الثورة والفن

بسام جنيد قرأها 547

1)     في فن التمثيل هناك ما يسمى بـ"الصدق".. حتى تكون ممثلاً جيداً يجب أن تكون صادقاً وإلا فأنت أحد أولئك الفاشلين الذين تعج بهم خشبات مسارحنا.

2)     في فن السينما هناك ما يسمى بالتكثيف.. يجب أن توصل الفكرة بطريقة مكثفة تحمل الكثير من الاختزال والذكاء وبعد النظر.. باختصار كي تكون مخرجاً جيداً عليك أن تكون ذا رؤية فنية وثقافية واجتماعية ودينية وسياسية وتاريخية وعلمية وأدبية عالية كي تقدم "صورة مكثفة وذكية"..

3)     بالعودة إلى فن التمثيل.. في فن التمثيل على الممثل أن يمتلك "خيالاً واسعاً" وإلا تحول إلى أداة باهتة لا لون لها ولا طعم ولا حتى رائحة..

* * *

 الثورة والفن


بالعودة إلى الموضوع الأول (الصدق في الأداء):

أتحدى أن يستطيع ممثلٌ على وجه الأرض أن يؤدي عبارة: (أنا ماني حيوان حتى تدعسو على راسي) بالصدق الذي شاهدناه على وجه وصوت المواطن السوري الذي وجه رسالة إلى رئيس الجمهورية، "عالي الجبين"...
يا إلهي.. كم توقفتُ عند هذا الرجل وصدقه.. أقسم بأنني تجردت من إنسانيتي للحظات وتعاملت مع المشهد كفنان يحاول أن يتعلم.. درست كل تفصيلة في أداء هذا المواطن.. صوتَه، أين يختنق وكيف؟.. ارتجاجَ شفتيه بسبب القهر.. أنفاسَه.. عينيه المنهكتين من مقاومة الدموع وارتجاجَ شفتيه مرةً أخرى.. درجة صوته الذي لم يعتمد على الصراخ ولا الهمس، لا أدري ماذا كان، إنه (مونوتون) ولكنه مونوتون نادر.. حرف الحاء في كلمة (حيوان).. حرف الحاء يستحق بحثاً كاملاً في فن الإلقاء والصدق..
أتحدّى أفضل ممثل على وجه الأرض (آلبتشينو) أن يستطيع تقديم هذا الصدق والتماهي الذي قدمه المواطن السوري الذي بعث برسالة إلى رئيس الجمهورية، ذي "الجبين العالي"..

والغريب بالأمر أن الموطن السوري لم يكن يتحدث في قضية من شأنها أن تمزّق الأرواح.. لم يتكلم عن ابنه المقتول.. أو ابنته المغتصبة.. كل ما في الأمر أراد أن يخبر رئيس الجمهورية، ذا "الجبين العالي"، بأنه إنسان.. هل يمكن لعبارة جافة كتلك العبارة (أنا إنسان) أن تحقق هذا الإدهاش في الأداء والتأثير!!!!!..

يا إلهي.. كم هو صادق هذا الرجل حتى استطاع منعي من الشعور حتى بالرغبة الجنسية!.. اسبوع كامل وأنا خائر الشعور الجنسي بسبب ذلك المواطن السوري المبدع..

يبدو أنه لم يكن يكذب.. أرجِّحُ أنه لم يقبض أموالاً من أحد كي يضلّل الرأي العام..
بخبرتي المسرحية المتواضعة أجزم بأنه صادق.. صادق حتى العظم..

* * *


بالنسبة للحالة الثانية (الصورة المكثفة في السينما)..

أتحدى مخرجاً سينمائياً في هذا العالم يستطيع أن يقدم لنا صورة معبرة ومختزلة وذكية كالمشهد الذي شاهدتُه لطفل حمصي (حوالي 10 أعوام) يحمل بيديه عدداً كبيراً من أكياس الخبز ويركض في الشارع بأسرع مما يمكنه.. تأتيه رصاصة من أحد القناصة المسؤولين عن حماية سوريا من العدو الإسرائيلي.. الرصاصة لا تصيب الطفل ولكنه يسقط أرضاً فيسقط الخبز من يديه.. ينهض مسرعاً ويركض عدة خطوات ثم يتوقف فجأة.. يستدير للخلف، يفكر لمدة ثانيتين أو ثلاث.. ويعود أدراجه، يغرف ما استطاع من أكياس الخبز المترامية على الأرض، ثم وكالبرق يتابع الركض إلى حيث كان متجهاً..

ما هذا؟؟؟؟!!!!!!!!!

يجب أن تتوقف كل كاميرات الأرض عن الدوران.. فلتعلـَن نهاية الفن السابع بسبب هذا الطفل الحمصي..

أقسم بأن هذا الحمصي الطفل وبمساعدة طفيفة من القناص الغبي، قد اختزل كل الأسئلة التي من الممكن أن تقدمها لنا السينما في عشر ثوان..

أعتقد بأن العزيز أسامة محمد يهمس لنفسه:

(اللعنة.. لقد وضعني هذا الحمصي الطفل في خانة العاطلين عم العمل)

* * *


أما بخصوص الحالة الثالثة (الخيال عند الممثل)..

لو جئنا بأي ممثلة على وجه الأرض وأعطيناها فرضية (أنها أمٌّ شاهدت للتوّ جثةَ ولدها المضرّجة بالدماء) وطلبنا منها التعبير عن تلك اللحظة بأي طريقة تشتهيها.. بالصوت بالجسد بالعيون.. لها حرية الخيال..

أتحدى كل ممثلات الأرض القديمات منهن والحاليات لو يستطيع خيالهن أن يذهب بهن نحو ذلك المشهد الذي شاهدناه لامرأة سورية رأت جثمان ولدها لتوها..
نظرت إليه بدهشة.. وحين استطاع دماغها تفسير الصورة وعلمت بأن ابنها استشهد فقدت القدرة على التحكم بالعضلات والأعصاب فسقطت أرضاً، لم يُغمَ عليها.. فقد كانت مستيقظة ولكن الخلل حدث في العضلات.. وبالتحديد عضلات القدمين.. فإذ بها تسير على يديها وما بقي لها من قوة في ركبتيها.. أخذت تحبو نحو جثة ولدها حتى احتضنته.. وهنا لم يعد مهمّاً ماالذي حدث بعد ذلك..

منظرها وهي تحبو أصابني بالدهشة، ناهيك عن الدموع، هل يمكن لممثلة أن يصل بها الخيال إلى هذا الحد؟.. لا أعتقد..

فقط تلك المرأة السورية المفجوعة بولدها استطاعت أن تصنع لجيل قادم من الممثلات خيالاً جديداً يعتمد على اللامعقول..

* * *

ملاحظة:
من باب تركيز الأفكار التي طرحتها سأقدم نماذج بسيطة عكسية للمفاهيم التي ناقشتها أعلاه..

1)     لنفهم ماذا يعني (الكذب في الأداء) يكفي أن نتذكر المشاهد التي يقدمها الإعلام السوري لاعترافات بعض عناصر العصابات الإرهابية المسلحة.. لاحظوا الكذب في صوت الإرهابي المعترف.. دقِّقوا في عينيه.. دقِّقوا أكثر في شفتيه.. لا شيء.. كل ما هنالك إنسان ما، يقول كلام ما، بطريقة باهتة

2)     لنفهم ماذا تعني (الصورة غير المكثفة والغبية في السينما) يكفي أن نتذكر مشاهد أشلاء المواطنين السوريين التي تقدم على الشاشات السورية بعد كل تفجير.. لاحظوا عدد الثواني التي يتوقف عندها المصور وهو يأخذ لقطة لفخذ إنسان.. خمسة وأربعون ثانية لفخذ!.. لماذا كل هذا الترهّل؟ ماذا يريد أن يقول المخرج؟

3)     لنفهم ماذا يعني (الخيال الجاف والسكوني عند الممثل) تكفي سهرة واحدة مع محلّل واحد على إحدى القنوات السورية وخاصة إذا كان هذا المحلّل لبنانياً، وبشكل أقلّ مصرياً.