في اللغة
.jpg)
لا شكّ في أنّ الإنسان، في جوهر ماهيّته وغائيّة وجوده، هو كائن التَّواصُل الخَلاّق، تأصيلا لأصول، تركيزًا لوجود، تأبيدًا لحياة. ومن دون هذا التّواصُل الإنسانيّ الخَلاّق، لا علاقات إنسانيّة مميَّزة مميِّزة للإنسان: حضورًا حضاريًّا خصبًا، راقيًا، بانيًا... فما هي أداة، أو أدوات التّواصُل هذا؟
لا أداة واحدة للتّواصل. بل أدوات عديدة، منها الحركات والإشارات والخرائط والرّسوم والكلمات، وكلّها رموز. وسنتوقّف عند أداة واحدة، بعينها، كما يطلب الموضوع. هذه الأداةُ هي اللغة. فما هي اللغة، وتاليا: ما أداتها؟ وكيف يتمّ التّواصل بوساطتها؟ ثمّ: ما العلاقة فيما بينها؟ وأخيرًا: أهذه تراتبيّة سليمة منطقيّة، وما أهمّيّتها؟
أللغةُ، أوّلا، "نسقٌ من الإشارات والرّموز"، فالحرفُ إشارةٌ إلى فكرة، رمزٌ إلى صوت. ألصّوتُ يوصل، إلى المُتَلَقّي، فكرةً عَبر نغمٍ واضح مفهوم ومسموع. بالصّوت والحرف تتشارك حاسّتا: البصر والسّمع، ثمّ أوَليس النُّطقُ، بدوره، "حاسّة" ومهمّة!؟ هو مترجِمُ الرّموز أصواتًا، والأفكار كلمات! ما أٌقام "حضارة الكلمة"، وخلّد الإنسان! إذًا فاللغةُ "أداةُ" معرفة. أداةٌ غايةٌ في الأهمّيّة، إلّم تكن الأهمّ. إذًا، وسيلة مهمّة من وسائل التّفاهم، أي التّواصُل، بين الأفراد والجماعات: مواطنين في وطن واحد، وشعوبًا في أوطان مختلفة، بها يتفاهمون. ويكون التّفاهم هذا، على المستويات كلِّها، وفي الميادين جميعها. من دون لغة، خرساء تكون البشريّة. لا تكفي الإشارات الجسديّة أداة تفاهم خَلاّق. من دون اللغة، يتعذّر النّشاط المعرفيّ الهادف إلى الأرقى.
وعليه، فإنّ اللغة ترتبط ارتباطًا وثيقًا وتامًّا، بالتّفكير، إذ كيف يتمّ نقل الفكر والإحساس والرّؤى و... إلاّ عَبر قالب لغويّ بامتياز!؟ قد تنقل إشارةٌ جسديّة فكرة، صحيح، إنّما كيف تنقلها إلى الأجيال؟ من خلال اللغة "تحصُل" الفكرة على "وجودها" الواقعيّ. وبقدر تطوُّر الفكر الإنسانيّ، تتطوّر اللغة. فهما مترابطان، متداخلان، متوحّدان: انطلاقًا وغاية.
هذان التّداخل والتّوحُّد لا يعنيان الذّوبان، لكلٍّ مميّزاتُه. ألتّداخل مهمّ على صعيدَي التّبادل والتّبادع. يكون التّبادلُ بين فردَين أو أكثر. تَبادُل فِكَر وأحاسيسَ وصُوَر ورؤى و... ما يُغني الإنسان والإنسانيّة: فِكَرًا وأحاسيس وصورًا ورؤى و... على كلّ صعيد. أمّا التّبادُع فيتمّ عن طريق التّبادل أيضًا، إنّما يكون على صعيد الإبداع في اللغة، في جوهر قلب اللغة. كلُّ لغة تٌبدِع نفسَها، وإلاّ فإلى موت محتَّم، يُشير إلى موت الفكر. عدم تطوّرِ الفكر، يُيبِس اللغة. يجعلها قاصرة عن "ملاحقة" التّطوّر، "مطاردة" الإبداع. كلّ لغة لا تتابع "إبداعها" تموت.
يُقال إنّ اللغة تطوِّر نفسَها. هذا صحيح. لكن: كيف يتمّ ذلك من دون تطوّر فكريّ ينعكس ابتداعًا لُغَويًّا؟ ألفكر الثّابتُ، الجامدُ، لا يُطوّر لأنّه غير متطوّر. لا يُبدِع لأنّه غير مبدِع. ألفكر أساسٌ روحيّ، أللغة مظهر مادّيّ. تتكامل، هنا، الرّوح والمادّة. تتوحّدان متباينتَين، مختلفتَين، مفترِقتَين. هذا التّبايُن يُغني. وكذلك الاختلاف لا الخلاف، والافتراق لا الفرقة.
لا بدّ، هنا، من الإشارة إلى القول إنّ " القواميس (اللغة) جنّة، ولكنّ الجنّة بلا ناس (الكلام) لا تُداس". أيُقصَد ب"القواميس" لغة بالمعنى الحقيقيّ؟ هذا غير منطقيّ، إذًا غير مقبول. ألقواميس قد تكون "مقابر" اللغة. ألقواميس قد "تجمّد" اللغة، لا تكون ابنة الحياة. مَن يستعمل، بعدُ، ألفاظًا قاموسيّة "عويصة"، أو مَن يُحبّها، يستسيغها، يفهمها؟ مَن يكتب "الهِزَبْر" أو "الفدوكس"، أو "الهعخع"، بدل الأسد أو العشب؟ أللغة بنت الحياة لا بنت القواميس! إنّ القواميس ليست جنّة. إنّها خزانة تختار منها ما تُلبِسُه لأفكارك أو عواطفك أو أحاسيسك أو رؤاك أو... ما شئت. يمكن أن تكون "جنّتك" أنت، لا سِواك، إن كنت ذا ذوق تُحسِن الاختيار المناسبَ، الجميل، المعاصر، الحيّ. "أللغة الخشبيّة"، الخشنة، المتقعّرة، لا تخدم صاحبها. لا تفيد التّواصل، بل قد تُسيء إليه، أو تؤخّره في أحسن الأحوال. "ألجنّةُ"، هنا، هي "الحياة"، لا الاستغراق في القواميس. لذلك يُردِفُ القول: "ولكنّ الجنّة بلا ناس (الكلام) لا تداس." ذلك أنّ الكلام ابن النّاس، والنّاس ينطقون بلغتهم الّتي هي بنت الحياة. ما يعني أنّها متطوّرة مع الحياة بوجوهها كلِّها: اجتماعيًّا، علميًّا، سياسيًّا، اقتصاديًّا، أدبيًّا، حضاريًّا...
إنطلاقًا من هنا، فإنّ "الكلام قاطرة، واللغة، بما فيها القواميس، هي المقطورة". ألكلام، بالمعنى "الحيّ" للّفظة، "يقطر" اللغة، وتحديدًا اللغة "القاموسيّة". ألكلام حياة تتفاعل مع نفسها، في نفسها وعَبرها، ومن أجل نفسها، ومن أجل حياة اللغة: منفعلة، فاعلة، نظيفة، مؤثّرة، موحية، مشرقة. هي هذه لغة التّواصُل الحقيقيّ. تَواصُلٌ لا يُشرِقُ بين المتواصلين، ناقصًا يظلّ، بليدًا، منطفئًا. ألحياة ليست هكذا. ولا تفاعل الأجيال. إذًا، فالكلام "يقطر" القواميس، يجذبها، إلى "اليوميّ" الحيّ، المتأثّر، المؤثّر، إذًا الفاعل. كلُّ فاعل منفعِل. ألمنفعل "يتعاطى" الحياة المتطوّرة والمتبدّلة، المماشية للفكر، وتاليًا للعصر.
أيُعقَلُ، بعد هذا، أن يتمّ التّواصُلُ "إلاّ بالكلام"!؟ أيُمكن أن يُفهَم الكلامُ إلاّ إذا كان "ابن الحياة الحيّة"؟
مثْلُ هذا الكلام، كلام نضج، كلام ثقة، كلام رؤية ورؤيا. يشير النّضج، هنا، إلى "فهم" أنّ الكلام مرآة العصر، وقنديل النّاس الباحثين. يفهم، هؤلاء، أهمّيّة الكلام "الحيّ" وضرورته. والثّقة تعني أنّ الإنسان واثق من كلامه، به يؤدّي فكره و"كلَّ شيء." ألثّقة قوّة دَفْع نحو الآتي. ألرّؤية إشارة واضحة إلى صدق النّاقل (ألمتكلّم) والمنقول (موضوع الكلام). أنت تنقل، تُصَوِّر، ما ترى، أو تفكّر فيه، أو تختزنه من أحلام ورؤى وفكر و... بالرّؤيا أنت تستشرف الزّمن الآتي، ولغته الّتي بدأتها أنت، من يومك، من فورك.
أللغة الحقّة، "تقطّرُ"، أنت كلماتها، بالنور تغسلها، تدهنها بميرون الحياة، وتُطلقُها قويّة، مُصَفّاة، بما لديك من اكتناز فكر، من ذوب ذات. فتكون، حقًّا، في "الجنّتين": جنّةِ اللغة وجنّة الكلام.
وطى الجوز24/5/2011