لـئـلا يصبحَ مسيحـيّـو لبنان "مياومين"

سجعان القزي قرأها 1,262

بموازاةِ حَراكِ الشبابِ العربي الباحثِ صادقاً عن الحريّـةِ والديمقراطية، باتت التطوراتُ الجاريةُ في المَنطقة العربيةِ والفارسيةِ والمغربية جُزءاً من صراعٍ إسلاميٍّ تاريخي. وأبلغُ دليلين مباشَرين هما: موقفُ إيران المتحفظُ عن الأنظمةِ السُنـيّـة الجديدة، وتعثُّـرُ مسارِ إسقاطِ الأنظمة. رغمَ وجودِ دورٍ دوليّ في هذا الصراع، يبقى جوهرُه "محلـيّـاً" خِلافاً لغالِبيةِ الصراعات التي عرِفتها هذه المِنطقةُ في القرنِ العشرين. جوهرُ الصراعات السابقةِ كان أجنبياً وظاهرُه محلياً، أما الصراعُ الحاليّ فظاهرُه دوليّ وجوهرُه محلي.

لا يدور الصراعُ الحالي حولَ مصالحِ الدولِ الأجنبيّـة في بلادِ الشرق، بقدرِ ما يدور حولَ دورِ الأديانِ والمذاهبِ في هذه البلاد. فالدولُ الأجنبيّـةُ لا تحتاج القيامَ بأيِّ جُهدٍ لتأمينِ مصالحِها السياسيّـةِ والنَفطيةِ والاقتصاديةِ والعسكرية، فكل أطرافِ الصراعِ المحليين يتهافتون لتأمينها لها. ليس الصراعُ السُنّي الشيعيّ، في الأساس، وليدَ الإمبرياليةِ الأميركية أو الروسية أو الأوروبية ولا حتى الصهيونية. وإنْ تُغذّي هذه القوى الصراعَ اليومَ وتستغِلُّـه وتَنفخُ جَمرَه، فإنها لم تكن في معاركِ "أُحُد" و"الجَمَل" و"صَفّين"، ولا في معاركِ "الكوفة" و"كربلاء" و"الزاب". لم يَهمُس باراك أوباما بأُذْنِ معاوية ليرفعَ قميصَ عثمان المضرَّجَ بالدماءِ، ولا أَقنعَ فلاديمير بوتين أنصارَ عليّ بخِدعةِ رفعِ المصاحف[1].

والمؤسِف أن الصراعَ السنّيَ الشيعي لا يزال دمويّـاً رغم مرورِ نحو 1400 سنةٍ على نشوئه. والمؤسفُ أيضاً أن تجدّدَه المتكرِّرَ من جيلٍ إلى جيل يَضرب الحالةَ الإسلامية العامّـة ويوقِـعُها في أحضانِ عالَمٍ أجنبيٍّ لا هو سنّي ولا شيعي. إن حِدّةَ الصراع تترك انطباعاً وكأن السُـنَّـةَ يَبنون خِلافةً إسلامية تحضيراً لعودة النبي محمد، والشيعةُ يبنون دولةً إسلاميةً تحضيراً لاستقبالِ المَهديِّ المنتظَر. إنْ عادت المرجِعياتُ الدينية ـ وليتَها تعود لتنقِذَنا من المـتَنـبّين والدعاةِ الكذبة ـ فعلى بساطِ المحبّةِ يُفترض أن تأتيَ لا على رؤوسِ الرماح.

وفي خِضمِّ هذا الصراع، يحاول إسلامٌ معـيَّـنٌ شَطبَ المسيحيةِ من هذا الشرق، أو وضْعَها في حالِ "عيشٍ سريريّ"، لكن المسيحيةَ باقيةٌ، باقيةٌ حتى في القرآن. ومَن يجرؤ أن يَنزعَ آياتِ عيسى ومريم من القرآن، يَتوهَّم أنه يُزيل المسيحيين من الشرق.

ما دام الصراعُ يأخذ هذا المنحى، وما دامت الكياناتُ تتساقط مع الأنظمةِ، وقَـبْلها أحياناً، لا بُـدَّ لكلِّ مكـوِّنٍ حضاريٍّ في هذا الشرق من أن يفكِّرَ بوجودِه ودورِه وأمنِه وحرّيتِه، وأن يشاركَ في بناءِ الشرقِ الأوسط الجديد. وأيُّ محاولةٍ لإقصاءِ مُكـوِّنٍ حضاريٍّ من خريطةِ الشرق ستكون مشروعَ فتنةٍ لاحقاً أو حرباً مستقبليةً أو مادةً نضالية للمكـوِّن المُـقْصَى فـيُفجِّر الخريطةَ القائمة ويَضرب استقرارَ المِنطقة. وها التاريخُ الحديث مليءٌ بالأمثلة.

مَن؟ مَن كان يراهِنُ على إنشاءِ دولةٍ لبنانيةٍ متعدّدةِ الأديانِ والطوائفِ يحكمها ماروني؟ مَن كان يراهن على زرعِ دولةِ إسرائيل في أرضِ فِلسطين وتهجيرِ شعبِها؟ مَن كان يراهن على بروزِ نظامٍ قوميٍّ عربيٍّ في سوريا يحكمه عَلويّ؟ مَن كان يراهن على نشؤِ أولِ نظامٍ أصوليّ ثورويٍّ جِهادي في إيران الشيعية الفارسية؟ مَن كان يراهن على إقامةِ دولةٍ كُرديّـةٍ بدءًا من العراق؟ مَن كان يراهن على عودةِ الإخوان المسلمين من بابِ تركيا؟ مَن كان يراهن على ولادةِ دولةٍ مسيحيّـةٍ في جَنوب السودان؟ مَن كان يراهن على بِدء الثوراتِ العربية من تونس؟

إنها دورةُ التاريخِ ولعبةُ الأمم ومفعولُ القهر. لكن ما كان كلّ هذا ليحصُلَ لولا إرادةُ الشعوب وتصميمُها على الحفاظِ على وجودِها وأصالتِها وتُراثها، وعلى المطالبةِ أحياناً بما ليس لها (دولة إسرائيل). واللافتُ أنَّ كلَّ هذه "الإنجازاتِ" عنيفةُ المسارِ وفئويةُ التكوين باستثناءِ الإنجازِ المسيحي، إذ بنى الموارنةُ لبنانَ للمسلمين والمسيحيين، وعلى أساس الحريةِ والديمقراطيةِ والتعدديةِ وتكافؤِ الفرص. أتراهم ارتكبوا مخالفة؟

وصولُ كلُّ مكـوِّنٍ إلى حقّه في دولِ الشرقِ الأوسط وأنظمتِها يُمكِن أن يتحقّق من خلال ثلاثةِ مسارات: إما دولٌ دينيةٌ مركّبـةٌ تعترف بخصوصيّـةِ كلِّ مكـوِّنٍ على أساسِ انتمائِه الدينيّ والطائفيّ والمذهبيّ (لامركزية، فدرالية، كونفدرالية، حكم ذاتي). وإما دولٌ عَلمانية موحَّدةٌ يحصُل فيها كلّ مواطنٍ على نفسِ الحقوقِ بغضِّ النظر عن هوّيتِه الدينيةِ والطائفية والمذهبية. وإما دولٌ دينيةٌ يَستقلّ فيها كلُّ مكـوِّنٍ دينيّ وطائفي ومذهبي وإتني. الحلُّ الأولُ واقعيٌّ، الحلُّ الثاني مثاليّ، والحلُّ الثالثُ أبغضُ الحلال.

من هذه الزاوية، يَجدُر بمسيحيي لبنان، الّذين باتوا مشتَّـتين في ما يُعرف بتجمعَيْ 8 و 14 آذار، أن يُـبَدّوا وِحدَتهم على تحالفاتِهم لئلا يَجرفَهم الصراعُ السُـنّي ـ الشيعي في لبنان والمِنطقة. إذا كان رفْضُ تثبيتِ مياومي شركةِ الكهرباء أدّى إلى تضامنِ مختلَفِ القوى المسيحيّـةِ، فـتثبيتُ المسيحيّين في هذا البلدِ يَستحِق تحالفاً قبلَ أن يُصبحَ المسيحيّون "مياومين" في لبنان.

إنّ ما يجري في الشرقِ أكبرُ من انقساماتِ الأطرافِ المسيحيين، وبخاصةٍ الموارنةُ، التي أصبحت جريمةً بحقِّ الوجود المسيحي. فبعد أن كانت حروبُ الإلغاءِ الماضيةُ تُضعِف زعامةَ هذا أو ذاك، الصراعاتُ الحاليةُ هي حربُ إلغاءٍ للحالةِ المسيحيةِ اللبنانية برُمَّتِها. فهل سيقـبَـل الشعبُ المسيحيّ اللبناني، المتأصلُ هنا منذ ألفي عام، بأن يَبقى تحت رحمةِ لعبةِ السلطةِ الفارغةِ والفانية بين بعضِ قادته؟ إذا كان الانقلابُ على الدولةِ ممنوعٌ، فالانقلابُ على الزعاماتِ الممانِعةِ مسموحٌ، بل هو واجب.

إن المسلمين أيضاً بحاجةٍ إلى وِحدةِ المسيحيين اللبنانيين ليتخلّصوا من صراعِهم المذهبيِّ الفـتّـاك ومن تأثيرِ الخارجِ على قرارِهم الداخلي. حين كان المسيحيُّ قويّـاً وموحَّداً لم نَسمع بصراعٍ سُـنّي ـ شيعيٍّ في لبنان. كانت صيغةُ لبنان أقوى من فِتنِ الشرق. كانت محبةُ اللبنانيين لبعضِهم البعض أقوى من أحقادِ الشرق. وكانت الأديانُ أسمى من الطوائف، والطوائفُ أعزَّ من المذاهب. واليومَ، اليومَ بالذات، أليس رئيسُ الجمهوريةِ المارونيِّ مَن يحاول لملمةَ هذا الصراعِ من خلال هيئةِ الحوار الوطني؟

لن يتمكّنَ مسيحيّو لبنان من إنعاشِ دورِهم من خِلال تموضُعِهم الحالي، ولا يجوز لهم أن يستفيدوا من كلِّ ما يجري في لبنان والمِنطقة بالحصولِ على مكاسبَ ظرفيةٍ فقط كتغييرِ حكومةٍ أو وضعِ قانونِ انتخابٍ أو فرضِ تعييناتٍ إداريةٍ أو إعادةِ الجنسيةِ إلى المغتربين. كلُّ هذه المكاسبِ، على أهميَّـتِها المرحليةِ تبقى هامشيّـةً، ومن دون مردودٍ على المدى المتوسّطِ والبعيد.

يجب أن يستفيدَ المسيحيون من مرحلةِ تغييرِ الأنظمةِ والكِيانات، ليعيدوا طرحَ حقِّ تقريرِ مصيرِهم من جديد كما فعلوا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. أما الباقي فتفاصيل. في الماضي، حين كانت الكياناتُ صغيرةً، حلِمنا بالشرقِ كبيراً، وأنشأنا كِياناً مختلَطاً. فرِحنا به، اعتبرناه جوهرةً، لؤلؤةً، رسالةً، مِثالاً، ونموذجاً. زَهَونا به أمامَ عربٍ شموليين، وأمامَ إسرائيلَ عنصريةٍ، وحتى أمامَ غربٍ أحاديٍّ، فاغتالوه. لم يَبق من لبنانَ الصيغةِ سوى ليالي السَمَر في المناسباتِ الاجتماعية، وفي حدودِ طبقةٍ اجتماعيةٍ محصورة.

اليوم، والكياناتُ الكبيرةُ تتداعى، لا بد للبنانيين عموماً، وللمسيحيين على وجهِ الخصوص، من التفكير الجِدّي والجريءِ في الشكلِّ الدستوريِّ لدولةِ لبنان ليضمَنوا وجودَهم وخصوصيَّتهم ودورَهم. أهي الدولةُ اللبنانيةُ القديمة؟ أهي دولةٌ جديدةٌ منسجمةٌ حضارياً وثقافياً؟ أهي دولةٌ لامركزية؟ أهي دولةٌ فدرالية؟ أهي دولةٌ قيدَ التحضير؟

فلْـنُقدِم على الخِيارِ الصحيح من دونِ مُغالاةٍ وادّعاءٍ وانعزالٍ من جهة، ومن دونِ الشعورِ بأي فريضةٍ تجاه أحد، أو الشعورِ بحَياءٍ مما سيقالُ عنّـا من جهةٍ أخرى. لم نَعد أمام تُهمةٍ مزوَّرةٍ بالزائدِ أو بالناقص. فمع أننا صنعنا لبنانَ الكبير، أَمعَن البعضُ بنعْـتِنا بالانعزال. أهمُّ شيء أن يؤمنَ المواطنُ أنَّ لا قيمةَ مطلقةً للوِحدة، ولا قيمةَ مطلقةً للتقسيم، ولا قيمةَ مطلقةً للاتحاد. هناك قيمةٌ مطلقةٌ واحدةٌ هي حياةُ الإنسانِ بحريةٍ وكرامةٍ وأمنٍ وسلام.

نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية


[1]أسماءُ معاركَ ضاريةٍ وَقعت بين المسلمين في القرنين السابع والثامن فانقسموا سنّـةً وشيعة.