لا تنسَ أَنك ابنُ النهار
متأَخِّراً رن جرس الهاتف في شقتي، تلك الليلة من تموز 1984 في نيويورك.
كان هو على الطرف الآخر: "أنا في الوالدورف أستوريا. نتناول الفطور معاً صباح غد"؟
هل من تفكير في الجواب؟ السؤال مع غسان تويني جوابُهُ في اليوم السابق.
على الفطور جلست إليه ومعي عددٌ من جريدة "الهدى" التي انتقلتُ إلى نيويورك كي أَتولّـى رئاسة تحريرها.
راح يقلِّب صفحات العدد ويعطيني ملاحظات لكل صفحة: إخراجاً وتبويباً وعناوين وصوراً، متنقِّلاً في ملاحظاته من المضمون إلى الشكل في دقة الصحافي والتقني.
حين انتهى، وكنتُ دوّنتُ ما قال لي، بادرني:
- إعمَلْ بهذه الملاحظات لتحسين "الهدى". لا تنسَ أنك ابن "النهار"، اسمك على الجريدة، ولو في نيويورك، يأخذ إلى "النهار". كن على مستوى اسمك. ولا"تعمل" رئيس تحرير وراء مكتبك. كن محرراً بقدْرِما أنت رئيس تحرير. أُكتُبْ كلّ خبر كلّ مقال كلّ زاوية، ولا تركن إلى محرريك لأنك رئيسهم. الصحافي "شغّيل" دائم بدون لقب.
تلك الصرامة خلف قناع صوته العريض لم أكن أعرف أنها تخفي حناناً طرياً.
لدى عودتي إلى بيروت لاحقاً رئيسَ الدائرة الثقافية في "المؤسسة اللبنانية للإرسال"، وإنجازي (سنة 1987) مونتاج حلقة من برنامجي "نقطة على الحرف" عن ناديا تويني، طلبتُ إليه أن يشاهد الحلقة قبل بثها، فجاء في اليوم نفسه. وفيما يتابعها في مكتبي، وصل إلى مشهد تتحدَّث فيه ناديا وتقرأ شعرها، فأجهشَتْ عيناه بدمعةٍ حافية أخفاها وراء نظارتيه مستعيناً عليها بدخان سيجارته. طلب مني تخفيف الرومنسية من مقدمتي، مضيفاً بالصرامة نفسها في صوته العريض: "لا تضعف أمام المأساة فَتَتَفَجَّعْ رومانسياً. كن قوياً وصلباً. لا تنسَ أنك ابن "النهار".
بعد سنوات (20/11/2000- قصر الأونسكو) كان يلقي كلمته في أُستاذه وصديقه فؤاد سليمان. غصَّ على المنبر وكاد يجهش فأخفى غصّته الحافية بسُعال مفتَعَل. في اليوم التالي صدر مقالي "أزرار" بعنوان: "دمعة غسان تويني" فاتصل بي يعاتبني على "الرومَنسية في مقالي" وأَردف: "أُكرّر لك ما سبق ونَبَّهْتُكَ إليه: كن دوماً قوياً. لا تنسَ أنك ابن "النهار".
ظلَّ زوس يضرب هذا الكاهن الإغريقي في أُسرته فرداً فرداً حتى هوى عليه فهوى وهوى معه الأُولـمْپ.
نقول لكبير الآلهة: "هذه القوّة العظمى لديك لم تُصِبْ إلاّ الجسدَ الضئيل. خُذْهُ. أما الروح الجبّارة فلم تُصِبْها وَ...لَن. لا تنسَ أنّ هذا الكاهن هو ابن "النهار"، وأَبوها، وديكُها الذي تنقضي صباحات الدنيا، ولن ينفكَّ عن إيقاظ فجر الحرية".