ما جرى معي شخصياً في ثلاثة أيام من الاعتقال في دمشق

رامي العاشق قرأها 643

تم القبض علي فيما سمي بمظاهرة المثقفين في منطقة الميدان يوم الأربعاء 1372011

تم سوقي من قبل أربعة عناصر حفظ نظام من إشارة المجتهد إلى مقابل جامع الحسن وهذه المسافة تقدر ب500 متر.

قال لهم أحد الضباط: (لا تضربوه قدام الناس, خدوه عالسيارة واضربوه هنيك لهاد العرعوري) وأنا أمشي مساقاً نحو السيارة تم توجيه الشتائم بكل فظيع ونعتي بصفات غريبة "عرعوري" _ (أنا شعري طويل ومربوط) و"عميل لإسرائيل" – (مع أني فلسطيني) ناهيكم عن الشتائم في العرض والشرف والأم والأخت و و و...

وضعوني في صندوق سيارة تويوتا ستيشن خاصة بالشرطة وأخذوني على فرع الأمن الجنائي بدمشق. فتحوا باب الصندوق وانهالوا عليّ بالضرب باليدين, ثم أنزلوني إلى القبو حيث رأيت الأخوين ملص وسالم حجو وعبد العزيز الدريد وباسل شحادة ومحمد أبو زيتون وعبد الرحمن الحصني وعبد الحكيم بازرباشي وخلدون الخطيب (تعرفت على أسمائهم لاحقاً) موجودين على الأرض مضروبين وكان الباقي موجودين قبلنا (مي سكاف وريما فليحان ويم مشهدي وغيفارا نمر وسارة الطويل ودانا بقدونس وساشا أيوب ورنا شلبي ومجدولين حسن وصبية أجهل اسمها وإياد شربجي وفادي زيدان ونضال حسن ومظفر ومهند وفادي وبلند حمزة (كانوا في غرفة التحقيق, تم تحويل الشباب المصابين إلى المشفى وتم أخذ أقوالنا وأدخلونا على غرفة الاعتقال وبقينا للساعة الخامسة صباحاً مع بعضنا, الساعة الخامسة صباح الخميس تم إدخالنا إلى الزنزانات الخاصة بالمجرمين واللصوص وتجار المخدرات بعد أن فرّقونا إلى قسمين. في زنزانتي، عندما دخلنا وجدنا رجلاً كبيراً في السنّ ضخم الجثة يدعى أبو منير (زعيم القاووش) متظاهر من حيّ "القدم" واستقبلنا أحر استقبال ورحّب بنا وتركنا ننام وظلّ واقفاً لأن الزنزانة كانت ممتلئة. كان في الزنزانة حوالي الخمسة وعشرين شخصاً ينامون على الأرض تحتهم (بطانيات) والزنزانة تعج بالحشرات والصراصير ومظلمة لا يدخلها إلا القليل من ضوء زواريب بعيدة.

أبو منير (زعيم القاووش) حاولوا أن يقنعوه بالظهور على قناة الدنيا للاعتراف بأنه قتل ضابطاً في "القدم" لكنه رفض وقال لهم (لو بتعدموني ما بطلع عالدنيا..) رجلٌ تنحني لعظمته كيف سهر لكي ننام وبات يكبّر ويفرح كلما أخبرناه بوضع المظاهرات في الخارج.. رأينا شاباً اسمه محمد, طالب في الجامعة الأوروبية تُهمتُه رشُّ الماء على المتظاهرين لتهييجهم, لكن المفاجأة الكبرى كانت في الرجل البخاخ, الرجل البخاخ شاب وسيم كان يكتب على جدران باب توما (الشعب يريد إسقاط النظام) كان معتقلاً من سبعة أيام ولم يعرض على قاض, فقط معتقل ويتعرّض لأقسى أنواع التعذيب, وجهه لا ملامح له.. عينان متورّمتان وجسدٌ هزيل ودماءٌ تراها على كل أنحاء جسده... اللهم فكَّ أسرَهم جميعاً.

بالمقابل كان هناك خمسة معتقلين يجلسون خارج الزنزانة يتجولون مع العناصر تهمتُهم الهجومُ على السفارة الأمريكية كانوا يعاملون معاملة خاصة, كان بينهم صحفيٌّ يدعى ياسر (جريدة الثورة) أما الباقون فهم أناس بسطاء, دارت بيننا حوارات كثيرة أثبتنا لهم أننا لسنا خَوَنة بل وطنيون واثبتوا لنا كم هم طيبون ومغيَّبون ومزروعٌ في عقولهم ذاك الحقد العارم من أفكار ذلك الصحفي أنه سمع المتظاهرين في جامع الرفاعي يهتفون "بالروح بالدم نفديك إسرائيل". هذا الشخص يصدقك الكذبة ويكذب فوقها, أما الباقون فكانوا يشتموننا بأبشع الشتائم لكنهم سرعان ما فهموا حقيقتنا ومطالبنا وصدقاً لو جلسنا معهم يوماً آخر لخرجوا معنا في مظاهرة.

تم إخراجنا من الزنزانة عندما جاء قائد الشرطة لمقابلتنا وأعادونا مع بعضنا مجدداً وعدنا للضحك واللعب والحديث السياسي العلني وسط الكاميرات والعناصر والشبيحة.

الخميس مساءً قررنا الإضراب عن الطعام وبعد نصف ساعة كان العميد عندنا محاولاً إقناعنا بإنهاء الإضراب وشارحاً الأمر بأنه مجرّد إجراءات روتينية وبأنه سيتم إخراجنا وإحالتنا إلى القضاء صباح يوم السبت, ولكننا أعلنّا بأننا لا نوافق إلا بعد موافقةزميلاتنا الصبايا المعتقلات, وبالنهاية قررنا أن نصوّت فكان مع الإضراب 13 وضد الإضراب 15 فقررنا التوقف عن الإضراب!! (ديمقراطية في سجون البعث!!).

عندما سألْنا أبو محمود عن سبب هجومه على السفارة أجاب: (أنا كنت جيب كيلو الذرة من حماه بخمس ليرات بس إجا هالسفير ابن الحرام صار الكيلو بخمس وعشرين). أبو محمود جاء من جبلة مع خمسمائة شخص للهجوم على السفارة ومعهم ترخيص, ببساطته وبراءته قطع كل هذه المسافة لكي يضحّي به النظام ويسجنه.

سيأتي يوم الجمعة بعد ساعات قليلة, ونحن نتساءل عن وضع المظاهرات في الخارج هل سيُحضروا المتظاهرين إلى هنا؟

لم نستطع أن نعرف أي شيء  لكن ملازماً (معارضاً) قال لي: لا تهتمّ.. برّا كلُّو تمام!!!

يوم الجمعة كان يوماً متعباً من الانتظار, نحاول أن نستنشق خبراً من هواء القضبان. أهم مافيه أن الأخوين ملص قاموا بتمثيل مسرحيتهما الساخرة في مقرّ الأمن الجنائي وبمشاهدة العناصر والضباط!! (معارضة مسرحية في سجون البعث).

يوم السبت صباحاً استلمنا أماناتنا وخرجنا مربوطين بقيود وسلاسل تجمعنا جميعاً مع بعض في باص الاعتقال كلنا غنينا النشيد الوطني.. (حماة الديار عليكم سلام), والضباط مصدومون لا يستطيعون فعل شيء.

وصلنا إلى القصر العدلي وكان أحباؤنا ينتظروننا في الخارج, أدخلونا إلى النظارة والتقيت مع أبو منير مرة أخرى لكن الأهم كان لقاء معن العودات.

معن العودات مهندس من درعا عمره 52 سنة، اعتقل في مظاهرات درعا, استشهد والده أمامه, كانت عيونه لا تجفّ!! رجلٌ لا تستطيع إلا أن تنحني أمام عظمته حدثنا عن مشاهداته في درعا, يا ألله ما أروعك يا معن.

كما رأينا في نظارة القصر يافعاً من إدلب، متظاهراً أجبروه بعد التعذيب على الظهور على تلفزيون الدنيا ليعترف أنه قد فجر أربع سيارات, تلفزيون الدنيا... الحقيقة كاملة.

ونحن نمثل أمام القاضي كانت مجموعات الشبيحة تنتظرنا خارجاً ويهتفون: (طز فيكي حرية.. نحنا الأمة الأسدية)!!

وتعرفون الباقي..

لكنها كانت تجربة عظيمة لتدخل وترى وتشاهد كم هذا النظام متفتّتٌ ومشوّهٌ من الداخل.. فعندما سألوني: "بدك حرية؟" أجبتهم: "لا.. بدّي إسقاط النظام"..  

تصوّروا.. داخل أروقة الأمن الجنائي: تصويت على الإضراب ومسرحية في السجن وأن تقول ما تريد ... هذه أول نتائج الثورة.

حاولت أن أختصر قدر المستطاع وسأنشر ملحقاً إن تذكرت أي جديد.

عاشت سورية حرة.

رامي العاشق - 1772011