حول وحدة المعارضة في الدوحة واسطنبول

د. برهان غليون قرأها 842

حول وحدة المعارضة في الدوحة واسطنبول 

يعرف الجميع أنني بدأت أدعو منذ الشهر الأول للانتفاضة إلى تكوين جبهة عريضة للمعارضة تقف إلى جانب شباب الثورة وتقدم لهم الغطاء أو المظلة السياسية التي يحتاجونها لاتّقاء ضربات الداخل السياسية من جميع الأطراف خاصة تلك التي تتّهمهم بالسلفية أو بانهم لا يمثلون إلا شرائح فقيرة جاهلة، وتلك الصامتة التي لم تفهم ماذا يجري، وبشكل خاص نصال شبيحة الإعلام والسياسة الذين عبّأهم النظام. ومن جهة أخرى كان من الضروري أيضاً إيجاد مظلّة موحَّدة للدفاع عن الثورة في الخارج وتأكيد طابعها الديمقراطي والوطني التحرري أمام المتشككين من الدول والأحزاب والقوى الأجنبية التي كونت خلال السنوات الماضية صورة شبه إيجابية عن نظام البعث "العلماني" الذي يقف في وجه المدّ الإسلامي كما يقولون.

وقد ساهمت في أكثر من مبادرة لدفع الأطراف السياسية السورية المختلفة إلى الاتفاق في مابينها على العمل داخل إطار جامع، مع علمي بالخلافات والاختلافات العميقة التي تفرّقها. لكن كنت أعتقد أن من الأفضل أن تواجه هذه الخلافات داخل إطار واحد وتحت مظلة الوحدة لعدم ترك أحد يفرط بالمبادىء الأساسية وكي نحدَّ من قدرة السلطة على التلاعب داخل صفوف المعارضة أو اختراقها والتشويش عليها.

وأنا لا أشك بأن أحد الأسباب الرئيسية لعرقلة جهودنا نحو التوافق هو ما تقوم به الأجهزة الأمنية من تشويش وتشويه لصورة الأطراف المختلفة بهدف وضعها واحدتها ضد الأخرى. وهذا ما أضعف جميع المبادرات أو أحبطها. ومع تعثّر العمل في الداخل من أجل تكوين قوة معارضة قادرة على التأثير والفعل السياسي والدولي لمساعدة الثوار، زاد الاتجاه نحو توحيد القوى في الخارج على أمل أن يساعد ذلك على توحيد الداخل وربطه بحركة التوافق الوطني في ما بعد. وهكذا تم الاتفاق مع مجموعة اسطنبول على العمل المشترك من أجل تشكيل مجلس وطني يقوم بالمهام التي كان من المنتظر من جبهة المعارضة الموحدة أن تقوم بها، أي أن يدافعَ عن الثورة في الداخل والخارج ويعرضَ قضية تحرر الشعب السوري من وباء الطغيان على الساحة الدولية ويطَمْئِنَ قطاعات الرأي المتردّدة في الانخراط في حركة التحرر العظيمة الجارية. وقد نشرتَ في هذا السياق خريطة الطريق لتشكيل المجلس الوطني التي كان من المفروض أن توجّه عملنا للأيام التالية وشكّلنا فرقَ العمل للاتصال بالمجموعات الثلاث التي سيضمها المجلس وهي: ممثلو الأحزاب وممثلو قوى الثورة الميدانية والشخصيات المستقلة السياسية أو العاملة في حقل المجتمع المدني.

وبعد أيام قليلة، وقبل أن تجتمع فرق العمل، وُجِّهتْ لي، كما وُجِّهتْ لبعض الشخصيات السياسية من المعارضة والثورة معاً، دعوةٌ للمشاركة في لقاء تشاوري في المركز العربي للدراسات الذي يرأسه عزمي بشارة. وذهبت إلى الدوحة وفي ذهني توسيع دائرة المشاورات لتشكيل المجلس الوطني واللقاء مع القادمين من سورية. لكن النقاش سرعان ما تفتّح على آفاق جديدة وبرزت نيَّةٌ من جميع المشاركين في تكوين إئتلاف وطني يجمع قوى المعارضة الكبرى المعروفة. وانتهى النقاش في اليوم الأول بتشكيل لجنة لتحرير بيان الإئتلاف النهائي وكان من بين أعضائها اثنان أو ثلاثة مما سيسمى في ما بعد بـ"جماعة استنبول".

في اليوم الثاني الذي كان من المفروض أن نناقش النصّ النهائي للبيان ونوقع عليه. طرح الأخوة في جماعة اسطنبول ملاحظات حول الاسم وكان "التحالف الوطني السوري" وقالوا إنه يذكر بالتحالف الوطني لتحرير سورية الذي ارتبط بنظام صدام، فاقترحنا تغييره إلى "الإئتلاف". لكن طُرحت بعد ذلك أفكارٌ أخرى وقال بعضهم إنهم لم يأتوا للتوقيع على "ائتلاف" وإنما لإنتاج "مجلس وطني". وقلت إن تكوين "الإئتلاف" لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام تشكيل "مجلس وطني" بل بالعكس إنه يسهل ذلك بمقدار ما يدفع المعارضة إلى التوافق. واعتبرنا في البيان أن الإئتلاف هو أحد مكونات المجلس الذي ينبغي أن يُستكمَل مع توحيد قوى الثورة من الهيئة العامة ولجان التنسيق المحلية والمجلس الأعلى. واستمر النقاش في الموضوع حتى اليوم الثالث. وانتهينا في الأخير على أن نتوقّف ونترك الجميع يفكر في موقفه النهائي. وقال لي الأخوة في جماعة استنبول: "رجاءً، لا تذعْ أننا رفضنا التوقيع على بيان الإئتلاف. ونحن لم نرفض لكننا نريد فرصة للتفكير وربما سنوقّع غدا".

هكذا انتهى الاجتماع. وفي اليوم التالي جاء وفدُ عن "الأخوان المسلمون" الذين لم تتم دعوتهم من قبل. وخلال ساعات تم الاتفاق معهم على التوقيع. وشُكِّلت لجنة للمتابعة واتُّفِق على أن يتم الإعلان الرسمي عن ولادة "الائتلاف" يوم الأحد في 11 ايلول وتُعلن أسماء أعضاء الهيئة القيادية بعد أسبوع. لم تناقش أية مبادرة عربية ولم يكن هناك أيُّ خلاف على هدف إسقاط النظام أبداً.. لا قبل قدوم الأخوان ولا بعده. كان الخلاف على تكوين مجلس وطني قبل الائتلاف أو نكون الإئتلاف الذي أصبح جاهزاً قبل المجلس الوطني أو مقدمة له.

يوم الاثنين، وكان موعد الإعلان عن ولادة الإئتلاف قد تأخر لأن الأطراف أرادت أن تطرح الموضوع على الهيئات القيادية في منظماتها، أعلنت جماعة اسطنبول دون أي إعلام مسبق لي أو لأي طرف آخر عن ولادة المجلس الوطني على أن يتم الاعلان عن أسماء أعضائه بعد يومين في الوقت الذي لم نكن قد قمنا بعد بتشكيل أية قائمة بالأسماء ولا باستشارة أي شخص.

لم يتقدم وضع الإئتلاف بعد العودة إلى الداخل وبالمقابل اتصل شباب التنسيقيات مستفسرين عن مشكلة المجلس الوطني، وقلت لهم إنني مستعد للمشاركة لكن في مجلس متوازن. وجاءني وفدٌ من اسطنبول يطلب مني الحضور إلى المجلس فقلت لهم إن المسألة لا تتعلق بموقعي في المجلس أو غيره وإنما بايجاد مجلس متوازن يمثّل جميع أو معظم الأطياف السياسية ولا يقتصر على لون واحد. وينبغي أن يشارك فيه ممثلو الأحزاب والتنسيقيات والشخصيات الوطنية.

وافق أعضاء الوفد على اقتراحي الذي ينصّ على أن نعلن المجلس يوم الخميس، لكن نؤجّل قائمة الأعضاء لأسبوع تالٍ نقوم خلاله بالمشاورات والاتصالات الضرورية لاستكمال قائمة المشاركين في المجلس، ثم ندعو لعقد مؤتمر المجلس الأول بكامل أعضائه في القاهرة حتى نضع أنفسنا في مناخ الثورة العربية الديمقراطية وإطارها، وسيكون مؤتمر القاهرة أيضا مناسبة لانتخاب مكتب المجلس التنفيذي.

وتركت الوفد المكون من ملهم الدروبي ووائل ميرزا اللذين قبلا الاقتراح ورأوا فيه مخرجاً للأزمة يفاوض هو نفسه اسطنبول عني، وانتظرت جواب جماعة اسطنبول وكان الجواب أن قائمة الأسماء لا بد أن تُعلن أو على الأقل قسمٌ كبيرٌ منها لأنهم وعدوا بذلك. وأمام هذا المأزق وتحت ضغط الوفد الذي وقف معي في المفاوضات وإعلاناً عن حسن النية قبلت بالذهاب إلى استطنبول لمتابعة الحوار. واتصلت في مطار اسطنبول من هاتف ملهم الدروبي نفسه، بمسؤول في الأخوان خبرته عما حصل، ثم بأعضاء في جماعة اسطنبول لأعرف الموقف النهائي. وعندما علمت أنه ليس هناك تغيير ولن يكون هناك تغيير وأن جماعة اسطنبول مصرَّة على رفض أي اقتراح لإعطاء فرصة لإعادة النظر في القوائم أو التفكير في توسيع الاستشارات والاتصالات، اعتذرتُ من أعضاء الوفد وأخبرتهم بأنني عائد إلى باريس حتى لا ازيد في تشويش الموقف.

في اليوم التالي لعودتي من استطنبول اتصلتُ بشباب الثورة وهيئاتها وشرحت الموقف ووضعت الأمر بين يديهم واقترحت عليهم أن يقودوا هم مبادرة لإعادة هيكلة المجلس إذا كانت هناك إمكانية. وإذا توصلوا إلى نتيجة مرضية فأنا سأظل في خدمة الثورة وتحت تصرفها.

ولا يزال الأمر في يد التشكيلات الرئيسية لقوى الثورة من هيئة عامة ومجلس أعلى ولجان. والمشاروات ما تزال مستمرة معها من أجل التوصل إلى صيغة تسمح بإعادة هيكلة المجلس بما يجعله معبراً بشكل أكبر عن أهداف الشعب وأطيافه وقواه الحية معا، وفي مقدمها ممثلو الثوار في المدن السورية الثائرة.

وقد اقترحت من طرفي تشكيل لجنة متابعة تضم ممثلين للقوى الشبابية والتشكيلات السياسية وبعض الشخصيات المستقلة ذات المصداقية الوطنية لتقود عملية إعادة هيكلة المجلس، بما يضمن أمرين أساسيين: التزام القوى السياسية بالعمل الجاد داخل المجلس وبناء مجلس متوازن من حيث التوجهات والأطياف الفكرية والسياسية.

وأنا متمسك بموقفي من ضرورة أن يكون المجلس الوطني السوري مجلساً وطنياً بالفعل، يمثل معظم القوى والأطياف السياسية والاجتماعية السورية ولا يقصي أحداً منها، مادام الجميع يتفق على الهدف الأكبر والأول وهو "إسقاط النظام القائم بكل أركانه وإقامة نظام ديمقراطي تعددي"، وأن يستثنى أعضاء قيادة المجلس من حقّ الترشيح لأول دورة انتخابات دستورية، وأن ينص المجلس على حله التلقائي فور بدء المرحلة الانتقالية وانتخاب الهيئة التمثيلية الجديدة التي ستصبح مصدر السلطة في البلاد بعد التحرير.

ومهما كان الحال لن يغير تشكيل المجلس من التزامي بالعمل الى جانب الثوار حتى سقوط النظام. وسأستمر كما بدأت في خدمة الثورة وتحت تصرف هيئاتها متحدثا بقضيتها من دون أن أدّعي أي لقب أو منصب.