السجن الذي ابتلع أبي وكيس بوشاري

آية الأتاسي قرأها 671

السجن الذي ابتلع أبي وكيس بوشاري 

حول السجن وعلى حيطانه وفي داخل زنزانيه ولدت حكايتي..

أنا ابنة السجن وابنة أبي الذي اعتقل فيه بعد ولادتي بأشهر معدودة، وكأنني أتيت الحياة متأخرة قليلاً على موعد اللقاء به! أبي كان الصورة المعلقة في غرفة الجلوس، كنت أسمع عنه ولا أراه إلا في الصورة اليتيمة له في بيتنا. اعتقدت أن الأب هو الصورة والصورة أب. كانت أمي تشير إلى الصورة دوماً عندما أسألها عن والدي. وبإدراك الطفلة التي كنتها اكتفيت بالأبوة المركونة بحنانها وقسوتها على جدار. إلى أن جاء موعد الزيارة الاولى في السجن ورأيت أبي يخرج من إطار اللوحة ليصبح من لحم ودم. سألتني أمي: "أين بابا؟" فنظرت إلى الحائط المليء بصور كثيرة لشخص واحد لا يشبه ابي، والذي سأدرك بعد سنين انه سجّانه، ولم أجد الجواب!

مع الأيام بدأت صورة الأب السجين تحتلُّ صورة الأب المعلّق في إطار، بدأتُ أكبر ويكبر حضور السجن في حياتي ويزداد إلحاح الأسئلة على عقلي الصغير.

علمونا في المدرسة أن السجن هو للمجرمين والقتلة والسارقين ولكن أبي لم يكن أيّاً منهم! كنت أسأل أمي عنه فتجيبني أنه "معتقل سياسي". لم يكن عقلي يستوعب هذه الكلمات ولم أستطع أن أشرح لأصدقائي الصغار غيابه، فكنت أكتفي بغصّة القول انه مسافر لمكان بعيد جداً! المكان البعيد كان على قمّة جبل قاسيون غير البعيد عن بيتنا، يزوره قلبي مرات كثيرة في اليوم وأزوره مرتين في الشهر. أول مرة أدرك فيها قسوة المكان البعيد، كانت عندما دخلته بسنيني الخمس وبيدي كيس البوشار، ألتقط كل حبّة منه بتلذّذ ومتعة. يومها وقعت أنا وبوشاري في دائرة التصويب للسجّان، وكما لو كنت أهرب مواد محرمة، انقضّ بأصابعه المتورّمة على الكيس ورمى حبات البوشار على الأرض ودعسها بأقدامه، بكيت يومها على حبات البوشار بحرقة وكرهت السجن الذي ابتلع أبي، كما ابتلع بوشاري. وبقي طعم الأب برأسي دائماً مالحاً كالبوشار وكملوحة دموعي الصغيرة.

 ومرت الأيام وكبرت في غفلة من الزمن ولكن ليس بعيداً عن السجن وعوالمه، وصار للحياة تقويم خاص وللساعات عقارب تدور على وقع الزيارة الشهرية وتوقيتها. صرتُ أحس باقتراب موعد الزيارة من درجة التوتر الذي يخيّم على البيت ومن روائح الأطعمة المبهّرة بأشواقنا وحنيننا. صريرُ الأقفال يوم الزيارة، تفتح الأبواب الحديدية على الجحيم المخبّأ في الأقبية السفلية، ما زال يرنّ في أذني حتى اليوم. كنت أسترق النظر دائماً إلى العوالم المخبأة والجوفية وأحاول الإصغاء إلى الصرخات المكتومة، لكن السجن بقي عصيّاً على الولوج والاقتحام ولم يرشح منه سوى رائحة عفونة وباحة صغيرة رمادية تكشف على الزوار لتخفي طوابق مليئة بالعذاب والتعذيب والويلات.

وحدها وجوه السجناء من وراء الشباك، كانت تفشي أسرار المكان. لطالما تباطأت خطواتي وأنا أعبُر وجوههم الكاحلة، ولطالما اشتبكت نظراتنا وحملتني سلامات وأشواق للشارع والحب والنافذة. وما زالت هذه الوجوه المجهولة الهوية تزورني سراً حتى الآن وتتقاطع مع كوابيسي وأحلامي. في هذا المكان واللامكان ولمدة لا تتجاوز الساعة كان موعدي الوحيد مع أبي، أبي الذي تعلمت على تقاسمه مع الزوار الأخرين وعنصر الأمن وأجهزة الرصد والاستخبار، أب مشاع بلا أسرار أو أحاديث حميمية. كنت أجاهد لأحفر كوّة في الحيطان العالية لأهرب من نظرات السجان وأغلاله وأعبر إلى ضفة والدي وألامسه. كانت مهمة مستحيلة أعود منها خائبة دائماً، فالسجن ليس مكاناً للحب والاكتشاف والأبوة، إنه مكان الموت والعجز والاختناق. بعد الزيارة تتكرر الأسئلة من الأقرباء عن الحال والصحة والأخبار ودائماً الأجوبة جاهزة ومعدة مسبقاً ولا تحتمل الشرح والإسهاب: "أبي بخير ويسلم" وابتسامة شاحبه تحجب منولوجي الداخلي، الذي يرجوهم أن لا يسألوني أكثر ويدعوني ألملم ذاتي وأعيد تأهيلها لأقوى على الحياة من جديد. كنت أحاول دائماً أن أعيش حياة كالآخرين ولكن نظرات الشفقة في العيون كانت تشعرني دائماً أنّي مختلفة وأنّي في حالة معلقة بين اليتم والوجود. وما زلت اذكر نظرات الدهشة على وجوه أصدقائي، عندما كنا يوماً معاً في رحلة، وأنا أحاول كأي واحد منهم أن أشتري ايضاً هدية لأبي. كأنهم افتكروا لحظتها فقط أن أبي الغائب حاضر في قشور ذاكرتي وأنني ابنة وإن كان "مع وقف التنفيذ"!!

وهكذا تستمر الحياة بي وبدون أبي لكن بأمل وحيد أن يعود يوماً، لأقف وأنتظره على باب البيت ملوِّحة له، كي لا يتوه عن البيت القديم والابْنة الصغيرة، اللذين غيّرهما الزمان. إنه اليوم الذي سأختلي به وسيكون لي وحدي، سأعاتبه على السياسة والحنان المؤجّل وسأتركه يوبّخني كما يفعل الآباء أو ربما سأطلب منه أن يدعني أتمرجح على حضنه كطفلة صغيرة وألامس بأصابعي تقاطيعه وطباعه التي تشبهني بحكم منبع نهر الدم وجريانه وتعرجاته النفسية... وبعد 22 سنة يعود... ولكن لا شيء يشبه اللقاء الذي كان في البال، يعود أبي بعد طول غياب جثة في صندوق خشبي وفي رحله أخيرة من الزنزانة للسماء. وسيرحل عن حياتي إلى الأبد معنى الأب من دون أن أعرفه وستدفن أحزاني دون تشييع مع صندوقه في التراب ولن أقوى على شدة الألم فأؤجل الألم وأرتق الأحزان ليتّسع قلبي للحياة، وأترك صفحة إهداء لأبي في يومياتي فارغة لا تملؤها من بعد عشرات السنين!!! ولا يبقى من الحكاية غير ذاكرة تنزف من حين لآخر عفونة سجن ووجع أسئلة وجوع دائم للبوشار.

 حكايتي لها حكايات كثيرة تشبهها بل تفوقها قسوة وبشاعة... أطفال كثيرون كبروا ولم يعرفوا أن يكبروا، سجنوا في زنازين أبائهم ولم يستطيعوا أن يكسروا أبوابها ويخرجوا أحراراً. اليوم ومع سورية تولد من جديد نحسّ نحن أطفال السجون أن أرواحنا المنهكة ترتاح والأب التائه منا قد عاد، وأننا أصبحنا قادرين على البكاء بصوتٍ عالٍ وتقبيل رفاته قبلة الوداع. وربما سنصبح قادرين يوماً على زيارة زنزانته كما نزور قبره، نحمل الزهور ونقرأ الفاتحة على العمر المدفون هناك ونروي له بكل حيادية وتجرد أن صار للحكاية تكملة وأن الربيعَ، وإن تأخّر، لا يخلف الميعاد.