الجامعة العربية والدور المفقود

د. صالح بكر الطيار قرأها 1,074

 في ظل ما يشهده العالم العربي من حراكٍ أدى الى سقوط أنظمة في تونس ومصر وليبيا والى تهديد أنظمة أخرى في اليمن وسورية تبدو جامعة الدول العربية اشبه بـ"شاهد ما شفش حاجة" حيث سجلت غياباً كلياً عن لعب أي دور فيما مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي ناشطين في كل الإتجاهات.

ولعل القرار الوحيد الذي اتخذته جامعة الدول العربية هو إقدامها على تجميد عضوية ليبيا القذافي. وتردَّد حينها ان هذا القرار كان مطلباً غربياً للاستناد عليه بغية تسليم الملف الليبي الى حلف الأطلسي وليس مطلباً عربياً ولا حتى بإيحاء عربي. اما عن مجريات ما حصل في مصر وتونس وما يجري الأن في سورية واليمن فإن موقف جامعة الدول العربية يقتصر على إصدار البيانات المشبعة بالتعابير الدبلوماسية الداعية الى "وقف دورة العنف" والى "وضع حدٍّ لشلالات الدم" والى "اعتماد الحوار ونبذ الاقتتال" وما الى هنالك من مصطلحات لا تسند ثورةً ولا تدعم نظاماً. وغالباً ما تظهر نقاط الخلاف والتباعد في كل اجتماع يعقده مجلس جامعة الدول العربية، كما تظهر معه ضعف القدرة على إدارة أيِّ ملفٍ رغم ان ما يحصل في العالم العربي يستحق ليس فقط قمة عربية واحدة بل استنفاراً يومياً لعقد قمم متتالية. فالعالم العربي لا يشهد اليوم مجرد تغيير في أنظمة نقمت عليها شعوبها وحملتها مسؤولية الأزمات المالية والإقتصادية وسوء الإدارة وشيوع الفساد وكثرة البطالة وغلاء الأسعار وانعدام الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، بل ما يجري هو تمهيد لبناء عالم عربي جديد على المستوى الأيديولوجي والعقائدي والجغراسياسي الى حدِّ ان الأمور لم تعد تتوقف عند حدود النكتة التي شاعت قبل شهور والتي تقول ان القمة العربية المقبلة ستكون مناسبة ليتعرف الزعماء العرب على بعضهم لأن اكثريتهم جدد، بل تتعدّى المخاطر هذه النكتة الى حدّ القول ان من المحتمل ان تكون أي قمة عربية مقبلة مناسبة للبحث بعضوية دول طائفية ومذهبية جديدة كانت في السابق جزءاً من دولة او من عدة دول. وقد يقول قائلٌ إن المشكلة ليست في جامعة الدول العربية المعروفِ عنها ضعفُها وهشاشةُ الآليات التي تعمل بموجبها والتي يرفض الزعماء العرب تطويرها وتحديثها لمواكبة أي تطورات تحصل. وهذا صحيح، ولكن الصحيح أيضاً ان الأمانة العامة الجديدة التي تسلمت مهامها منذ اشهر لم تضع لنفسها خارطة تحركٍ، ولا هي قامت بأي مبادرة، ولم تدعُ الى أي لقاء هام، وجل ما تفعله انها تعمل مثل ساعي البريد الذي يوزع الرسائل دون حتى ان يعرف مضامينها. وسابقاً كان يقال ان قوة الجامعة من قوة دولة المقر. وبما ان مصر تمرُّ الآن بمخاض كبير فمن الضروري ان ينعكس ذلك على الجامعة ودورها. ولكن من الخطأ الربط ما بين منظمة اقليمية هامة وما بين مقر وجودها، لا بل هي الآن فرصة لتعبر الجامعة عن قدرتها على لعب دور حتى ولو كان متواضعاً دون النظر الى مخاض دولة المقر وما تمر به من ظروف حساسة وحرجة. وخير دليل على ذلك ان بلجيكا التي تمرّ منذ نحو عشرين شهراً بأزمة سياسية حادة ذات أبعاد قومية ووسط مخاطر بالتقسيم لم تترك أي انعكاس على عمل الاتحاد الأوروبي الذي يتخذ من بروكسل مقراً له.

رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي