هل الثورات العربية هي صناعة أمريكية..؟!
%5B1%5D(76).jpg)
سعدي يوسف "الشيوعي الأخير" هو شاعر سياسي كبير من طراز جديد، وقامة شعرية سامقة تمثلها الكثير من التجارب الشعرية والأدبية الابداعية. وبالرغم من نزوعه نحو مفردات السياسة في الشعر، الا أنه استطاع أن يكتب أيضاً عن الحياة الشخصية والأشياء الحميمية والصغيرة الدافئة للانسان، من خلال رؤية عميقة ولغة جديدة فجرت ينابيع الخلق والابداع والالهام لدى كثير من الشعراء المحدثين والجدد.
وسعدي مثقف عضوي صاحب تاريخ كفاحي ونضالي في مواجهة الظلم والقهر والطغيان والاستبداد السياسي. وهو صاحب فكرة بناء وتشكيل جبهة ثقافية عربية واسعة من أجل الديمقراطية في الثمانينات من القرن الماضي، وكناعرفناه بمواقفه الجذرية الملتزمة بقضايا الحرية والانسان العربي.
ومنذ الستينات يعيش سعدي يوسف متنقلاً بين العواصم العربية والاوروبية، بعد أن ترك وطنه الأم (العراق) بسبب الظلم والتعسف والاضطهاد الذي مارسه النظام العراقي الديكتاتوري القمعي الحاكم ضد المثقفين والمناضلين العراقيين.
وقد فاجأنا سعدي قبل فترة وجيزة بنشر قصيدة تحت عنوان "أي ربيع عربي؟"، يهزأ فيها بما يسمى بـ"ثورات" أو "انتفاضات" أو "تحركات" جماهيرية عربية، ويتهكم ساخراً من توصيف ما يجري في العالم العربي بـ "الربيع العربي"، مختزلاً الثورة العربية التي انفجرت شرارتها الأولى في تونس بـ "مؤامرة" أمريكية تستهدف تخريب وزعزعة استقرار البلاد العربية والنيل من وحدتها.
وهذا الموقف السياسي الساخر الذي عبّر عنه سعدي يوسف في قصيدته الموسومة "أي ربيع عربي؟" أثار استنكار وسخط وغضب الكثير من المثقفين والسياسيين والمفكرين والمبدعين على امتداد الوطن العربي الكبير، الذين هاجموه واستهجنوا هذه السخرية المرة، التي صدرت عن مثقف كبير وشاعر شيوعي مخضرم طالما غنى للثورة ّوبشّر بها، وطالب بالتغيير الثوري الجذري والاصلاحات السياسية والديمقراطية العميقة، واستشرف سقوط أنظمة العمالة والذل والطغيان، وآمن بانتصار إرادة الشعوب المقهورة والمضطهدة المغلوب عليها. فكيف تكون هذه الثورات من صنع أمريكي؟!. وماذا يقول عن الطالب الجامعي التونسي الشهيد محمد بو عزيزي الذي ضحى بحياته من اجل إشعال نار الثورة التونسية، فهل هو "عميل" أمريكي أيضاً؟؟.
إننا نعي المخاطر والمؤامرات التي تحيط بهذه الثورة والانتفاضة التي عمت الوطن العربي، وندرك تماماً مدى المؤامرة الامريكية الاستعمارية التي تتعرض لها البلدان والشعوب العربية وثورات التغيير العربي، وتستهدف دك الشعوب العربية ونهب خيراتها، والاستيلاء على الثروة النفطية العربية، واجهاض الثورة ضد أنظمة السقوط والتخاذل العميلة المتساوقة مع الطرح الأمريكي والمشروع الأمريكي الامبريالي الاستعماري في المنطقة.
إن ما يجري في العالم العربي من تراكمات انفجرت على شكل مظاهرات شعبية واحتجاجات غاضبة اجتاحت مواقع السلطة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وما زالت تزحف، واطاحت حتى الآن بالعروش والقلاع الحصينة في تونس ومصر والحبل ع الجرار. هذه الانتفاضات الشعبية والجماهيرية جاءت بالأساس لمحاربة الظلم والفساد والاذلال والقهر والمهانة والتسلط القمعي الرسمي، ومحاربة الفقر والفاقة والجوع والبطالة وسحق كرامة الانسان وسلب الحريات الشخصية والعامة، ولتحقيق الاصلاحات الجذرية وتحقيق الحرية والديمقراطية وإعادة البلاد إلى مواقعها القومية التاريخية.
وبالرغم من أن ثمار هذه الثورات لم يؤت بعد، لكنها تسير في الاتجاه الصحيح، رغم ما يعتريها من مصاعب ومتاعب وعراقيل ومؤامرات داخلية وخارجية. وتبقى هذه الثورات تعبير عن رغبة عارمة وصادقة في التغيير نحو الاستقلال الحقيقي والديمقراطي والعيش الحر الكريم والمستقبل الأفضل الأكثر اشراقاً وجمالاً واخضراراً لشعوبنا العربية. وأهم شيء حققته هو كسر الخوف والرعب لدى الإنسان العربي المهمش، الذي لم يعد يخشى الموت أو يخاف النظام الحاكم، فراح يتظاهر للاطاحة بالنظام والمطالبة بمحاكمته ومعاقبته.
أخيراً يمكن القول، إن الثورة والانتفاضة العربية الممتدة هي حاجة ماسة وضرورة موضوعية، سياسية واجتماعية ووطنية، وفي حال نجاحها ستتغير موازين القوى لصالح القوى الطبقية والوطنية والتقدمية والديمقراطية المناضلة ولصالح قضايا الأمة العربية، وفي حال فشلها ستكون النتائج وخيمة وسلبية ومدمرة على كل الواقع العربي، من محيطه وحتى خليجه. وواجب المتثاقفين العرب والنخب الأكاديمية المثقفة الطليعية هو دعم هذه الثورات وليس التقليل من شأنها، وزرع مشاعر الإحباط واليأس في قلوب الجماهير، إذ أن المثقفين هم الأقدر على فهم واستيعاب ونقد الواقع وإعادة بناء الوعي النقدي وطرح الفكر الجديد والمساهمة في التغيير والاصلاح ومقاومة الراهن.
واذا كان سعدي يوسف يعيش في بحبوحة الربيع "اللندني" و"الاوروبي" بعيداً عن واقع وربيع التغيير العربي، ولا يرى ما يحدث على أرض الواقع، فهذ البعد هو الذي جعله يتخذ هذا الموقف الذي لم نكن ننتظره منه. فهل يعيد سعدي يوسف النظر في هذا الموقف أم سيزداد تمسكاً وتشبثاً به؟!.