بيتان للمتنبي عن اليهودي

توفيق أبوشومر قرأها 2,662

بيتان للمتنبي عن اليهودي 

سيظلُّ ديوان شعر المتنبي دُرّةً في صَدَفَةٍ لم تُكتشف بعد، على الرغم من مضي أحد عشر قرناً على وفاة الشاعر. فعندما كنتُ طالباً في جامعة القاهرة في ستينيات القرن الماضي، أمسكتُ ديوانه للمرة الأولى، ثم شرعتُ في البحث عما كُتبَ عنه، إلى أن وصلتُ إلى حدِّ إدمان قراءة ديوان الشاعر، وظلَّ ديوانه صديقاً لي في كل أماكن لجوئي وترحالي!

وكلما كنتُ أشعرُ بأنني تملّكتُ ناصيةَ شعره وفهمتُ حِكَمَهُ وجُمَلَهُ ومُفرداتِه وعواطفَه وأحاسيسَه، كنتُ أكتشف بعد فترة وجيزة بأنني ماأزال على ضفاف الشاعر لم أغصْ بعدُ في بحره وفكره وأصالته وبلاغته، وقد شكوتُ حالي لأصدقائي من الكتّاب والنقاد، فوجدتُ فيهم عزائي عندما قالوا لي:

"نحن مثلُك أيضا!!"

نعم إنها العبقرية، التي يمكن أن تلخصها جملة واحدة، وهي:

"القدرة على تحويل الثقافات إلى إبداعات فنية خالدة، لا يٌفسدها توالي الحقبِ والأزمان"

ظللتُ منذ ستة عقود أُرَدِّدُ بيتين من شعره، وهما بيتان فريدان، التصقا بلساني لأنهما لم يكونا ضمن قصيدة طويلة، بل كان البيتان فقط يشكلان قصيدةً مستقلة! ظللتُ أحاولُ أن أعثرَ على تفسيرهما في كل المراجع التي شرحتْ أشعارَ المتنبي، وأبرزها شرح أبي العلاء المعري لمعجز (أحمد) أي المتنبي، وشرح التبريزي والعكبري وغيرها، ولكنها كلها لم تُشفِ غليلي في شرح البيتين!

يعود سبب إلحاحي في تفسير البيتين إلى كلمة واحدة وردت فيهما، وهي كلمة (اليهودي) فقد ظللتُ محتاراً في شرحهما، وكنتُ أسائلُ نفسي كثيراً وأنا أتمتم بالبيتين:

هل كان الشاعر يمدح اليهود، أم كان يذمهم؟

وما الصفات التي كان يمدحهم أو يذمهم بها؟

عدتُ أولا إلى مناسبة البيتين، أو "قصيدة اليهودي" كما أسميتها أنا، فلم أجد سوى أنهما قيلا في مجلس الأمير محمد بن الحسن بن طغج، في مدينة الرملة الفلسطينية في منتصف القرن العاشر الميلادي، حين كانوا يتسامرون في المجلس، ومعهم المتنبي، فسمع المتنبي الأمير يقول:

إن والدي اختفى عن الأنظار فترةً ولكن يهودياً عرفه، فما قولُ المتنبي في ذلك؟!!

فقال المتنبي:

لا تلومنَّ اليهــــوديَ على      أن يرى الشمسَ فلا يُنكرُها

إنما اللـّـــــومُ على حاسِبها     ظلمةً من بعد ما يُبصرها!!

بيتان للمتنبي عن اليهودي 

 فهل كان المتنبي يمدحُ اليهودي بالفراسة، والخبرة والمِراسة، والفلسفة والسياسة، والتفتُّح والصراحة، ويذمُّ غير اليهود من الأغبياء الجاهلين، ممن ينظرون إلى الشمس، ثم يعتبرونها ظلاماً دامساً؟!!

وهل كان يشبّه والد الأمير بالشمس، التي لا تنطبق عليها صفات الاختفاء؟

أم أنه كان يُعَرِّضُ بحاشية الأمير، ويقول له إن مستشاريك خبثاءُ جاهلون، إذا قِيسوا باليهودي؟

أم أنه كان ينتقد اليهوديَ، ويقول: حتى اليهودي (الغريب) عن المكان، وهو مَن ليست له قبيلة وعُزْوَةٌ تعرَّف على والدك (الشمس)، فما بالُ مَن حولَك ينكرونه، فاحذر منهم؟!

وأعترفُ بأنني ما أزال في حاجةٍ إلى إجابة على هذه الأسئلة حتى اليوم!!