بُصاقُ بحَّةِ الموتَى

فاطمة عبيدات قرأها 455

أحياناً نَفقدنُا في مَرحلةٍ ما. وَتَلتجئُ الفيَافي صَوبَ الشُـــــرودِ ونأتينا أغرابٌ في المَدينةَ. وَمنْ يَدِ المَسفوكِ تَرتمي صَرخَاتُ البُوصَلة. رُبّما هيَّ آخر كُنوزهِ البائدةِ. مَذاقُها يَعلوهُ القشُّ، وَنهشاتُ الغبارِ تَطحنُ تَحرُّكاتِها. تأنُّ كَما عَجوزٍ نَفضتْ حُنجرَتها خارجَ فُسحةِ السُعالِ.

وعَلى فَمِ غَيمةٍ مُصابةٍ بالتَقهقُرِ تَشعلَقَتْ بَعضٌ من أثوابِ المَرارةِ،

هَكذا قَرأَ المُسافِرُ قصيدتهُ في رَحمِ العِناقْ.

يَومٌ يَدحرُ أخاهُ والغَيمةُ تَتَعبَّئُ بِشَذراتِ الأسى. حَتى تَكوّرَ قيؤُها وبَاتَ يأكُلُ ذاتهُ.

ذَلكَ الهَجيرُ ابتَدأَ هَزيعَهُ عبرَ تَقلُّباتِ النِسيان. وكأنَّما تِلكَ الجُثثُ تَهوي على رأسِ البوصلَة. فَقد دَوَّنَ يَراعٌ في مُذكراتِهِ أنَّ النُجومَ سَتأخذُ بعضاً من مُصابِ جُلجُلَةِ الأرضْ. وَوَجهُ اليَراعِ يَنحَسِرُ في اللوعَةِ وشَراذِمِ النِزاعات. هُناكَ فيضُ أوراقٍ والأحبارُ تَختَنِقُ. أكادُ أتخبَّطُ في السُطُورِ لَكنَّ اليَراعَ دَوَّنَ في إحدى أعتَابِ الهُمومِ باباً منَ الخطَايا.

بُوصَلةٌ عَنيدة، زَلَّ مؤشِرُها تَحتَ دَعساتِ المَوتِ. فارتَجفَ صَوتُ المؤشِرِ وتوقَفَ هُنيهَةً. هَمسَ لِتوجُّساتِهِ! أهُناكَ عَينٌ تَبغى حَلْحَلَةَ أواصَري!؟.. إنّها لَعنةٌ شَرَخَتْ دَمي على زُجاجِ الصوابْ.

وَكيفَ لا تَعلو الحُمّىَ جَبهةَ صّبّارةِ الريحْ! وَليلُ الشُجونِ وَدفقُ الأرواحِ لا يَكلُّ مُستَمراً يَطَرقُ أبوابَ السَماءِ!.

هَذي الحُروفُ نَجسةٌ تَعلمُ رائِحةَ الحُزنِ المخبَّئِ في أريافِ الحَياةَ. مِثلَ ضَروبِ كَفيّ جُوعٍ يَنتهِزانِ فُرصةَ السَطوةِ، يُنقِّبانِ حُبوبَ العِدسِ من حَصىً تَنمْرَدَتْ في رَحاها.

تَقولُ الحِكايةُ..

كانْ ياما كانْ في حادثِ الوقتِ والأوانْ، ذُبابَةٌ يوجِعُها كَيانُها. لَفَّتْ أصقاعَ المَعمورةِ وروحُ الشِفاءِ تَطرُدُها. وَلمّا نَبتَ مُصابُها في خاصِرةِ المَوتى! جَسَّ الضَريحُ نَشيجَها، وتَكوَّمُ العَرقُ في مُقلَةِ القَبرِ حَتى شَبعَ ثديُّ الأعشابِ من الحليبْ.

قالَ في حَسرَةٍ منْ بَوحِهِ:

عَزيزَتي الذُبابَةُ،

بُتِرَ جناحَاكِ،

وانصَلى سُهادُ الأرقِ،

تَرفُضُني نَزعَتُكِ ويَسبيني الحَنين..

فَتَّشتُ جَيبَ الروحِ،

بَحبَشتُ في بُقجَةِ الذاكرةِ

فانفَلقَ السردَابُ وبَكى الهَمُّ..

سُوقُ الموتِ يأتيكِ هُنيهَةً

يَحقنُ أورِدَتكِ بالرَتابَةِ،

شَهيدةٌ على أنفِ الوَطن..

وَلمّا انتهى، خَتمَ التقريرَ بعلامةِ استفهامٍ كادتْ أنْ تَلتهمَ غيلانَ الخيالاتِ الهارِبةَ.. (ضَميرٌ مَسفوكُ الناصيّة)!، نَقَّبْتُ على وَردةٍ أزرَعها في جَيبهِ، فانفَرطَ عِقدُ الضميرِ..

أينَ أسَرحُ بَعيداً عن خَطِ مَرمى الحُروفِ! وصَفحاتُ القُتلى عَلى الخُدودِ تترامى أطرافُها!

وَعَجوزٌ خَمَشتْ مُصابَها، قالتْ:

يا وليدي، أدفِنُكَ حيَّاً وأعودُ لإمارسَ مَوتي مع الآخرين يا يَمّا..

وَتغرورقُ اللحَظاتُ في أحضانِ (أمّي).. وأشُعرُ بالبَردِ يَقضمُ رأسَ الحَمامةِ، وريشُ الحَمامَةِ يُطارِدني!..

طَريدٌ من هُنا،

هاربٌ من هناكْ،

شَريدٌ من أسَى،

ومُهَجَّرٌ في لَظَى..

قَدْ أُجّـــنُّ. جُنونَ الدُروبِ للهروبِ من أعناقِ المُدنْ. وَليسَ صَدرُ الهُمامِ بِقادرٍ، تُراهُ يَستَحلِفُ المِنجلَ أن يأتي نوافذَ الحَكايا.. أن يَسرقَ من عِبِّ جدَّتهِ قُصاصَةَ حلوى.. ويطعِمها إلى رصَاصة.

فالمَكارِمُ تَفترشُ أطروحاتِ الموتى. ورَشاشٌ يَجتازُ أنفاسَهُ نَحوَ الخلاخِيل..

صَاحَ طِفلُ السُنونو، (أمّي) ذَبحوا ألعابَ الطُفولةِ وأضرَموا أوجاعِ الحِنّاءِ وعثراتِ الزَمنْ.. والأمُّ تَردُ تأِنُّ في بَحَةِ الشَيبِ

حَلّقْ عالياً بجناحيَّكَ، هَذي الريِحُ دَسيسةُ الموتِ.. وعلى مصاطبِ السَماءِ من مُفترقاتِ الصُراخِ، دُلَّ مؤشِرَ البوصَلَةِ إلى مقبرةِ الخلود.. فَقد أطاحَ الحصادُ بسَلّةِ التفاحِ وانهَمرَ العَدمْ

القدس المحتلة