حياتي

د. مفيد مسُّوح قرأها 3,247

"حيــاتــــي"

الكلمة الأحب - النص الكامل

حياتي 

أولُ ما التقطته أذني من مقولاتٍ ذاتِ قيمة في مفهوم "الحياة" وفلسفتها، وكنت ابْنَ تسع سنواتٍ, عبارةٌ قالها أمامي والدي، الذي غادر الدّنيا قبل أيام، للأديب الكبير جبران خليل جبران من القصيدة الفلسفية "المحبّة" من كتابه العظيم "النّبي". كان ذلك قبل نصف قرنٍ من اليوم.. وكنّا سعداء في حياتنا الجوهريّة والبسيطة والمحاطة بالمحبّة من كل جانب. كان الحديث يدور في موضوعة "الأبناء والبنين" ولغزِ الحياة وشاعريةِ عيشِها. قال جبران: "أولادُكم ليسوا لكم. أولادُكم أبناءُ الحياة. والحياة لا تقيم في منازل الأمس".

رحتُ منذ ذلك اليوم أفكّر في معنى الحياة وما قيل فيه وأخذني قول المسيح "أنا هو الحياة" بعيداً في رحلة الـ"أنا" وموقعها من "الإنسانية". وباكراً اقتنعت بصغر الأولى أمام الثانية.. دون أن أتخلّى عن قناعتي بأن الإنسانيةَ مفهومٌ مادّيٌّ خالدٌ بذْرتُه الـ"أنا" الرّوحية، التي ربطها المسيحُ بالحياة المادّية وجبرانُ بالمستقبل فهي (لا تقيم في منازل الأمس). واعتقدتُ حينئذٍ بأن الـ"أنا" النّقيّةُ الفسيحةُ بالغيريّة تصنع الإنسانية فيكون الأولاد ليس لآبائهم (الزائلين) بل للحياة (الباقية) بينما تقع الـ"أنا" المشوبة المنغلقة بالذاتيّة في خانة الغرور الانعزالية فنسمّيها "الأنانية"..

عندما نذكر راحلاً من "أبناء الحياة" نقول: "حياة فلان" بدلَ "هو". فإن قال المرء: "أنا" فقد قَصَدَ: "حياتي". هنا تذوب الثانية في الأولى. وإن وصف حبيبٌ حبيبته بـ:"حياتي" عبّر عن ذوبان "أنا"ه في حياته التي منحها إياها. وهنا تذوب "أنا" القائد بجماعته ووطنه و"أنا" الحكيم بأهله ومجتمعه وأنا "النبيل" بمستقبل من يخلِفُه.

الحياةُ أغلى ما عند الـ"أنا".. ثوانيها مكوّناتُها ولكلّ واحدة قيمة المجموع.. وأفضل قيمة للثانية الزّائلة جدوى مَلْئِها في ما يطيل مدى الثواني اللاحقة. وليست القيمة في عدد مرّات شهيق المرء وزفيره بل في الطاقة التي يأخذها من الشهيق الجسدُ والعقلُ ويستخدمانها من أجل إسعاد الآخرين.. وسعادة الذّات في سعادة مَن حولَها.

"حياة" الـ"أنا" ملكٌ له روحاً وملكٌ لغيره "جسداً".. بها يسعدون وبها تثرى الإنسانية بقدر جوهريّة ثوانيها.

نصفُ قرنٍ مرّ وأنا أستمتع بكلمةٍ غدتِ الأحبَّ عندي: "حياتي".. أقولها قاصداً "أنا" وأهديها لمن أحبُّ ولما أحبّ، مفتخراً أن أكونَ تلك الثواني المعطّرةَ بالانتظار والتي عشت ما انقضى منها شهيقاً منحني الطاقة على إسعاد الآخرين وسأعيش ما بقي منها نقيَّ المرمى أضيف إلى لبَناتٍ نضَّد صفوفَها مَن سبقني أو مَن عاصرني بضعَ لَبَناتٍ أُخر مهيِّئاً إياها للآتين بعدنا بـ"أنا"هم النقيّة يضيفون إلى الإنسانية ضمانةً جديدةً تحيا بها وتستمرّ وإن هم ماتوا.

وثلاثة عقودٍ وأنا أسمِّي رفيقة عمري وأناديها بالكلمة الأحبّ: "حياتي".. أقولها صادقاً فتتقبّلُها حبيبتي مبادِلةً ويأتينا صدى عناقها الثوانيَ القادمة نتفاءلُ بمدِّها انتظاراً أنيقَ الخطوات.. وما قيمةُ الثانية ما لم يكنْ عطرُها انتظاراً لتاليتها.

حياتي