الطب السوري في عصر ازدهاره

عبد السلام تنبكجي قرأها 802

كانت الصناعة الطبية وما زالت محور اهتمام العالم بأسره فهي بلا ريب من أشرف الصنائع وأربح البضائع وقد ورد تفصيلها في الكتب الإلهية والأوامر الشرعية حتى جُعل علم الأبدان قريناً لعلم الأديان وهي تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض ويصح فيحاول صاحبها (أي الطبيب) حفظ الصحة وبرء المرض بالأدوية والأغذية بعد أن يتبين المرض الذي يخصُّ كل عضو من أعضاء البدن وأسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها وما لكل مرض من الأدوية.

أكد المهتمّون بالشأن الطبي في معرض حديثهم عن آداب الطب على ضرورة تحلّي الطبيب بصفات ومزايا يستطيع بواسطتها النهوض بعمله على أتمّ صورة وأكمل وجه وقد جاء ذكر تلك الصفات على لسان أحدهم فقال: واعلم يا حبيبي، أيّدك الله بروح منه، أن الطبيب الذي يستحقّ التقديم ينبغي أن يكون معتدلاً في مزاجه طاهراً في نفسه متمسّكاً بدينه ملازماً لشرعته وافرَ العقل قويَّ الذكاء حَسَنَ التّصور معروفاً بصدق اللهجة وأداء الأمانة مهتماً بما يعنيه مُحباً لاصطناع المعروف يساوي ظاهرُه باطنَه في إفعال الجميل حَسَنَ الخُلْق غيرَ شره في كسْب الحطام وليس عنده حقدٌ ولا حَسَدٌ صحيحَ الخطّ والعبارة مواظباً على درسه ومطالعته ناظراً في كتب المتقدمين شفوقاً بالضّعفاء والفقراء والمساكين سابقاً إلى معالجتهم قبل معالجة الأغنياء معروفَ الأستاذين والشيوخ.. ويكون عفيفَ الفرج والبطن والنظر كتوماً للأسرار حلوَ اللسان قليلَ المزح والكلام، أي لا يتكلم الإ بحسب الحاجة، خوفاً من سقوط الحرمة، وأن يلبس ثياباً نظافاً وأجملها البياض وأن يحمل شيئاً من الأرايج الطيبة كالمسك في الزمن البارد والطيب في الزمن الحار وليخاطب كل إنسان بما يليق بمقامه من غير إلحاح.

ويفترض في الطبيب الممارس أن يكون إلى جانب علمه بالطب عارفاً بالمنطق والهندسة والهيئة والنجوم الخ.

وكان البيمارستان الكبير الذي بناه نور الدين محمود بن زنكي بدمشق عام 556 هجرية من أشهر بيمارستانات الدولة الإسلامية وقد زاره ابن جبير الرحالة الأندلسي المشهور عام 580 هجرية فقال وجرايته في اليوم نحو الخمسة عشر ديناراً وله قومة وبأيديهم السجلات المحتوية على أسماء المرضى وعلى النفقات التي يحتاجون إليها في الأدوية والأغذية وغير ذلك حسبما يليق بكل إنسان منهم والأطباء يبكرون إليه في كل يوم ويتفقدون المرضى ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية.. وللمجانين المعتقلين أيضاً ضرب من العلاج وهم في سلاسل موثوقون.

وقد اشتهر في ذلك الزمان من الأطباء السوريين ابن أثال طبيب معاوية وابن النفيس علي بن أبي الحزم مكتشف الدورة الدموية وابن المطران أسعد بن إلياس بن جرجس طبيب صلاح الدين يوسف بن أيوب ومهذب الدين عبد الرحيم بن علي منشئ الدخوارية وغيرهم.