة على طول الدوام لتقديم عقاقير فهم، وأدوية تسكين تهدئ جراح الخلل ورداءة الوضع والأوضاع، لتتسلح بمشاريط العلاج باختلاف أشكالها، وواقع إستخدامها، وآلية التنوع ميزة لكل مدارسها، والرغبة في فتات فهم هو هاجسها وسبب أرقها، فما يعتمل في المجتمع يزيد من قوة حضورها، ويدفع إلى تسخيرها لتشخيص وتشريط تمفصلات كل مواضيعها، منتصرة لمبدأ السبر والخلخلة الرافضة للمحاكمات المسبقة، لتعلن الحياد متسلحة بأدوات الدرس والتحليل وفي بحثها عن ميتافيزيقية الظواهر أقرت العفة عن كل نزواتها. فمرورا من الولادة وصولا للنضج الابيستمولوجي وإثبات للذات، والحاجة للعلم الاجتماعي تزداد، وإلحاحية التفسير والشرح تتفاقم، أملا في سطور تحليل للخروج من فوهة الرداءة وعشوائية الامعنى، حماية للتقطيع الاجتماعي من غيابات الضياع وقذارة التهميش، ونقد للجاهز مرورا لتفكيك الدوغمائي والثابت اليقيني، لفك طلاسم وألغاز الواقع الديناميكي، ليطفوا نقاء التحليل وصفاء فكرة التغيير غيرة على البناء النسقي للجميع. لتأخذ على عاتقها الارتطام بفسيفساء الاجتماعي، وذلك بإعمال أدواتها وتشغيل نجاعة آلياتها، بحثا عن عين الخطأ، وأصل الخلل الثابت في قلب الواقع الاجتماعي، فغيرة عن الأخير تدافع بالتكشير عن مناهجها غير أبهة بالبنى الفوقية، والمحتكرين لآليات الإنتاج، فهي وفية لنفسها، وللمجتمع تستنفد كل جهدها، وبعراقة تفكيرها أفرزت جيشا من عشاقها ومدمني السؤال مثلها، واستلهاما من وصايا أبائها، شق طريق الفضح وحرج التعرية كل أبنائها أو بالأدب العلمي جل مفكريها، فلاحت لنا أسماء من هنا وهناك، وحتى لا أثير زوبعة غيرة في قلبها تفضيلا لأحد أبنائها، اكتفي بالقاسم الجامع لهم حولها، وهو إخلاصهم للاجتماعي وإعمالهم للنظر لصالح المجتمعي، لهذا يجب أن نستأنف اجتهادات مفكريها بأن نعزز إنصاتنا لرأي العلم الاجتماعي لمعالجة جراح الاجتماعي، حفاظا على النسق العلائقي، فالجرح يقود للأخر، والأول والثاني يزيد من حدة الثالث، لذى من اجل حبيبات فهم سنواصل نحت نفس المشوار، وبرسالة السوسيولوجيا الغيورة سنكمل امتدادها التاريخي، بالانتصار لنزعة الكفاح الفكري، ووشوشة النضال السوسيولوجي، هوسا بأسئلة المجتمعي، لا لشيء لإعلاء الاجتماعي وروحانية الاجتماعي.